لقاءات

سلمان عبد الأعلي: المثقف في حالة تغييب


نسرين نجم ..
حمل رسالة ليست بالسهلة، فيها الكثير من المسؤولية، هي رسالة إظهار الفكر والثقافة الإسلامية الصحيحة التي لها دور كبير في تحرير الإنسان من العبودية لغير الله. هو من ينتقد فكرة بأن هناك قطيعة ما بين رجل الدين والمثقف، ويرفض فكرة أن يكون المثقف نخبويًّا، بل يقع عليه واجب إحداث التغيير الإيجابي المنشود. محاور عديدة تحاورنا فيها مع الكاتب والمفكر الأستاذ سلمان عبد الأعلى.


* المشهد الفكري في العالم العربي:
لا يخفى على أحد الانحطاط الذي يعيشه عالم الفكر والأدب في العالم العربي، رغم وجود فسحات أمل في بعض الإنجازات التي تبشر بأن هذه المرحلة ستواجَه، ولكن بشكل عام، هناك تدنٍّ في مستوى الكتابة، عن حال الكتابة في عالمنا العربي يقول أستاذ سلمان عبد الأعلى: "في الحقيقة لا أستطيع أن أعطي تقييمًا شاملًا لذلك، لأني لا أمتلك إحصائيات دقيقة يمكن أن تكشف لنا عن حقيقة هذا الجانب، وإنما كل ما أستطيع عمله هو أن أعطي تصورا عامًّا وانطباعًا مبدئيًّا مبنيًّا على ما خضته من تجارب شخصية في هذا الإطار ليس إلا.  وعليه أقول: أنه من خلال اطلاعي على المشهد الفكري والثقافي العربي، أستطيع أن أقول بشكل عام أن مستوى الكتابة في بلدان المغرب العربي أفضل بكثير من مستواها في باقي أرجاء الوطن العربي، وذلك لأنها تتسم بالعمق والجدية في الطرح في هذا الموقع الجغرافي أكثر من غيرها، وإن كان ذلك لا يخلو من بعض الاستثناءات هنا أو هناك.
ومما يؤسف له حقًا أني أجد مستوى الكتابة في بعض أرجاء الوطن العربي من خلال بعض الإصدارات الصادرة  متدنيًا للغاية، وسبب ذلك يعود في اعتقادي إلى قلة القراءة والاطلاع، فالكثير من الكتاب نجدهم يحرصون على الكتابة أكثر من حرصهم على القراءة والاطلاع، وهذا بدوره ينعكس سلبًا على مستوى هذه الكتابات، مما يجعلها ضعيفة ومتهالكة، لأنه ما لم يحصل على المعرفة، فإن مستوى كتاباته ستكون دون المستوى المأمول.
 ولذا نجد البعض يلجأ للوسائل الإعلامية لتغطية ما لديهم من ضعف فاضح في الكتابة، وذلك لكي يبنوا لهم من خلالها شهرة إعلامية تسهم في حجب وضوح الرؤية عن الآخرين لكي تجعلهم لا يكتشفون حقيقة مستواهم الفعلي، فبدلًا من التركيز على المنتج الذي يقدمونه من ناحية جودة المادة المقدمة فيه، نجدهم يركزون على الإعلام والوسائل الترويجية أكثر، رغم أن كتاباتهم سطحية وإن حاولوا تضخيمها، وهي أقرب للكتابات الصحفية منها إلى الكتابات الفكرية العميقة، وإذا كان الحال كذلك؛ فإن هذا قد يؤثر على صحة تقييمها، وذلك بسبب اختلاط العمل الإعلامي مع العمل الفكري أو الثقافي أو الأدبي وتأثره به وتأثيره عليه، مما يؤدي إلى تشتيت الرؤية وضياع البوصلة".
انطلاقًا من كلام الأستاذ عبد الأعلى سألناه عن غياب المثقف العربي بمعناه الحقيقي، فهل نعاني نقصًا في هذا المجال؟ ومن هو المثقف بنظره؟ أجاب: "بعد ما يُسمى بالربيع العربي كثر الحديث عن ما يُسمى بـ"غياب المثقف العربي" أو "نهاية المثقف العربي"، أو "انتحار المثقف العربي"، وغيرها من المفردات التي استخدمت للدلالة على انتهاء دور المثقف وعدم فعاليته في قيادة الرأي العام أو لصنع المستقبل، وهذا المعنى قد يكون صحيحًا نوعًا ما، فالمثقف الآن لم يعد كالسابق يقود الجماهير ويؤثر فيهم و... و.... إلخ، بل أصبح الكثير من المحسوبين على هذه الفئة مفعولا به وليس فاعلًا.
ولذا نراه يمارس دورًا هامشيًّا مبنيًّا في الأعم الأغلب على ردود الأفعال، فنراه يعلق على مجريات الأحداث والوقائع التي تجري في الساحة دون أن يكون له دور فاعل فيها. والأنكى من ذلك أن يكون له دور، ولكنه ويا للأسف الشديد دور سلبي يُسهم في تعقيد المسألة أكثر، بدلًا من إسهامه في إحداث تقدم فيها، كما نجد ذلك لدى العديد من المحسوبين على المثقفين العرب –حتى الذين يدعون تمسكهم بقيم الحداثة أو الليبرالية- حيث نجد بعضهم يسهم في تكريس الخلافات المذهبية والطائفية مثلًا، وهو بهذا يقوم بالدور المعاكس للدور الذي كان من المفترض أن يقوم به، إذ بدلًا من أن يقود الناس للتنوير والتحضر يقودهم للتدمير ولتصحر الفكر.. ومع كل ما ذكرناه، فإننا إذا أردنا أن نكون منصفين، فإن هذا الأمر له عوامل عديدة قد أسهمت في هذا الأمر، ولذا فإن انزواء بعض المثقفين عن الساحة لم يكن لقرار اتخذوه هم، وإنما لأسباب قاهرة لإرادتهم وخارجة عنها (ولكني لا أريد الخوض فيها الآن). ولذا من غير الدقيق القول بأن المثقف العربي قد غاب أو انتحر بشكل عام، لأنه في العديد من الحالات هو تغييب أكثر من كونه غيابًا، ونحر أكثر من كونه انتحارًا !!

وأما الإجابة على الشق الثاني من السؤال: من هو المثقف؟ فهذا السؤال يصعب الإجابة عنه، لأن المثقف أو الثقافة من المصطلحات التي اختلف حولها العلماء والمفكرون، بل اختلف حولها حتى من يحسبون على المثقفين أنفسهم، ولكن في اعتقادي أن المثقف الحقيقي هو القادر هو على ممارسة أمور ثلاثة: الأول: تحليل الرؤى والأفكار المطروحة إلى عناصرها الأساسية. الثاني: العمل على بناء الجزئيات في رؤية شاملة. الثالث: الجرأة في الإعلان عن آرائه ومواقفه. ولا يستطيع المثقف أن يمارس دوره الفكري بكفاءة مالم يمتلك الجرأة في الإعلان عن آرائه ومواقفه، فبدون ذلك لا يمكنه من ممارسة التغيير الاجتماعي المنشود، فمن لا يجيد التركيب والبناء ولا يجيد التحليل والتفكيك والنقد ولا يمتلك الجرأة لا يمكن الرهان عليه في تحقيق ذلك، لأن دور المثقف الأساسي –من وجهة نظري- هو دور نقدي، ولا يستطيع أن يمارس هذا الدور إذا لم يكن يمتلك قدرة تحليلية أولًا، والقدرة على بناء رؤية لمشروع معين ثانيًا، والإعلان عن آرائه ومواقفه ثالثًا.
وحول سيطرة فكرة بأن الكتابة الأدبية والمقاربات هي نوع من الترف الفكري، يرى الأستاذ سلمان عبد الأعلى: "هذا أمر طبيعي، فلكل فن أصحابه ومريدوه، فالبعض مثلًا يعشق الكتابات العلمية أو الفلسفية وبالتالي هو لا يرى في الروايات الأدبية مثلًا أية أهمية تذكر، بل قد نراه يهاجمها ويراها مضيعة للوقت، خصوصًا إذا اطلع على مجموعة من هذه الأعمال وكانت دون المستوى المأمول، ولكن هذا الأمر مجانب للصواب، فالروايات الأدبية ذات المضمون الرفيع فيها فوائد جمة، ولا يمكن إنكارها أو التنكر لها، فمثلًا الروايات الأدبية يوجد فيها حديث عن شخوص وأماكن وفترة زمنية، وهذا الأمر كفيل بأن يستفيد منه القارئ في بعض الجوانب المعرفية، كالتعرف على بعض الحوادث والوقائع التاريخية، وكذلك التعرف على بيئة وثقافات وعادات المجتمع الذي تتحدث عنه، كما يمكن من خلالها أيضًا تنبيه الوجدان والتأثير به لاستشعار بعض الحالات الإنسانية الخاصة، هذا بالإضافة إلى ما قد تضيفه للقارئ من مخزون ومهارة لغوية وغيرها من الأمور الأخرى، ولو لم يكن للكتابة الأدبية دور إلا تنمية المخزون اللغوي للإنسان لكفى".


* المثقفون ورجال الدين:
خاض الأستاذ سلمان عبد الأعلى مناقشات وحوارات حول النقد البناء في بعض الطروحات الدينية، عن هذا الأمر سألنا الأستاذ عبد الأعلى عن أهمية هذا الأمر في إعادة توجيه العقل البشري كما أراده الله عزّ وجلّ ليكتشف طريق الحق: "لا أريد أن أقوم بتضخيم الدور الذي أقوم به، ولكن في الحقيقة أني حاولت ومنذ سنوات لممارسة النقد في بعض قضايا الفكر الديني، وذلك بهدف تنبيه عموم الناس على ما يُطرح عليهم من معلومات خاطئة أو غير دقيقة، ولقد سعيت جاهدًا أن يكون كلامي في قضايا جزئية محددة، ولذلك قمت بمناقشة أطروحات شخصيات دينية محددة ومعروفة بأسمائهم، وذلك لكي أكشف الخلل للقارئ على حقيقته بكل وضوح، وهذا الأمر تطلب مني (الضرب في المليان) كما يقول المثل المصري الشهير، حيث قمت بتوجيه النقد لبعض الشخصيات المعروفة بشكل مباشر، وسبب ذلك هو إيماني بأن دور المثقف لا ينبغي أن يكون دورا نخبويًا فقط، بحيث يتحدث عن أمور كلية بعيدة كل البعد عن هموم وقضايا عموم الناس اليومية، بل لا بد له من التفاعل مع قضاياهم الجزئية.
وهذه الفكرة منسجمة تمامًا مع ما أكد عليه الشيخ حيدر حب الله في تفسيره لسورة المسد، حيث ذكر هناك أن النصوص الدينية بشكل عام والقرآن الكريم بشكل خاص لم يكتفِ بالحديث عن المطلقات والكليات، لأن هذا لا ينفع لوحده لبناء أجيال ولا أديان، فالأنبياء عليهم السلام قد تعايشوا مع الوقائع الجزئية ولم يتجردوا عنها، وإنما دخلوا في تفاصيل بعض الوقائع في مجتمعاتهم لكي يؤثروا بهم".
وحول هذا الموضوع سألنا الأستاذ عبد الأعلى عن مقالته: "المثقفون ورجال الدين" وعن أية إشكالية يتحدث عنها؟ ولماذا اختار الخوض في هذا العنوان؟ يقول: "لقد تناولت في هذه المقالة إشكالين في إطار هذه العلاقة وهما: أوّلًا: (إشكالية تتعلّق بالأدوار والمهام): وبينت فيها بأن هناك من يضع المثقف مقابل رجل الدين، إما باعتباره لا يطرح طرحًا دينيًا أو لا يمارس دورًا دينيًا أو باعتباره لا يحقّ له أن يطرح هذا الطرح أو يمارس هذا الدور لكونه ليس متخصصًا في المسائل الدينية، وبينت بأن هذا مجانب للصواب، لأن المثقف من الممكن أن تكون له أدوار دينية بارزة وفعالة، وأشرت إلى رؤية الدكتور علي شريعتي في هذا الأمر، وذلك في كتابه (مسؤوليّة المثقف) عندما ميّز بين المثقف في الرؤية الغربية وبين المثقف في الرؤية الإسلاميّة، وبيّن بأنّ مسؤوليّة المثقف ودوره في الرؤية الإسلامية يشبه الدور الذي مارسه الأنبياء والرسل وأئمة المذاهب، وهذا يعني أنّ المثقف في الرؤية الإسلاميّة -بحسب الدكتور شريعتي- لابد وأن يكون له في مجتمعه أدوار دينية تسهم في إحداث التغيير الإيجابي المنشود.

كذلك أشرت إلى ما قام به الأستاذ زكي الميلاد في كتابه (محنة المثقف الديني مع العصر) والأستاذ يحيى محمد في مفهوم (المثقف الديني) في كتابه (القطيعة بين المثقف والفقيه)، وأردت من خلال ذلك بيان أن الفصل التام والكامل بين المثقف ورجل الدين ليس صحيحًا في كلّ الأحوال، لأنه من الممكن أن يكون رجل الدين مثقفًا أو أن يكون المثقف مثقفًا دينيًا، ففي حالات كهذه يمكن الجمع بينهما حتى في شخصية واحدة، وذكرت كمثال بعض الأسماء المعاصرة ممن أعتقد بأنهم يمتلكون هذه الصفة (مثقف وعالم دين)، وهما: السيّد كمال الحيدري والشيخ حيدر حبّ الله.
 ثانيًا: (إشكاليّة المقارنة بالنماذج السيّئة): حيث بينت أن بعض المثقفين عندما يريدون أن يتحدّثوا عن رجال الدين ينتقون النماذج السيئة ويصوّرونهم وكأنّهم هم الممثلون لفئة رجال الدين، وربما يُجرون مقارنة بين ما يقدمه هؤلاء البسطاء وبين ما يقدّمه كبار المثقفين والمفكّرين، وذلك ليثبتوا تفوّق المثقفين على رجال الدين. وفي المقابل، نجد بعض رجال الدين يمارسون نفس الأمر أيضًا،  إذ ينتقون أسوأ النماذج من المحسوبين على المثقفين ويصوّرونهم وكأنّهم هم الممثلون لفئة المثقّفين، وربما أيضًا يقارنون ما يطرحه هؤلاء من أطروحات هزيلة مع كبار العلماء والشخصيات الدينية البارزة، وذلك أيضًا  ليثبتوا التفوّق الواضح لرجال الدين على المثقّفين.
وبينت بعدها أنّه من الخطأ اختزال كلّ المثقفين في بعض النماذج السيئة، وكذلك الأمر بالنسبة لرجال الدين، وأشرت إلى أن هذه هي إحدى المشاكل الكبرى التي يعاني منها كثير من المحسوبين على كلا الطرفين، حيث نجد الكثير منهم يركّز على النماذج السيّئة في الطرف الآخر ويغفل أو يتغافل عن النماذج الحسنة والمشرفة. وما أردت أن أصل إليه من كلامي السابق هو أن المسألة ليست كما يحاول أن يصورها البعض من أن الأمر هو صراع بين فئة المثقّفين ورجال الدين، وذلك لأنّ الصراع موجود حتى بين رجال الدين أنفسهم، والمثقفين أنفسهم، فصراع رجال الدين مع بعضهم البعض لا يقل عن صراعهم مع بعض المثقفين، وكذلك الحال بالنسبة لصراع المثقفين مع بعضهم البعض، ولذلك لا يصحّ أبدًا استعراض الأمر وكأنّ الصراع دائر فقط بين المثقفين ورجال الدين.
وأما لماذا اخترت الخوض في هذا العنوان؟ فهو أني وجدت أن هناك من يستعرض العلاقة بين المثقفين ورجال الدين ويُصوّرها وكأنها لابد وأن تكون محكومةً بالصراع أو القطيعة دائمًا، فكلّ مثقف لابد وأن يكون ضدّ رجال الدين، وكلّ رجل دين لابد وأن يكون ضدّ المثقّفين، حيث حاولت أن أبين بأن هذه الصورة مشوهة وغير صحيحة رغم مساهمة بعض المحسوبين على كلا الطرفين (رجال الدين والمثقفين) في تكريسها".
فلماذا اسم سلمان عبد الأعلى هو محط نقاش وجدل من الناحية الفكرية عند البعض؟ وهل هذا يدل على أنكم قدمتم تجديدًا فكريًا في مكان ما؟ "الادعاء بأني قدمت فكرًا تجديديًا في الحقيقة شرف لا أدعيه، وأعتقد أن الصدى الواسع لما أكتبه يعود للجرأة الموجودة فيها أكثر من أي أمر آخر، إذ لم يعتد الكثير على الدخول في حوارات ومواجهات مباشرة مع شخصيات دينية معروفة بالكيفية التي اتبعتها في بعض المقالات".


* الشباب والثقافة الإسلامية:
تعتبر الثقافة الإسلامية الوسيلة الأساس لتحصين الفرد من كل ما يغزونا من الحرب الناعمة، ولمعرفة الذات ومعرفة الآخر، والوصول إلى معرفة الدرب الحق، لذا طرحنا على الأستاذ عبد الأعلى التالي: أين الشباب من الثقافة الإسلامية؟ ومن المسؤول؟ يجيب: "الشباب مختلفون فيما بينهم ولا يمكن الحكم عليهم بحكم واحد، فهناك من يحمل ثقافة إسلامية وهناك من هو بعيد كل البعد عنها، كما أن من يحمل الثقافة الإسلامية متعددو التيارات والتوجهات، فهناك من يقف على اليمين المتشدد، وهناك من هو على اليسار المتساهل، وهنا من يقف في منطقة وسطى بينهما. وأما المسؤول عن ذلك، فلا يمكن إلقاء مسؤولية ذلك على شخصيات معينة كرجال الدين مثلًا، إذ أن هذا الأمر ليس شأنًا خاصًا بهم، بل هي مسؤولية الجميع، فكل من يحمل هم الرسالة عليه أن يقدم ما يستطيع في هذا الشأن".

وحول مدى أهمية الثقافة الإسلامية في صناعة شخصية الإنسان وتحريره؟  يعتبر بأن: " الثقافة الإسلامية الأصيلة لها دور كبير في تحرير الإنسان من كل أشكال العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ((وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ))، فالإسلام من خلال ما جاء به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم جاء ليحرر الإنسانية من القيود والأغلال، ومن كل أسر يمارس على الحرية كما قال تعالى في هذه الآية المباركة، ولذا فإن الإسلام من خلال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد حارب كل ما يحول بين الإنسان وبين الوصول للحقيقة، فحارب من أجل هذه الغاية الجهل والخرافة، واتباع الآباء، والشهوة المنفلتة، لذلك كانت دعوته للحرية ليست كدعوة غيره من أصحاب الدعوات الأخرى، لأن دعوة غيره تركز على حرية الإنسان في أن يقول ما يريد أو أن يفعل ما يريد، ولكنها تغفل ولا تركز على تأثير الشهوة والغريزة والنوازع الشيطانية على الحرية، وهذا ما يجعل البعض يمارس الحرية في جانب، ولكنه يبقى قابعًا تحت الأسر ومشلول الإرادة في جانب أو جوانب أخرى، ونلحظ ذلك جليًا في المجتمع الجاهلي، الذي لم يكن الضعفاء والعبيد لوحدهم هم الذين يعانون من العبودية التي يمارسها عليهم الأسياد والمترفون، بل كان هؤلاء الأسياد كذلك عبيدًا وليسوا أحرارًا، لأنهم عبيد لشهواتهم ولغرائزهم ولأفكار آبائهم، ألم يقولوا كما جاء في القرآن الكريم (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)؟، فهم حتى في تفكيرهم ليسوا أحرارًا وإنما عبيدًا لآبائهم، ومع ذلك تراهم لا يفتشون في أنفسهم عن ما يخرجهم من ذلك، بل ولا يجدون حرجًا فيه.
 ولما جاءت الدعوة الإسلامية والتي هي رسالة لتحرير الإنسان من عبادة غير الله سبحانه تعالى، لاقت هذه الدعوة استجابةً كبيرةً لدى طبقة الفقراء والعبيد والضعفاء، لأن هؤلاء وجدوا في هذه الدعوة ما يغير واقعهم للأفضل وما يحررهم من العبودية ومن كل ما يرافقها من الذل والهوان والحرمان، فلقد جعلتهم هذه الرسالة يعيشون الحرية الفكرية، ليفكروا في مصيرهم وليختاروا ما هو أفضل لهم في دنياهم وآخرتهم. ومن هنا نقول بأن هناك فرقًا كبيرًا بين إسلامنا نحن وبين إسلام السابقين في زمن الرسالة، لأن إسلامهم كان محررًا لهم في فكرهم، وفي سلوكهم، وفي كل حياتهم، بحيث جعلهم ينطلقون نحو آفاق أرحب فيها خيرهم وسعادتهم، ولم يضع لهم حدود تخنق حريتهم في هذه الناحية، بعكس إسلامنا نحن الذي نمارسه ويمثله البعض منا، إذ أنه يقيدنا ويجعلنا في حدود نخاف من تجاوزها أو الاقتراب منها، وكل ذلك بحجة الحفاظ على الإيمان والخوف من الانحراف والضلال. كذلك نجد أن طبيعة إيمان السابقين تختلف عن طبيعة إيماننا، لأن إيمانهم كان نتيجة لإعمال العقل ولحرية البحث والفكر والاختيار التي حث عليها الإسلام من خلال الرسول (ص)، بعكس إيماننا نحن الذي يرى في إعمال العقل والفكر -في أحيان كثيرة-شاهدًا من شواهد الانحراف والضلال!!

وأما عن تأثير الدعوة المحمدية على أوساط طبقة الأغنياء والمترفين والسادة، فالحق يُقال بأنها لم يكن لها ذلك التأثير الكبير، وذلك لأن هؤلاء كانوا يرونها تهديدًا لمصالحهم، لأنها تحد من حريتهم في سيطرتهم وتحكمهم في غيرهم من الضعفاء والعبيد، فهم ينظرون لحريتهم من هذه الزاوية فقط، ولا يرون أنفسهم ناقصي الحرية لأنهم عبيد لشهواتهم ولأفكار آبائهم البالية. لذلك نجد أن الدعوة الإسلامية من خلال الرسول الأكرم (ص) قد حاربت كل القيود وكسرت كل الأغلال التي عملت على تكبيل العقل وتقييد حريته وخنق صوته، والتي جعلت الإنسان أسيرًا لها وعبدًا لغير خالقه سبحانه وتعالى، سواء كان هذا الغير شخصًا آخر يتحكم فيه أو كان ذلك نفسه الأمارة بالسوء من خلال ضعفه وتهالكه أمام غرائزه وشهواته، ولقد استطاع الرسول الأكرم (ص) من خلال دعوته للإيمان بالله سبحانه وتعالى مواجهة الكفر والجبت والطاغوت الذي يمثل كل ما هو سلبي في مواجهة هذه الرسالة، سواء كان ذلك من داخل النفس أو من خارجها، ووقف في وجه أي أمر يقيد العقل ولا يجعله حرًا في حركته للوصول للحقيقة المنشودة. لهذا كله، لم تقتصر دعوة الرسول الأكرم (ص) لمحاربة عبادة الأصنام والأوثان فقط، ولكنه حارب كل من يروج لها وينتفع من خلالها، وحارب كذلك كل الأجواء المساعدة على ذلك، فحربه كانت حربًا شاملة على الجهل والتخلف، وعلى الأهواء والشهوات المنفلتة، وعلى اتباع الآباء والتقليد الأعمى، وعلى أصحاب المصالح والطامعين والمسيطرين على المجتمع بغير حق، حيث أنه (ص) قد حارب كل هذه الأمور، لكي يحرر الإنسان تحريرًا حقيقيًا وواقعيًا من عبادة غير الله إلى عبادة الله سبحانه وتعالى. لذلك نقول: بأنه ليس من الصحيح أن نكتفي بدعوة الناس لتحرير أنفسهم من عبادة غير الله إلى عبادة الله دون دعوتهم لمحاربة الجهل والتخلف والشهوات والنوازع الشيطانية وغيرها من الأمور الأخرى، لأن دعوة من هذا القبيل هي دعوة ناقصة وغير تامة".
قبل ختام الحوار سألناه عمّا يريد أن يصل إليه من وراء كتاباته فيقول: "الحرص على عدم استغفال الناس وتثقيفهم بمعلومات خاطئة أو غير دقيقة، ومن أجل ذلك حرصت على التدقيق في مصادر بعض الأطروحات التي طرحت عليهم، وقد يلاحظ القارئ تركيزي على هذا الجانب من خلال بعض الموضوعات التي كتبتها، كما في مناقشتي للشيخ محمد السند والذي جاء بعنوان: (دور الروايات في تفسير القرآن عند العلامة الطباطبائي)، وكذلك السيد هاشم الهاشمي في (حوار مع السيد هاشم الهاشمي)، والسيد منير الخباز في موضوع (الأمور الحسبية في أطروحات السيد الخباز.. نظرة نقدية) والشيخ الدهنين في (الشيخ الدهنين وتنقية التراث) و(فتنة الشعائر الجديدة) وغيرهم". أما عن مشاريعه :"حاليًا أقوم بالعمل على أكثر من عمل فكري، ولكن الأقرب هو تجهيز كتاب للطباعة بعنوان (حوارات جريئة)، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتم طباعته ونشره في أسرع وقت ممكن".

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

2017-04-21 18:41:51    أختيار موفق

أحسنتم الاختيار الاستاذ سلمان من نخبة المثقفين بالمجتمع الأحسائي ولكن للأسف مجهول القيمة والتقدير