من التاريخ

سعيد بن جُبَير

 

سعيد بن جُبير بن هشام، الوالبيّ بالولاء، أصله من الكوفة، ونزل مكّة. كُنيته: أبو محمّد، ويقال له: أبو عبد الله الأسديّ. قال الزركليّ في (الأعلام) إنه كان حبشيّ الأصل، من موالي والبة بن الحارث من بني أسد. وُلد سنة 45 للهجرة، وقيل سنة 38، وكانت شهادته في الكوفة سنة 95، قتله الحجّاج بن يوسف الثّقفي، ثمّ أمر بأن يُدفن جثمانه بظهر واسط في مدينة الحيّ، وهي على أربعين كيلومتراً جنوب مدينة الكوت العراقية، وله فيها مزارٌ كبير.

منزلته العلمية
كان من كبار العلماء، مشهوراً بالفقه وعلم التفسير، وكان ابن عبّاس إذا أتاه أهلُ الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أمّ الدهماء؟ يعني سعيدَ بن جبير. وكان يسمّى جِهبذ العلماء أي النَّقَّاد الخبير. ويعقد حلقات العلم في المسجد، ويقصّ على أصحابه بعد الفجر وبعد العصر. وأكثر روايته عن عبد الله بن عبّاس، كما روى عن  عائشة، وأبي سعيد الخُدريّ، وآخرين.
 ويكشف موقفٌ له مع الوالي الأمويّ على الكوفة الحجّاج بن يوسف الثقفي عن حفْظه المتقن للقرآن الكريم وحسن تدبّره فيه، حيث أمر الحجّاج بإحضاره بين يديه، وقال له: «إنّك تقول: إنّ الحسَن والحسين كانا ابنَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ائتني بحجّةٍ من القرآن على ما ادّعيتَ وإلّا ضربتُ عنقك». 
فقال له سعيد: انتظر. فسكت ساعةً، ثمّ قال له: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأنعام:84)»، ثمّ سكت، وقال للحجّاج: «اقرأ ما بعده». فقرأ الحجاج: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. 
فقال سعيد: «كيف يليقُ هَهنا عيسى؟»، قال الحجّاج: «إنّه كان من ذرّيته».
قال سعيد: «إنْ كان عيسى من ذرّية إبراهيم ولم يكن له أب، بل كان ابنَ ابنتِه فنُسب إليه معه بعده، فالحسنُ والحسين عليهما السلام أولى أن يُنسبا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مع قربهما منه». فأمر له الحجّاج بعشرة آلاف دينار. فذهب سعيد بالدنانير إلى المسجد وفرّقها على الناس وهو يقول: «هذا كلّه ببركة الحسن والحسين عليهما السلام».

عبادته وولاؤه لأهل البيت عليهم السلام
قيل إنه كان يختم القرآن كلّ ليلتين، وإذا وقف في الصلاة بدا كأنّه وتَدٌ لا يتحرّك لطول وقوفه، وكان يبكي في صلاته، ويخرج من بلده في كلّ سنة مرّتين: مرةً للحجّ، ومرّةً للعمرة.
جاء في (روضة الواعظين، ص 290) للنيسابوري: «قال أبو عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام: إنّ سعيدَ بن جُبير كان يَأْتَمُّ بعليّ بن الحسين عليه السلام، فكان عليٌّ (زين العابدين عليه السلام) يُثني عليه، وما كان سببُ قَتْلِ الحجّاج له إلّا على هذا الأمر، وكان مستقيماً..».
وقال الكشّي في ترجمته لسعيد بن المسيّب: «قال الفضل بن شاذان: ولم يكن في زمن عليّ بن الحسين عليه السلام في أوّل أمره إلّا خمسةُ أنفس: سعيد بن جُبير، وسعيد بن المسيّب، ومحمّد بن جبير بن مطعم، ويحيى بن أم الطويل، وأبو خالد الكابلي».

شهادته
كان سعيد بن جبير في جملة مَن خرج على الحجّاج هو وكثيرٌ من القرّاء، ولمّا فشلت حركتهم تشردّوا في البلدان، فالتجأ هو إلى آذربيجان، ثمّ التحق بمكّة متخفيّاً، ولمّا علم الحجّاج بوجوده فيها طلب من والي مكّة خالد القسريّ أن يقبض عليه ويسلّمه إيّاه، فأُتي به إلى الكوفة مقيّداً، ولمّا مثل عند الحجّاج كان له معه حوارٌ أظهر رباطة جأشه وقوّة منطقه، ننقله بشيء من الاختصار عن (مواقف الشيعة: 2/301 - 304) للأحمدي الميانجي، قال الراوي:
«فلمّا قدم سعيد (بن جبير) على الحجّاج، قال له: ما اسمك؟ قال: سعيد.
قال: ابن مَن؟ قال: ابن جُبير. قال: بل أنت شقيّ بن كُسَير!
قال سعيد: أمّي أعلم باسمي واسم أبي. قال الحجّاج: شقِيتَ وشقِيتْ أمُّك!
قال سعيد: الغيبُ يعلمُه غيرُك. قال الحجّاج: لَأُوردنّك حياضَ الموت.
قال سعيد: أصابتْ إذاً أمّي اسمي! فقال الحجّاج: لَأبدلنّك بالدنيا ناراً تلَظّى.
ال سعيد: لو أنّي أعلم ذلك بيدك لاتّخذتُك إلهاً. قال الحجّاج: فما قولك في الخلفاء؟
قال سعيد: لستُ عليهم بوكيل، كلّ امرئٍ بما كسب رهين.
قال الحجّاج: أشتمُهم أم أمدحُهم؟ قال سعيد: لا أقول ما لا أعلم، إنّما استُحفِظتُ أمرَ نفسي.
قال الحجّاج: فأيّ رجلٍ أنا يوم القيامة؟ فقال سعيد: أنا أهوَن على الله من أن يُطلعَني على الغيب. قال الحجّاج: أبيتَ أن تصدّقني؟ قال سعيد: بل لم أرِدْ أن أكذّبَك.
قال الحجّاج: أنا أحَبُّ إلى الله منك، قال سعيد: لا يقدم أحدٌ على ربّه حتّى يعرف منزلتَه منه، والله بالغيب أعلم.
قال الحجّاج: كيف لا أُقدم على ربّي في مقامي هذا وأنا مع إمام الجماعة وأنت مع إمام الفُرقة والفتنة؟

قال سعيد: ما أنا بخارجٍ عن الجماعة ولا أنا براضٍ عن الفتنة، ولكنّ قضاءَ الربّ نافذٌ لا مردَّ له. قال الحجّاج: ويلك! قال سعيد: الويل لمن زُحزح عن الجنّة فأُدخل النار!
قال الحجّاج: اذهبوا فاقتلوه. قال: (إنّي أُشهدك يا حجّاج أنْ لا إله إلّا اللهُ وحدَه لا شريك له وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أستحفظُكَهنّ يا حجّاجُ حتّى ألقاك). فلمّا أدبر ضحك!
قال الحجّاج: ما يضحكك يا سعيد؟ قال: عجبتُ من جرأتك على الله وحِلم الله عليك.
قال الحجّاج: إنّما أقتل من شقّ عصا الجماعة، ومالَ إلى الفُرقة التي نهى الله عنها، اضربوا عنقه. قال سعيد: (حتّى أصلّي ركعتين)، فاستقبلَ القبلة وهو يقول: وجّهتُ وجهي للّذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.
قال الحجّاج: (اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى الذين تفرّقوا واختلفوا بغياً بينهم، فإنّه من حزبهم)، فصُرف عن القبلة.
فقال سعيد: فأينما تولّوا فثمَّ وجهُ اللهِ الكافي بالسرائر.
قال الحجّاج: لم نُوكل بالسرائر وإنّما وُكّلنا بالظواهر.
قال سعيد: (اللّهم لا تترك له ظلمي، واطلبه بدمي، واجعلني آخرَ قتيلٍ يُقتلُ من أمّة محمّدٍ)، فضُربت عنقه».
قال رجل من حرس الحجّاج: إنّ سعيد بن جبير لمّا سقط رأسُه إلى الأرض. قال: «لا إله إلا الله» ثلاث مرات، قال مرّتين كلاماً بيّناً، وقال الثالثة بلسانٍ منكسر. 

وذُكر أنّ الحجّاج لم يبقَ بعده إلّا خمس عشرة ليلة، ولم يَقتل أحداً بعده لدعائه عليه حين قتله: «اللهمّ لا تسلّطه على أحدٍ يقتله بعدي». وكان الحجّاج في مدّة مرضه إذا نام رأى سعيدَ بن جبير آخذاً بمجامع ثوبه ويقول له: «يا عدوّ الله، فيمَ قتلتني؟» فيستيقظ مذعوراً ويقول: «ما لي ولسعيد بن جبير؟!».
من مروياته عن أهل البيت عليهم السلام
* في (أمالي الصدوق، ص 191): «.. عنه، عن ابن عباس، قال: قال عليٌّ لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا رسول الله إنّك لتحبّ عقيلاً؟
قال: إي واللهِ، إنّي لأحبّه حبّين؛ حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالبٍ له، وإنّ ولدَه لمقتولٌ في محبّة ولدِك؛ فتدمعُ عليه عيون المؤمنين، وتصلّي عليه الملائكةُ المقرّبون.
ثمّ بكى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى جرت دموعه على صدره، ثمّ قال: إلى اللهِ أشكو ما تَلقى عِترتي من بعدي».
* وفي (معاني الأخبار للصدوق، ص 103): «.. عنه، عن عائشة، قالت: كنتُ عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأقبل عليُّ بن أبي طالب، فقال: هذا سيّدُ العرب.

فقلتُ: يا رسول الله، ألستَ سيّدَ العرب؟ قال: أنا سيّدُ وُلْدِ آدمَ وعليٌّ سيّدُ العرب.
فقلت: وما السيد؟ قال: من افتُرضتْ طاعتُه كما افتُرِضَتْ طاعتي».
* (أمالي الصدوق، ص 342): «.. عنه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ بن أبي طالب: يا عليّ، أنا مدينةُ الحكمة وأنت بابُها، ولن تُؤتى المدينةُ إلّا من قِبل الباب، وكذب من زعم أنّه يُحبّني ويُبغضك، لأنّك منّي وأنا منك، مَثَلك ومثَل الأئمّة من وُلدك بعدي مثلُ سفينة نوحٍ؛ مَن ركِبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق، ومَثَلكم مَثَل النجوم؛ كلّما غابَ نجمٌ طلعَ نجمٌ، إلى يوم القيامة».
* (الفقيه للصدوق: 4/179): «.. عنه، قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ عليّاً وصيّي وخليفتي، وزوجتُه فاطمة، سيّدةَ نساء العالمين ابنتي، والحسنُ والحسينُ سيّدا شباب أهل الجنّة وَلداي، مَن والاهم فقد والاني، ومَن عاداهم فقد عاداني».
* (أمالي الصدوق: ص 175 – 176): «.. عنه: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أخبر عليّاً وفاطمة والحسنين عليهم السلام بما سيجري عليهم، وفيه: وأمّا ابنتي فاطمة... وإنّي لمّا رأيتُها ذكرتُ ما يُصنَعُ بها بعدي..».
* (كمال الدين للصدوق، ص 280): «.. عنه، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ خلفائي وأوصيائي وحُجَجَ اللهِ على الخلق بعدي اثنا عشر: أوّلهم أخي وآخرهم ولدي.

قيل: يا رسول الله، ومن أخوك؟ قال: عليّ بن أبي طالب.
قيل: فمن ولدك؟ قال: المهديّ الذي يملأها قِسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً. والّذي بعثني بالحقّ نبياً؛ لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يومٌ واحدٌ لَطوَّلَ اللهُ ذلك اليوم حتّى يخرجَ فيه ولدي المهديّ، فينزلَ روحُ الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفَه، وتُشرق الأرض بنوره، ويبلغ سلطانُه المشرقَ والمغرب».

من مروياته في مصادر أهل السنّة
* في (صحيح البخاري)، أنّ سعيد بن جبير سمع ابن عبّاس يقول: «يومُ الخميس وما يوم الخميس! ثمّ بكى حتّى بلّ دمعُه الحصى!
قال: يا ابن عباس، ما يوم الخميس؟
قال: اشتدّ برسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم وجَعُه، فقال: (إئتوني بِكَتِفٍ أكتبْ لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً)، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازع، فقالوا: ما له، أَهَجَر؟! استفهموه!
فقال: ذَروني، فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعوني إليه». (صحيح البخاري، عدّة مواضع بألفاظ مختلفة، منها: 4/31؛ 4/65؛ 5/137، دار الفكر،1981م)

* وعنه في (المعجم الكبير للطبراني: 3/47) أنّ النبي صلّى الله عليه وآله سُئل عن القرابة الذين أوجب اللهُ تعالى مودّتهم، فقال: «عليٌّ وفاطمة وابناهما».
ــــــــــــــ
مجلة شعائر العدد 64

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد