علمٌ وفكر

جانب الإنسان الروحي والجسمي في العالم الآخر (1)

 

السيد موسى الصدر
...وعن خلود الإنسان، وعن تعدد جوانب الإنسان، وشموله للجانب الجسمي والجانب الروحي ولأجل الوصول إلى توضيح حقيقة المعاد المعترف به من قبل جميع الأديان والمذاهب. فما من دين إلا ويؤكد على وجود عالم آخر، وجزاء للإنسان. قبل أن نصل إلى البحث في صميم الموضوع لا بد لنا من الإحاطة بعدة مواضيع.

الموضوع الأول: مسألة الروح في الإنسان.
الروح، طبعًا يمكن أن نعتبرها شيئًا واضحًا، باعتبار أن الإنسان ليس جسمًا فقط. وحينما يموت- ونحن نرى أنه قبل الموت وبعد الموت- للإنسان آثار تختلف بعضها عن بعض. فقبل الموت، في الحياة، ينمو ويأكل ويشرب ويتحرك. وبعد الموت كل شيء يتوقف. بالرغم من هذا الوضوح، أنتم تعرفون أن هناك من يُنكر وجود الروح، ويعتبرها نوعًا من أثر المادة في حياة الإنسان، والمادة في درجاتها العالية تمثل هذا الدور الذي نسميه نحن الروح. لن أدخل في تفاصيل النقاش، وإنما أذكر أدلة موجزة على إثبات المدعى ووجود الروح بشكل موجز.
أولًا: مسألة التصور والعلم
نحن اليوم نتصور ونفهم أشياء أكبر منا. مثلًا الآن أنا أغمض عيني وأتصور البحر الأبيض المتوسط الذي هو أكبر مني وأكبر من لبنان. البحر الأبيض المتوسط الذي هو أكبر مني بملايين المرات، أنا أتصوره على حجمه. يعني أتصور الجانب الشمالي والجانب الجنوبي، والجانب الشرقي والجانب الغربي، والبلاد الكثيرة التي هي واقعة على الحوض. وأتصور الجزر الكثيرة: اليونان، قبرص، مالطا، كريت، صقلية، وأمثال ذلك. وأتصور البواخر والغواصات والأمواج، والبحار. كل هذا أتصوره أنا.
فإذًا، أنا أتصور شيئًا أكبر مني. فأين أضع هذه الصورة؟ هل أتمكن أن أنقش وأرسم على خلية من خلايا جسدي أو على جانب من جوانب وجودي، أرسم هذا الموجود الكبير أم لا؟ نحن ندخل في بحث، وفي خلال الحديث هناك نقاش، لأننا نريد أن نصل إلى نتيجة.
أنا جسمي طوله كذا، عرضه كذا، دماغي بالمفهوم المادي حجمه كذا، طوله كذا، عرضه كذا. فأين أضع البحر المتوسط؟ وأين أضع حينما أتصور صورة أخي؟ أو صورة أبي؟ أو صورة أمي؟ أو صورة ابني؟ أنا أتصور وكأن أبي جالس أمامي، فأين أضع صورة أبي؟ في رأسي؟ أين أضع كل هذه التصورات؟ لو كان الإنسان جسمًا فقط، لما كان ممكنًا أن يتصور موجودًا أكبر من دماغه، أو أكبر من جسده. هذا أفضل دليل. فكر في هذا الدليل وناقش. فأنا أناقش مثلما أنت تناقش بهذا الدليل. ما هو هذا النقاش؟

نقول أن صورة الشيء لا لزوم أن تكون بحجم الشيء. فنحن اليوم نضع صورة إنسان على ورقة صغيرة، أو نحن نرى خريطة في مدرستنا مكتوب عليها البحر الأبيض من أقصاه لأقصاه بـ 5 أو 10 سنتيمترات. نحن نرى أن الكرة الأرضية بعظمتها وكبرها نراها بهذ الحجم، مرسومة وموضوعة هنا. فإذًا، ما المانع أن نتصور البحر الأبيض المتوسط أو الكرة الأرضية أو النجوم أو صورة أصدقائنا أو آبائنا أو أمهاتنا؟! نحن نتصور هذه الأشياء بشكل صغير، وليس بحجمها الكبير، حتى يمكن القول أن أبي أكبر من رأسي، أو أن البحر الأبيض المتوسط أكبر من جسدي، أو أن الكرة الأرضية أكبر مني، وأنا لا أقدر أن أتصورها. أليس كذلك؟ هذا هو النقاش، أي أن أحدهم يمكن أن يعترض على دليلنا، مع أن هذا النقاش غير صحيح. ونحن نقدر أن نجيب عن هذا السؤال.
نحن نقول أن الشيء الذي تراه أنت على هذه الورقة صورة زيد أو عمرو من الناس، أو صورة البحر الأبيض المتوسط، أو صورة الأشياء. إذا فكرت في الحقيقة أنه ماذا يوجد في هذه الورقة؟ هل بالفعل صورة أبيك على هذه الورقة؟ أو مثلًا هذه اللوحة بالفعل فيها صورة السيد؟ أو صورة البحر الأبيض بالفعل على الخريطة؟ أبدًا! هناك على هذه الورقة خطوط سوداء وبيضاء وحمراء وزرقاء ليس إلا. بالإضافة إلى بعض اللون وبعض الخطوط المرسومة، على هذه الورقة لا يوجد إلا خطوطًا سوداء وبيضاء. على هذه الورقة لا توجد صورة أبي، ولا على الخريطة يوجد البحر الأبيض المتوسط. أبدًا! هذا خلط. البحر الأبيض المتوسط أو صورة أبي موجودتان في دماغي أنا، أنا الذي أراهما وإلا أنا في هذا الواقع أرى خطوطًا، بضعة نقاط، عددًا من الأسطر، وبعض اللون أزرق وأحمر... هذا كل ما في الأمر، وما من شيء آخر. يعني أن على هذه اللوحة لن تجد البحر الأبيض المتوسط، ولا على الورقة تجد صورة أحد، ولا على هذه الكرة الصغيرة تجد الكرة الأرضية. أبدًا! على هذه الأشياء هناك خطوط ونقوش فقط، هذه الخطوط والنقوش أمامك تذكرك بالكرة الأرضية أو بالبحر الأبيض المتوسط، أو بصورة والدك، أو بصورة شخص غائب أو بصورة شخص حاضر. فإذًا، النقاش غير صحيح.
 

نرجع ونؤكد من جديد هذه الظاهرة التي نعيشها نحن كل يوم. الآن إن قالوا لك أن غواصة إسرائيلية غرقت في البحر المتوسط، فورًا تتصور غواصة بعرضها وطولها، تتصور الغواصة التي هي أكبر من وجود الجسد. يقولون أن الباخرة الأميركية للتجسس احتجزت في كوريا الشمالية، فورًا تتصور أنت، من دون الحاجة لأي عناية أو عناء، باخرة طولها كذا، وعرضها كذا... وعليها تسعة وستون بحارًا... تقرأ في الجريدة الخبر وتتصوره، صورة الجريدة خطوط وليست صورة.
أنت الذي تخلق عندك أي دماغك هو الذي يخلق الصورة. وكما يخلق الله الإنسان، يخلق الدماغ صورة الإنسان. فأنت تخلق، تخلق صورة أكبر منك. فلو كنت جسمًا لما كنت تتصور موجودًا أكبر منك، لأنه لا يمكن زيادة المظروف على الظرف. هذه كأس ذات حجم كذا، لا تحمل أكثر من حجمها ماءً، لا تقدر أن تضع إبريقًا بأكمله في هذه الكأس. لا يمكن، لماذا؟ لأن هذه مادة وهذه مادة. فلو كنت أنا مادة ذات أبعاد فقط: طول وعرض وعمق، لما كنت أتمكن أن أتصور وأن أفهم ما هو أكبر مني.
فإذًا، ما هو الجواب على هذا السؤال؟ الروح. هناك روح. الروح ما هو شكلها؟ سنتكلم عنها لاحقًا. هناك شيء يختلف عن هذه الموجودات. أنت اليوم على هذه الورقة التي طولها نصف متر وعرضها متر، تقدر أن تضع الشيء الذي يناسب حجمها، أما أكثر من ذلك فلا تقدر أن تضعه. لماذا؟ لأن هناك بعدًا، هناك كذا سنتيمتر، وكذا سنتي طول، وكذا سنتي عرض، وكذا سنتي عمق وارتفاع. بينما بالنسبة للروح، ليس هناك شيء من هذا النوع. روح طفل صغير، يمكن أن تتصور مجموعة العالم والكون. لماذا؟ لأن جنس الروح، ليس جنسًا ذا أبعاد. ليس لها بعد: طول وعرض وعمق. في يوم آخر سنتكلم بعد انتهاء هذه المعطيات التي نحن نعيشها، وهذه الظواهر التي أصبحت واضحة عندنا ولكن لا ننتبه دائمًا وأحيانًا. بعد استعراض هذه الظواهر، ندخل في النتيجة وكيفية الروح.

فإذًا، السؤال الأول: الإنسان يفهم ويتصور موجودات أكبر منه وأطول منه وأعرض منه وأكثر ارتفاعًا وعمقًا. وحينما يتصور الإنسان هذه الأشياء التي هي أطول وأوسع منه يبقى هذا السؤال: أين نضع هذه الصور؟ لا بد أن تكون في الجسم، في الدماغ، في خلايا الدماغ. أين نضعها في خلايا الدماغ؟ إذا كانت الخلايا الدماغية مادية، فلا نتمكن أن نرسم عليها صورًا أكثر منها وأكبر منها. فإذًا، يجب أن تعترف ونعترف بأن هناك جانبًا آخر من الوجود فيّ. هذا الجانب هو الذي يحتضن هذه الموجودات الكبيرة العريضة الطويلة الواسعة من دون أن يضيق بها.
سؤال: يمكن أن تتسع الأشياء المادية المضغوطة أو الآلات الحاسبة أكثر؟
الجواب: صح، الأشياء المضغوطة يجب أن نضغطها حتى تحتضن. مثلًا كيلو من القطن حجمه كذا سنتي في كذا سنتيمتر مكعب حسب تعبيركم. فإذا أردنا أن نضعه بالشكل الطبيعي في هذه الكأس الصغيرة فلن نتمكن. لا تدخل. إذًا، نقلل حجمها. عندما نقلل حجمها يعني تحول القطن سواء كان 10 سنتيمتر مكعب صار 3 سنتيمتر مكعب. يعني الظرف ما اشتمل على أكثر من حجمه. أنت ضغطت هذه الأشياء ووضعتها داخله. أما الآلات الحاسبة، فالعدد والمحاسبة ليس لها بعد، سنصل إلى قضية العدد والحساب. أنت افترض، وهل يمكن الافتراض أن موجودًا طوله متر وعرضه متر، يحتوي ويقبل موجودًا طوله 50 مترًا وعرضه 50 مترًا، من دون أن نقلل الكبير أو نطول الصغير؟ هذا أيضًا جزء من بحثنا. نحن عندما نقدر أن ندخل البحر المتوسط أو نتصور صورة زيد أو عمرو من الناس، أو صورة البستان مثلًا أو صورة بناء مدرستنا، أو بناء المؤسسة من دون أن نحاول تقليل الحجم، وهي بحجمها.

الآن تصور الباخرة... أنا أتصور أن الباخرة طولها كذا وعرضها كذا، أتصورها بحجمها الموجود، لا أحاول أن أضغطها، ثم مهما ضغطت فإلى أي حد تقدر أن تضغط الكرة الأرضية أو البحر الأبيض المتوسط؟ إلى أي درجة؟ من فروق هذا البحث أيضًا، يعني من ذيول هذا البحث: الضيق. مثلًا عندك حقيبة، يمكن أن تضع فيها 4 أو 5 أو 6 أشياء، في حقيبة الملابس تضع 5 أو 6 أو 10 فساتين، أو يمكن أن تضع 5 أو 6 أو 10 مقاعد في غرفة. كل موجود مادي يضيق بما قد يدخل فيه، عندما تضع فيه أشياء وأشياء إلا الدماغ الملعون، تقدر أن تدخل فيه خمسين ألف شخص شخص، ثم بإمكانك أن تتصور خمسين ألف شخص شخص آخرين. جيش كبير واقف في صيدون مثلًا. ومن ناحية ثانية، يستطيع أن يتصور أربع مئة وثمانون ألفًا أوغريتي أيضًا واقفين في صيدون.

ثم من جهة ثانية هذا الدماغ الذي استوعب نصف مليون شخص، يمكن أن تضيف إليهم مليون جندي آخر. هذا الدماغ الذي يتصور غابات فيتنام ويمكن أن نزيد عليها كوريا الشمالية، وكذلك سائر البلدان المجاورة، مثل الصين، الهند، ثم روسيا، وآسيا... تضع معه كل شيء تصور مرة واحدة تضع عندك كل الكرة الأرضية، وتتصورها بكل سهولة، من دون أن تشعر بالمضايقة. الشخص الذي يحكي لك عن الكرة الأرضية، يقول لك مثلًا أن هذه الكرة الأرضية أكبر 50 مرة من كرة القمر. فورًا تتصور كرة القمر مع الكرة الأرضية، تتصورهما معًا مع أن الثانية 50 مرة أكبر من الأولى؟
ثم يقولون لك هذه جزء من المنظومة الشمسية، يقفز ذهنك إلى المنظومة الشمسية وتتصور المنظومة الشمسية يعني: الشمس والكواكب والسيارات والكرة الأرضية وعطارد والزهرة وزحل والمريخ... تتصور كل هذه المسائل دون أن تشعر يومًا ما بأن دماغك بعد لم يحتوِ على شيء أكثر... وتبقى تتصور. هذه ظاهرة، وأنا سأستمر معكم في التصور، ولكن الآن أريد أن أطرح هذه الأسئلة أمامكم: إن هذه الظواهر المهيأة أمامكم، كيف نقدر أن نفسرها ونحللها؟ هذا كان البحث الأول.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد