مقالات

الإمام علي عليه السلام في كلام الولي دام ظله (2)


مرحلة السكوت والتعاون
إنّ أشدّ مراحل حياة أمير المؤمنين عليه السلام قد بدأت في هذه السنوات الثلاثين، أي بعد أن انتهى عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ورحل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الدنيا. فكانت أشدّ محن أمير المؤمنين عليه السلام في تلك المرحلة والأيّام. في تلك الأيّام الّتي كان النبيّ العزيز صلى الله عليه وآله وسلم موجوداً ويتحرّك ويجاهد في كنفه، كانت الأيّام جميلةً، وعذبة. إنّ الأيّام المرّة هي الأيّام الّتي جاءت بعد رحلة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . أيّامٌ كانت الفتن فيها كقطع الليل المظلم تُرى من الأفق بحيث إنّه لم يكن من يريد أن يتحرّك تحرّكاً صحيحاً، بقادر على أن يرفع قدماً عن قدم، هناك بالتحديد وفي تلك الظروف قدّم أمير المؤمنين عليه السلام أكبر امتحانات الإيثار.
أوّلاً، وأثناء وفاة النبيّ كان أمير المؤمنين عليه السلام منشغلاً بأداء التكليف. لا أنّه لم يكن يعلم بوجود اجتماعٍ ومن الممكن أن يُحدّد فيه مصير السلطة والحكومة في العالم الإسلامي. لم تكن القضيّة بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام من أجل هذا، ولم تكن قضية الأنا متصورة عنده من الأصل. بعد أن استقرّت قضية الخلافة، وبايع الناس أبا بكر وانتهى كلّ شيء انزوى أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يُسمع عنه أيّة كلمةٍ أو موقفٍ يحكي عن معارضته للجهاز الحاكم. نعم، قد كان ذلك منه في الأيّام الأولى، كان يسعى لعلّه يتمكّن من إحقاق ما يراه بحسب عقيدته حقّاً، وممّا ينبغي القيام به. وعندما رأى الأمر خلاف ذلك، وأنّ الناس قد بايعوا وانتهت القضية، وأضحى أبو بكر خليفة المسلمين، نجد أن أمير المؤمنين عليه السلام عُرف في تاريخ الإسلام بأنّه لا يبدر منه أي خطر أو تهديد أو ضرر على الجهاز الحاكم، وإن كان معارضاً له. فأمير المؤمنين عليه السلام في هذه المرحلة - والّتي لم تكن مديدة، لعلّها لم تكن أكثر من عدّة أشهر - قال لقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري ويقصد الخلافة. "ووالله لأسلمنّ ما سلُمت أمور المسلمين"، - فما دمتُ أرى أنّه لا يُظلم أحد-، "ولم يكن فيها جورٌ إلا عليّ خاصّة"، فإنّني لن أقوم بأيّ عمل ولن أعارض أبداً.
وبعد مدّةٍ وجيزة، لا تزيد على عدّة أشهر، بدأ ارتداد بعض الجماعات، ولعلّها كانت مدفوعةً لذلك، حيث شعرت بعض القبائل العربية أنّه طالما لا يوجد نبيّ ولا يوجد قائد للإسلام، فلا بأس أن يختلقوا إشكالات وأن يعارضوا ويحاربوا ويثيروا القلاقل، ولعلّ ذلك كان بتحريك من المنافقين، فنشأ تيّار الردّة - أي ارتداد مجموعة من المسلمين - وبدأت حروب الردّة. فأصبح الوضع بحيث لا يحتمل أن يجلس أمير المؤمنين عليه السلام جانباً، فكان لا بدّ له (في مثل هذا الوضع) من أن يدخل ميدان الدفاع عن الحكومة. هنا يقول: "فأمسكت يدي"، فبعد أن حدثت قضية الخلافة وصار أبو بكر خليفة المسلمين "أمسكت يدي" وجلست جانباً. فهذه الحالة، حالة الاعتزال، "حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم "، هنا نزل إلى الميدان. وكان فعاّلاً جداً، وفي جميع القضايا الاجتماعية المهمّة، كان أمير المؤمنين عليه السلام حاضراً.
ويصف أمير المؤمنين عليه السلام حضوره في مرحلة الـ 25 سنة من خلافة الخلفاء الثلاثة، بالوزارة؛ فعندما جاؤوا إليه بعد مقتل عثمان وبايعوه بالخلافة، قال: "وأنا لكم وزير خيرٌ منّي أمير". أي كما كنت لكم في السابق دعوني كذلك. فقد كان مقامه وموقعيّته طوال الـ25 سنة موقعيّة الوزارة؛ أي أنّه كان دائماً في خدمة الأهداف، وكان في المواقف يُعين المسؤولين والخلفاء الّذين كانوا على رأس الأمور، ومثل هذا يُعدّ إيثاراً لا مثيل له، يحيّر الإنسان في الواقع ويجعله يفكّر كم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان مؤثّراً في حياته.
وخلال الـ 25 سنة هذه، لم يفكّر أبداً بالقيام والانقلاب والمعارضة وجمع العدّة والإمساك بالقدرة والسيطرة على الحكومة. مثل هذه الأمور تأتي على أذهان الناس. فعندما رحل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من الدنيا كان عمر أمير المؤمنين عليه السلام نحو 33 سنة. وبعدها كانت مراحل الشباب والقدرة الجسمانية ومرحلة النشاط. وكانت الوجاهة والمحبوبية بين عامّة الناس، والذهن الوقّاد، والعلم الوفير، وكلّ الجاذبيات الّتي يمكن أن تتوفّر للإنسان، كانت موجودةً في أمير المؤمنين عليه السلام في أعلى درجاتها. فلو أراد أن يقوم بأيّ عملٍ لاستطاع ذلك. إلا أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ، خلال مدة الـ 25 سنة هذه، لم يُسمع منه أيّ شيء، ولم يتحرّك إلا من أجل خدمة تلك الأهداف العامّة والكلية للنظام الإسلاميّ الّذي كان أولئك الخلفاء على رأسه. وكان هناك أحداثٌ عظيمةٌ استثنائية، ولا أريد الآن أن أدخل هنا في شرح الموارد التاريخية.

وقد دُعي أمير المؤمنين عليه السلام إلى الشورى المتشكّلة من ستة أشخاص بعد موت الخليفة الثاني، فلم ينزعج ودخل في الشورى. لم يقل إنّ هؤلاء ليسوا في مستواي، فأين طلحة والزبير وأين عبد الرحمن بن عوف وأين عثمان وأين أنا؟ وطبق وصيّة عمر، جعلوا ستة أشخاص بعنوان شورى من أجل أن ينتخبوا من بينهم خليفةً. وكان حظّ أمير المؤمنين للخلافة من بين هؤلاء الستّة هو الأوفر. وكان رأي عبد الرحمن بن عوف هو الرأي الفاصل. أي أنّ أمير المؤمنين كان له صوتان هو والزبير، وكان لعثمان صوتان هو وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف كان له صوتان هو وسعد بن أبي وقّاص، وكان صوت عبد الرحمن بن عوف فاصلاً. فلو أنّه بايع أمير المؤمنين عليه السلام لصار خليفةً، ولو بايع عثمان لصار هو الخليفة. هنا توجّه (عبد الرحمن بن عوف) إلى أمير المؤمنين عليه السلام وسأله إن كان يعمل بكتاب الله وسنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الشيخين، أي الخليفتين السابقين. فقال عليه السلام: كلّا، إنّني أعمل بكتاب الله وسنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كان من الممكن بأقلّ تغاضٍ عمّا هو صحيحٌ وحقّ أن يحصل على الحكومة ويمسك بزمام السلطة. لكنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يفكّر هكذا لحظةً واحدةً، ففقد الحكومة وخسر السلطة. وهنا قد آثر ولم يطرح نفسه وإنّيته أبداً، بل جعلها تحت قدميه. وما كانت مثل هذه المشاعر لتبرز في أمير المؤمنين عليه السلام من الأساس.
وبعد مرور 12 سنة من حكومة عثمان، في نهاية الأمر، كثُرت الاعتراضات عليه وبدأ الناس يخالفونه ويعترضون عليه كثيراً، وتقاطروا من مصر ومن العراق ومن البصرة ومن أماكن أخرى، وفي النهاية تشكّل جمعٌ كبير وحاصروا بيت عثمان وهدّدوه. هنا ماذا يمكن أن يفعل أيّ إنسان في موضع أمير المؤمنين عليه السلام ؟ ذاك الّذي يرى نفسه صاحب حقٍّ بالخلافة، وكان لمدّة 25 سنة يتغاضى عن حقّه وهو يعترض على سلوك الحاكم الحالي، ها هو الآن يرى بيت هذا الخليفة محاصراً. فالشخص العاديّ بل حتّى النخب والوجهاء ماذا يفعلون في مثل هذه الحالة؟ نفس العمل الّذي قام به الآخرون، نفس ما فعله كلّ من طلحة والزبير وغيرهم، وكلّ الآخرين الّذين كان لهم في قضية عثمان ما كان. إنّ قضية قتل عثمان هي من الأحداث المهمّة جداً في تاريخ الإسلام، ويمكن للإنسان أن يشاهد في نهج البلاغة وفي الآثار وفي التاريخ الإسلاميّ ما الّذي أدّى إلى مقتل عثمان، ليتّضح له بشكلٍ كامل من الّذي قتل عثمان ومن الّذي دفع إلى قتله. أولئك الّذين كانوا قد جعلوا ادّعاء محبّة عثمان فيما بعد محور تحرّكاتهم، هنا طعنوه من الخلف، وكانوا يحرّكون الأمور من وراء الكواليس. سألوا عمرو بن العاص من الّذي قتل عثمان، فقال: فلانٌ - وذكر اسم أحد الصحابة - هو الّذي صنع سيفه، والآخر أحدّه، والثالث سمّه، وذاك طعنه به. الواقع هو هذا.
هنا نجد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الواقعة يقوم بما يراه تكليفاً إلهياً وإسلامياً بكامل الإخلاص. فقد أرسل إلى بيت عثمان كلّاً من الحسن والحسين عليهما السلام ، هاتين الجوهرتين العظيمتين وبقية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، من أجل الدفاع عن عثمان. كان المخالفون يحاصرون بيت عثمان ويمنعون دخول الماء إليه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يرسل له الماء والطعام، ويفاوض مرّات ومرّات أولئك الّذين غضبوا على عثمان لعلّه يهدّئ من روعهم. وعندما قتلوا عثمان غضب أمير المؤمنين عليه السلام .
هنا أيضاً، نجد أنّه لا يمكن أن نشاهد في أمير المؤمنين عليه السلام أيّة حالة من الإنّية وحبّ الذات ومشاعر الأنا الّتي يمكن أن توجد في كل فرد من الناس. فبعد أن قُتل عثمان كان من الممكن لأمير المؤمنين عليه السلام أن ينزل إلى الميدان كوجهٍ وكشخصٍ انتهازيّ ومدّعٍ لخلاص المجتمع، ويقول أيّها الناس ها أنتم قد ارتحتم أخيراً وتخلّصتم من المشكلة، والناس سوف يحبّونه. لكنّه لم يفعل، فبعد حادثة عثمان لم يتحرّك أمير المؤمنين عليه السلام نحو السلطة والإمساك بالحكومة. كم هي عظيمة هذه الروح الكبرى: "دعوني والتمسوا غيري"، أيّها الناس اتركوني واذهبوا إلى شخصٍ آخر. ولو اخترتم شخصاً آخر فإنّني سأكون له وزيراً وأعينه. هذه هي تصريحات أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الأيّام. لم يقبل الناس ولم يتمكّنوا من اختيار أحدٍ سوى أمير المؤمنين للحكومة.


مرحلة الخلافة

لقد بايعت جميع الأقطار الإسلامية أمير المؤمنين عليه السلام . وحتّى ذلك الوقت، لم يكن قد جرى مثل هذه البيعة العامّة الّتي تمّت لأمير المؤمنين عليه السلام ، حيث إنّ جميع الأقطار الإسلامية وكلّ الكبراء والصحابة قد بايعوه، باستثناء الشام الّذي لم يبايعه. فقط عدّة قليلة، أقل من عشرة أشخاص، لم يبايعوا أمير المؤمنين عليه السلام ، فأحضرهم إلى المسجد واحداً واحداً وسألهم لماذا لم تبايعوا - وكان من بين هؤلاء عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقّاص - فكان أن قدّم كلّ واحدٍ منهم عذراً، وقال شيئاً. بعض منهم عاد وبايع، وبعضٌ آخر لم يبايع مطلقاً - عددٌ قليلٌ جداً بعدد أصابع اليد الواحدة - فتركهم أمير المؤمنين عليه السلام . ولكن بقية الوجوه المعروفة كطلحة والزبير وغيرهما وغيرهم قد بايعوا أمير المؤمنين جميعاً، وقبل أن يبايعوه قال لهم: "واعلموا أنّي إن أجبتكم"، وهو يشير إلى أنّهم لو أصرّوا أن يمسك هو بالحكومة "ركبت بكم ما أعلم"، فلا تتصوّروا أنّني سأراعي تلك الوجوه والشخصيات والهياكل القديمة والمشهورين والمعروفين، كلا، فلا تتصوّروا أنّني سأتّبع فلاناً وأقلّد فلاناً، أي أنّني سأديركم بحسب ما أعلم وما أشخّص وما أعرفه من الإسلام. وهكذا فقد أتمّ أمير المؤمنين عليه السلام الحجّة على الناس وقبل بالخلافة. كان من الممكن لأمير المؤمنين هنا، ولأجل حفظ المصالح ورعاية جوانب القضية وأمثالها، أن يتنازل ويجذب إليه القلوب، لكنّه وبكلّ قاطعية أصرّ على الأصول والقيم الإسلامية بحيث إنّ كلّ هؤلاء الأعداء قد اصطفّوا في مقابله وكان أمير المؤمنين عليه السلام يواجه معسكراً مليئاً بالمال والشدّة والتزوير، ومعسكراً آخر فيه الشخصيّات الوجيهة والمعتبرة والمعروفة، ومعسكراً ثالثاً يضمّ المتظاهرين بالقداسة والتعبّد، لكنهم جاهلون بحقيقة الإسلام وروحه وتعاليمه ويجهلون شأنية أمير المؤمنين عليه السلام ومقامه ممن يتشبّثون بالعنف والقسوة وسوء الخلق.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد