من التاريخ

دور العزة في حركة التاريخ


السنن القرآنية كما يستنبطها السيد الصدر:
السيد محمد باقر الصدر في محاضراته التي ألقاها في أخريات حياته تحدث عن موضوعات مختلفة بشأن السنن التاريخية في المفهوم القرآني، ولا يسع المجال لاستعراضها جميعاً فنكتفي بالوقوف عند نظرية المثل الأعلى في حركة التاريخ، وقوفاً مقارناً عسى أن نفتح الباب لدراسات أوسع.
مارست البشرية تجربتها الحياتية – حسب رأي القرآن – مع وجود نزعتين في داخل الإنسان: نزعة الطين، ونزعة نفخة رب العالمين، الأولى: تجره إلى كلِّ ما ترمز إليه الأرض من انحدار وانحطاط، والثانية تتسامى بإنسانيته إلى حيث صفات الله.
وجود هاتين النزعتين يخلق تناقضاً وجدلاً داخل النفس الإنسانية وينعكس ليخلق تناقضاً وصراعاً في العلاقات الاجتماعية ولا يمكن حل هذا التناقض وهذا الصراع في إطار رسالة الأنبياء، من هنا كانت ولادة البشرية على ظهر الأرض متزامنة مع ظهور النبوة.

والنزعة المتسامية في نفس الإنسان هي تعبير عن التيموس الأفلاطوني ولكن هذا التيموس هو أيضاً أساس الصراع في رأي هيغل، وهذا صحيح إذا لم تكن المسيرة البشرية على طريق الأنبياء، لأنّه "ما لم ينتصر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الإنساني فسوف يظل هذا الإنسان يفرز التناقض تلو التناقض، والصيغة بعد الصيغة، حسب الظروف والملابسات، وحسب الشروط الموضوعية ومستوى الفكر والثقافة".
من هنا فإنّ الشيوعية التي بشرت بحل التناقضات البشرية والليبرالية الديمقراطية التي يبشر بها أصحابها اليوم في ظل العولمة لا تستطيع أن تحل هذا التناقض، بل إنّ المجتمع سيفرز ألواناً من التناقضات حسب ظروف العصر ومستواه الثقافي وهذه المظاهرات الصاخبة في أوربا ضد العولمة هي من أمارات ذلك الصراع.
إذا كان التيموس هو المحرك للجماعات البشرية في رأي أفلاطون وهيغل مدفوعة بنزعة "الاعتراف بالوجود" فالمحرك في رأي السيد الصدر هو "المثل الأعلى" أو "الإله" بالتعبيرات القرآنية.
"نفخة" رب العالمين تدفع الإنسان لأن يسير نحو المثل الأعلى المطلق سبحانه، وهذا السير يعني التخلق بأخلاق الله من عزة، وكرامة، وعلم، وعدل، وسلام، وقوة، وانتقام من الجبارين، ورحمة، وجمال، و... سائر صفات الله.
فالاعتراف بالوجود (وأسميه العزة) أو تحقيق الكرامة هي من المحفزات الفطرية في نفس الإنسان تدفعه لأن يحقق كماله المنشود على ظهر الأرض نتيجة لدافع فطري في وجوده يدفعه للسير نحو المثل الأعلى المطلق وهو الله سبحانه وهذا هو الذي يسميه ابن خلدون "العصبية" ويسميه مالك بن نبي "المركب الحضاري" ومن هنا نفهم دور الدِّين في تفعيل هذا المركب، لأنّ النبي يركِّز على الدعوة إلى المثل الأعلى الحقّ.

المثل الأعلى أو الإله الذي يدعو إليه الأنبياء هو المثل الأعلى الحقّ ويتميز عن بقية المثل العليا بأنّه يحدث في المسيرة البشرية تغييرين: كمي وكيفي. فالكمي هو أن يجعل الإنسان على طريق غير متناه من التطور والنمو والإبداع، ويزيل من الطريق كلّ الموانع والأصنام والأقزام المتعملقة لذلك لا توجد نهاية للتاريخ، بل هو سيرورة مستمرة أما الكيفي: فهو إعطاء الشعور بالمسؤولية الموضوعية لدى الإنسان المؤمن بهذا المثل الأعلى، والإنسان السائر على طريق المثل الأخرى سوف يتحلل من كلِّ ما تفرزه هذه المثل من قوانين وأخلاق وعادات لأنها إفراز بشري، ولا تخلق شعوراً موضوعياً بالمسؤولية وهذا الشعور بالمسؤولية يشكّل ضماناً لاستمرار الحركة ومقاومة عوامل الانهيار والتلكؤ والسقوط في أوحال الذاتية، وهذه الانهيارات المعاصرة في معسكرات الشيوعية والأحزاب الشيوعية نموذج بارز للتحلل من كلِّ الأطر التي تفرزها المثل الأخرى على الساحة البشرية.
الفطرة الإنسانية التي أودعت فيها نفخة رب العالمين تبقى محفزاً للإنسان نحو الإبداع والتطوير حتى إذا تخلى عن رسالة الأنبياء، لكن المثل الأعلى هنا ليس هو المثل الأعلى الحقّ، بل هو مثل أعلى محدود.
ومن الطبيعي أن تتبنى المسيرة البشرية خارج إطار رسالة الأنبياء مثلاً أعلى محدوداً، لأنّ الإنسان المحدود لا يمكن أن يستوعب المطلق بل يستوعب نفحة من المطلق، وقبضة من المطلق وهذا المثل الأعلى المحدود سوف يحرك الجماعة البشرية بقدر ما فيه من طاقات مستقبلية، ولكنه سوف يستنفد أغراضه ويتحول إلى عائق وقيد للمسيرة وهنا يكمن الخطر في المثل الأعلى المحدود، حين يحوّله الإنسان إلى مطلق يجري وراءه، وإذا به يتحوّل إلى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.

المثل الأعلى المحدود يمثل قيمة من القيم التي يجب أن يناضل الإنسان من أجلها، ولكن الإنسان يحولها إلى هدف تتكرس فيه كلّ قيم الإنسان التي يجاهد من أجلها. تحويلها إلى هدف نهائي ناشئ عن نوعين من التعميم: أفقي خاطئ، وزمني عمودي خاطئ فالأفقي الخاطئ نظير قيم الحرية وقيم العدالة التي تبنتها معسكرات أوربا، وهي قيم صحيحة ولكنها لا تستطيع أن تقود المسيرة البشرية إلا لمرحلة محدودة، ثمّ تتحول إلى عائق على طريق المسيرة، وتؤدي إلى انهيار المكتسبات التي ناضلت الأجيال من أجل تحقيقها وهذا ما حدث في المعسكر الشرقي، وما ينتظر – لأسباب موضوعية – المعسكر الغربي. والتعميم الزمني العمودي الخاطئ هو اتِّخاذ تجربة تاريخية ناجحة من التاريخ وتحويلها إلى مطلق، مثل تجربة تشكيل الجماعة البشرية بشكل عشيرة أو قوم أو شعب، وهذه هي خطوة ينبغي أن تكون ضمن المثل الأعلى لا أن تحول هذه الخطوة إلى مثل أعلى يستقطب كلّ طموحات الأفراد وأهدافهم.
حين تستنفذ المثل العليا المحدودة أغراضها ولم تعد قادرة على قيادة المجتمع، يفقد الأفراد ولاءهم لها بالتدريج، وتتمزق الأُمّة لأنّ وحدتها كانت قائمة بالمثل الأعلى تبنته، فتحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، عندئذ لا تبقى أمة وإنما شبح أمة، وفي ظل هذا الشبح سوف ينصرف كلّ فرد في هذا الأُمّة إلى همومه الصغيرة، ويبقى مشدوداً إلى مصالحه الشخصية.
وإذا كان لابدّ من مثل أعلى بسبب وازع الفطرة فإنّ هذه المصالح والهموم والأهواء تتحول إلى مثل أعلى، لكنه مثل أعلى منخفض منتزع من الواقع بحدوده وقيوده لا يحمل أي تطلع مستقبلي، وسوف يكون المستقبل تكراراً للواقع والماضي.

تبني المثل الأعلى الهابط يحدث لسببين:
الأوّل: حالة الإحباط الناتجة عن سقوط المثل الأعلى المحدود، وما يستتبعه من ألفة وعادة وخمول وضياع، وهو سبب نفسي.
الثاني: التسلط الفرعوني الذي يجد في أي تطلع مستقبلي زعزعة لوجوده وهزاً لمركزه.

الأمّة الشبح يمكن أن تواجه ثلاثة إجراءات كما علّمنا التاريخ:
الأوّل: أن تتداعى أمام غزو خارجي: وهذا ما حدث بالفعل للمسلمين بعد أن فقدوا مثلهم الأعلى.
الثاني: الذوبان والانصهار في مثل أعلى مستورد.
الثالث: أن ينشأ في أعماق الأُمّة بذور إعادة المثل الأعلى الحقّ من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه تلك الأُمّة.

مما تقدم يتلخص الرأي القرآني في مسيرة البشرية كما يراه السيد الصدر في أنّ حركة التاريخ يصنعها المحتوى الداخلي للإنسان والمثل الأعلى هو نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للجماعة البشرية وهذا المثل الأعلى يتجسد من خلال رؤية فكرية وطاقة روحية تدفع الإنسان في طريقه وكلّ جماعة اختارت مثلها الأعلى فقد اختارت في الحقيقة سبيلها وطريقها ومنعطفات هذا الطريق وتتمايز الحركات التاريخية عن بعضها بمثلها العليا، فلكلِّ حركة تاريخية مثلها الأعلى، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد الغايات والأهداف، وهذه الأهداف والغايات هي التي تحدد النشاطات والتحركات ضمن مسار ذلك المثل الأعلى.
وهذا الاتجاه من الفهم لحركة التاريخ يرفض اتجاه الفكر اللاهوتي الذي تبناه أوغسطين وأمثاله لأنّ الاتجاه اللاهوتي يربط الحوادث بالله قاطعاً صلتها ببقية الحوادث والعلاقات والارتباطات التي تمثل السنن والقوانين الموضوعية بينما القرآن الكريم يربط السنة التاريخية بالله ويعتبرها تحقيقاً لقدرة الله، فهو ينظر إلى هذه السنن نظرة علمية ونظرة إيمانية.
وحين يقول مالك بن نبي أنّ الفكرة الدينية هي وراء تفاعل الإنسان والتراب والوقت، فإنما أراد من الدين الطاقة الروحية التي تدفع الإنسان نحو الحركة التكاملية، وهذه الطاقة الروحية مستمدة من المثل الأعلى المطلق الذي يدعو إليه الدين، ثمّ الشوائب التي تحدث عنها ابن نبي في المرحلة التالية هي نفسها الآلهة المزيفة التي تتعملق عن طريق حركة المجموعة البشرية وتصدها عن الحركة، ولكن ليس من الضروري أن تنتهي هذه المرحلة إلى السقوط إلا إذا فقدت الأُمّة مقومات العودة إلى مثلها الأعلى الحقّ، كما حدث للأُمّة الإسلامية حين استشرى فيها الفساد الذي يشرحه ابن خلدون عن حديثه عن أسباب سقوط الأُمم، وحين خلت الساحة من القادة المبدئيين.
وفكرة التعاقب الدوري للحضارات لابن خلدون تتحدث عن "عصبية" تدفع الأُمم إلى الحركة والعصبية لتحقيق قيمة من القيم تتمثل في الغلبة أو القوة أو الدفاع عن الكرامة أو تحصيل العزة أو الاعتراف بالوجود، وكلّها من إفرازات المثل الأعلى، فتبقى فكرة المثل الأعلى أو "الإله" تمثل نقطة البدء في الحركة التاريخية الحضارية كما أنّ مواجهة التحدي في نظرية توينبي هي نفسها السعي للاعتراف بالوجود، وهذه أيضاً تمثل قيمة من قيم المثل الأعلى.

مما تقدم نعتقد أننا نستطيع الجمع بين معظم آراء علماء فلسفة التاريخ المسلمين وغير المسلمين وبين النظرية القرآنية كما رآها السيد الصدر، بأنّ الدافع الأوّل لحركة الفرد والجماعة هو "العزة"، لأنّ الإنسان مفطور على أن يكدح إلى ربه العزيز وبقدر ما كان في الجماعة البشرية من إحساس بالعزة أكثر كانت قدرتها على الحركة على الساحة التاريخية وصنع الحضارة أكثر، وتهبط هذه الحركة مع ضمور الإحساس بالعزة، وتتوقف حركتها حين تمنى بالذل. من هنا كانت مهمة الأنبياء والمصلحين بث الشعور في نفس الجماعة البشرية بالعزة، ولكنها العزة الحقيقية التي تكون عن طريق السير إلى الله، لا العزة السرابية باللجوء إلى الآلهة المتعملقة الزائفة التي يخيل الإنسان أنّه يبتغي عندها العزة.
والحديث في مفهوم العزة وقدرته على صنع المشروع الحضاري للأُمم طويل يحتاج إلى بحث مستقل لكن أمتنا الإسلامية في ظل التحولات الداخلية والخارجية الكبرى تمتلك من رصيد العزة ما تستطيع أن تدخل به ساحة التاريخ بريادة وصدارة، رغم أنّ كلَّ عوامل الإذلال تحدق بها داخلياً وخارجياً، لكن الله غالب على أمره لو توفرت في الأُمّة إرادة الحركة والعودة.
ــــــــــ
المصدر: مجلة ثقافة التقريب/ العدد 50 لسنة 2011م