4- مقارنة عقل الإنسان بالعقول الإلكترونية
في بعض الأحيان يقارن البعض من عديمي الاطلاع بناء روح وفكر الإنسان وعقله ببناء العقول الإلكترونية، والحال أنّ الفرق بينهما أكبر من الفرق بين الطائرة اللعبة التي يلعب بها الأطفال وطائرة عملاقة حقيقية! والسبب هو أنّ نشاط العقول الإلكترونية محدود بحدود حافظتها فقط، وحافظتها هي تلك التي يغذيها الإنسان بالمعلومات، ولذلك ليس لها وراء حدود هذه الحافظة المحدودة أي نشاط على الإطلاق.
وفضلًا عن أنّ العقول الإلكترونية تفتقر لأي نوع من أنواع الابتكار والتفكير أزاء إحدى الحوادث الجديدة مهما كانت بسيطة، كردّ الفعل مقابل هبوب الرياح الشديدة مثلًا ناهيك عن الابتكار والإبداع في القضايا المهمّة والمعقدة. ثم حتى لو افترضنا صحة المقارنة بينهما فأي عقل يصدق أن صناعة العقل الإلكتروني الذي يعد أعجوبة الصناعات البشرية، قد تمت على يد إنسان أميّ أو أعمى أو أصم أو مجنون؟
أفيمكن للطبيعة الفاقدة للروح والعقل والتفكير والابتكار أن توجد الروح والعقل والابتكار؟ ومن هنا نقول: إنّ في داخل روح الإنسان الآلاف من آيات الخالق وعلاماته.
5- أصالة واستقلال الروح
مع أنّه لا يوجد بالنسبة لنا فرق في البحوث المتعلقة بآيات اللَّه بين أن تكون روح وفكر الإنسان جوهراً مستقلًا ومجرداً عن المادة، أو مرتبطاً بها ومن آثارها (وهذا هو الجدل المعروف بين الفلاسفة الإلهيين والماديين)، ولكن لا شك أنّه متى ما ثبتت أصالة واستقلال الروح اكتسبت هذه الآية الإلهيّة مزيداً من التأثير والجاذبية.
يصر الماديون على أنّ الروح والفكر من الخواص «الفيزو كيميائية» للخلايا الدماغية والتي تزول تماماً بفناء الجسم، والحال أنّ للروح والفكر الآدمي ظواهر لا يمكن تفسيرها بالتفاسير المادية أبداً.
فمثلًا يجد كل شخص حقيقة في داخله تسمى «الأنا»، وهي واحدة ليست أكثر منذ بداية العمر حتى نهايته، «أنا» منذ الطفولة وحتى الآن شخص واحد لم أزدد ولم أتغير، وسأبقى أنا ذلك الشخص إلى آخر العمر، بالطبع درست وتعلمت القراءة والكتابة ولهذا فقد حصلت وعلى نسبة من التكامل، لكنني لم أتحول إلى إنسانٍ آخر، بل ما أزال ذلك الشخص السابق.
في حين إذا أخذنا الأجزاء المادية للجسم نرى أن جميع تلك الذرات في حال تغيّر وتبدل، وأنّ جميع خلايا الجسم تتغيّر كل سبعة أعوام مرّة واحدة تقريباً، أي أنّ الشخص البالغ من العمر سبعين سنة أصابه تبدل في أجزاء جسمه المادية عشرة مرات، رغم أنّ «الأنا» (شخصيته الإنسانية) ثابتة لم تتغير، وهذا يدل على أن حقيقة «الأنا» حقيقة ما وراء المادة ولا تتغير بتغيرات المادة.
فضلًا عن أنَّ في أذهاننا حقائق مخزونة تكون أكبر من مخنا وخلايانا المخية آلاف الآلاف من المرات، تصور السماوات والمجرّات، الشمس والقمر وغيرها، فمن المستحيل أن تكمن هذه الصور الكبيرة في الجزء المادي من وجودنا، ولا سبيل إلّا أن تنعكس في الجزء غير المادي أي الروح، لأنّ الجزء المادي أي المخ ليس إلّا موجود صغير.
وعلاوة على هذا فإنّ الظواهر المادية تقبل التجزئة والقسمة جميعاً في حين توجد بين مفاهيمنا الذهنية مفاهيم لا تقبل التجزئة إطلاقاً.
إنّ خصوصية «تصوير الواقع» والاطلاع على العلم الخارجي بالنسبة لنا، والموجودة في علومنا ومعارفنا، هي حقيقة لا يمكن تبريرها عن طريق الخواص «الفيزو كيميائية» للمخ. وهذه البراهين الأربعة وبراهين واضحة أخرى تدل بجلاء على أنّ الروح جوهر مستقل ومجرّد من المادة «1».
6- خصوصيات الروح في القرآن الكريم
يمكن استخلاص الخصوصيات والصفات التالية للروح الإنسانية بالاستفادة من آيات القرآن الكريم:
أ) تتمتع الروح الآدمية بالاستقلال وتبقى بعد انفصالها عن الجسد مستقلة، والآية {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ ...}. (الزمر/ 41) تشهد بهذه الحقيقة.
ب) من الممكن أن تتنعم الروح الآدمية وبعد انفصالها عن الجسم في عالم البرزخ بأنواع النعم الإلهيّة أو أنّها تتعذب بمختلف صنوف العذاب الشديد، وفي آية «حَياةُ الشُّهَداء» كما ورد في الآية 169 من سورة آل عمران. وآية «عذاب آل فرعون» كما ورد في الآية 46 من سورة غافر. دليل على هذا المعنى.
ج) يختلف بناء الروح اختلافاً كبيراً عن بناء الجسم كما قرأنا ذلك في الآيات المعنية حيث إنّ اللَّه تعالى يعتبر الروح من عالم «الأمر» وخلقها من نوع «إنشاء الخلق الآخر» الآية 85 من سورة الاسراء و14 من سورة المؤمنون.
د) إنّ علم الإنسان عن حقيقة الروح وأسرارها قليل جدّاً، وآية {وَمَا أُوتِيْتُمْ مِّنَ الْعِلمِ إِلّا قَلِيْلًا}. (الإسراء/ 85) شاهد على هذا المدعى.
ه) في حالة النوم تضعف علاقة «الروح» ، بــ «الجسم» وفي حالة الموت تنقطع نهائياً كما في ورد في سورة الزمر، الآية 42.
و) الروح والظواهر الروحية بصورة عامة من الآيات المهمّة على عظمة اللَّه ووسيلة مهمة لمعرفته تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآياتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. (الزمر/ 42)
7- مسك الختام حول الروح
إنّ البحث حول الروح أكبر وأوسع من أن نستطيع تبيان جميع أبعاده في هذا الموجز السريع، وإذا أردنا أن نترك عنان القلم خرجنا من بحثنا التفسيري، لذلك يمكن الرجوع إلى الكتب الفلسفية والكلامية والروائية، من أجل المزيد من التفصيلات وقد وردت بحوث متعددة في «التفسير الأمثل» في هذا المضمار، ونلاحظ بحوثاً وشروحاً وافية في تفسير الميزان، المجلد الأول في تفسير الآية: {وَلَا تَقُوْلُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِى سَبِيْلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} (البقرة/ 154).
ذكر العلّامة المجلسي في كتابه المشهور بحار الأنوار 17 دليلًا عقلياً ونقلياً لإثبات أنّ حقيقة الإنسان ليست مجرّد هذا الجسم «2». وفي نفس هذا الكتاب يذكر نقلًا عن المحقق الكاشاني 14 قولًا حول حقيقة الروح «3».
ونختم هذا البحث بحديث لطيف عن أمير المؤمنين عليه السلام، حيث روى عنه أنّه قال : «الروح في الجسد كالمعنى في اللفظ» «4». يقول أحد العلماء واسمه الصفري : «إنني لم أر مثالًا حول الروح أجمل وأفصح من هذا المثال»، نعم الروح كالمعنى والجسم كاللفظ!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من أجل مزيد من الشروح راجع ، ذيل الآية 85 من سورة الإسراء من «التفسير الأمثل».
(2) بحار الأنوار ، ج 58 ، ص 6 إلى 10.
(3) المصدر السابق ، ص 75.
(4) سفينة البحار ، ج 1 ، ص 537 ، مادة (الروح).
عدنان الحاجي
الشيخ شفيق جرادي
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الشيخ محمد صنقور
الشيخ فوزي آل سيف
الشيخ جعفر السبحاني
الشيخ محمد مصباح يزدي
الفيض الكاشاني
السيد عبد الأعلى السبزواري
الشيخ محمد هادي معرفة
حسين حسن آل جامع
حبيب المعاتيق
ناجي حرابة
عبدالله طاهر المعيبد
فريد عبد الله النمر
أحمد الرويعي
حسين آل سهوان
أسمهان آل تراب
أحمد الماجد
علي النمر
دور القيادة والأتباع في حركة سرب طيور الأوز، وماذا باستطاعتنا أن نتعلّم منها؟
الأدبيّات الدّينيّة
الإمام العسكري (ع) وتأصيل مرجعية الفقهاء العدول
آيات الله في خلق الرّوح (3)
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى..} مناقشة لدعوى سبب النزول (2)
الإمام العسكري (ع) والتّمهيد لغيبة صاحب الأمر (عج)
الشّاعر البريكي ضيف خيمة المتنبّي بالأحساء
أمسية شعريّة لابن المقرّب بمشاركة الشّاعرين البريكي والمؤلّف
القرن الثامن ومرجعيات شيعية
فلسفة الدين بلا إسلام