قرآنيات

مواطن الخطأ من وجهة نظر القرآن

 

الشهيد مرتضى مطهري .. 

من مواطن الخطأ التي يذكرها القرآن: اتخاذ الإنسان الظن بدل اليقين (وهذه هي القاعدة الأولى لدكارت أيضًا. يقول: أنه لن يقبل بعدئذ أي موضوع، إلا أن يبحث ويحقق فيه مقدمًا، ولو وجدت احتمالًا واحدًا للخلاف في مائة احتمال، فلن أستفيد منه وأطرحه جانبًا. وهذا هو المعنى الصحيح لليقين).
لو قيد الإنسان نفسه ليتبع اليقين في جميع المسائل، ولن يقبل الظن بدل اليقين، فلن يخطئ أبدًا (لا بد من ملاحظة أنه في الأمور الظنية والاحتمالية، وفي الموارد التي لا يمكن الحصول على اليقين، يجب الأخذ بنفس ذلك الظن أو الاحتمال. ولكن يجب قبول الظن والاحتمال بدل الاحتمال، ولا يمكن الأخذ بالظن والاحتمال بدل اليقين. هذا المورد الثاني الذي يدعو إلى الخطأ).
لقد أكد القرآن كثيرا حول هذا الموضوع، وقد صرح في إحدى الآيات أن أكبر خطأ للفكر البشري هو اتباع الظن.

وفي مقام آخر يخاطب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام/116).
ويقول في آية أخرى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء/36). إنها أول ذكرى للبشر طوال التاريخ الفكري، ذكرها له القرآن ونهى البشر عن مثل هذه الأخطاء.
الموطن الثاني للخطأ في مادة الاستدلال، وخاصة في المسائل الاجتماعية هو مسألة التقليد.

يعتقد كثير من الناس بالأمور التي يعتقدها المجتمع، أي أن الموضوع الذي يتقبله المجتمع، أو تقبله الأجيال السالفة، يقبلونه بدليل أن الأجيال السالفة قد رضيت وآمنت به (يوجد هذا الأمر في أحد أقوال "بيكن" وعندما يعرف أحد الأصنام التي يتحدث عنها بالصنم الاجتماعي أو الصنم العرفي، فإن غرضه هذا التقليد الأعمى).
إلا أن القرآن يدعونا لكي نقيس كل مسألة بمعيار العقل، لا يعتبر بما صنعه الأجداد الأقدمون، أو أن نتركها تمامًا.
فكم من أمور كانت معتبرة في الماضي مع أنها خاطئة ولكن الناس قبلوها، وكم من أمور صحيحة في الأزمنة البعيدة ولكن الناس امتنعوا عن الاعتراف بها بسبب جهلهم.
في قبول هذه المسألة لا بد من الاستعانة بالعقل والفكر، وعدم اتباع التقليد الأعمى. القرآن يقابل كثيرًا بين أتباع الآباء والأجداد وبين العقل والفكر.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا... وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة/170).

يؤكد القرآن إن قدم فكر ما، ليس دليلًا على خطئه ولا يوجب صحته، وإن القدم يجري في الأمور المادية، ولكن حقائق الوجود لن تصبح قديمة متروكة مهما مضى عليها الزمان.
فحقيقة مثل: ﴿.... إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ تكون صادقة محكمة ثابتة طوال عمر الدنيا.
يقول القرآن: أنه لا بد من مواجهة المسائل بسلاح العقل والفكر، ويجب أن لا يترك الإنسان عقيدة سليمة، بدليل مخالفة الآخرين له، كما يجب أن لا يقبل عقيدة، بمجرد تعلقها بهذه الشخصية المعروفة، أو تلك الشخصية الكبيرة، ولا بد أن يحقق الإنسان بنفسه في كل المسائل (يجب أن لا يشتبه بين موضوع تقليد الآباء والأجداد، أو الموضة العصرية، أو صبغة المجتمع التي نهى عنها القرآن بشدة، وبين موضوع تقليد المجتهد الأعلم الأعدل في الفقه، لأنه أمر واجب بيتني على رعاية التخصص والاستفادة من العلم التخصصي)

العامل الآخر الذي يؤثر في تكون الخطأ ويذكره القرآن، هو اتباع هوى النفس والميول النفسية، يقول مولوي (الشاعر):
"عندما جاء الغرض (هوى النفس) احتجب الفن، وانتقلت مئات الحجب من القلب إلى العين".
لو لم يتخل الإنسان -في أي أمر- من شر الأغراض النفسية، لا يستطيع أن يتفكر تفكيرًا سليمًا، أي: أن العقل يستطيع من العمل الصحيح، في بيئة لا توجد فيها الأهواء النفسية. هناك قصة معروفة عن العلامة الحلي نذكرها، لأنها مثال جيد.

لقد عرض للعلامة الحلي هذه المسألة الفقهية، وهي أنه لو مات حيوان في البئر وبقيت الميتة النجسة في البئر، ماذا يجب العمل بماء البئر؟ وبالصدفه سقط - في تلك الآونة - حيوان في بئر العلامة الحلي، واضطر ليستنبط حكمًا لنفسه. كان لا بد له أن يحكم _في هذا المورد- عند طريقين:
الأول: أن يملأ البئر بالتراب، ويستفيد من بئر آخر.
الثاني: أن يأخذ مقدارًا معنيًا من ماء البئر، ثم يستفيد من بقية الماء بلا إشكال. فرأى العلامة الحلي أنه لا يستطيع أن يحكم في هذه المسألة بلا غرض، لأن له مصلحة في القضية، ولذلك أمر أن يملأ البئر بالتراب أولًا، ثم بدأ بإصدار الحكم وإظهار الفتوى ببال مريح، وبعيدًا عن ضغط الوساوس النفسية.

وللقرآن إشارات كثيرة في موضوع متابعة هوى النفس، نكتفي بذكر مورد واحد، يقول القرآن: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ...﴾ (النجم/23).

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد