علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ جعفر السبحاني
عن الكاتب :
من مراجع الشيعة في ايران، مؤسس مؤسسة الإمام الصادق والمشرف عليها

معرفة الإنسان


الشيخ جعفر السبحاني ..

غالباً ما تتم دراسة معرفة الإنسان وفقاً للرؤية الإسلامية بسبب إحدى حالتين:
1. انّ معرفة الإنسان تمثّل الطريق لمعرفة اللّه، وفي الحقيقة أنّ طريق معرفة اللّه سبحانه يمرّ من خلال معرفة الإنسان، وهناك طائفة من النصوص تشير إلى ذلك.
وقد اعتبر القرآن الكريم الصلة بين الإنسان وبين المقام الربوبي بدرجة من القوة والاستحكام، بحيث تُعدّ الغفلة عن اللّه سبحانه سبباً لغفلة الإنسان عن نفسه ونسيان ذاته، ولقد أزاح القرآن الستار ـ ولأوّل مرة ـ عن هذه الحقيقة، حيث قال سبحانه: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) .( [1]) إنّ القرآن ـ وخلافاً للفكر الماركسي الذي يرى أنّ المعرفة الإلهية والعلاقات والروابط والأُسس الدينية سبب لضياع الإنسان وغربته عن نفسه وجهله بها ـ يرى أنّ الأواصر والعلاقات الدينية هي السبب الأساسي لعثور الإنسان على هويته ومعرفته بذاته وإدراكه لحقيقة وجوده، وأنّ إهمال هذا الأصل وقطع هذه الأواصر وتلك العلاقات يكون سبباً للضياع والتيه وفقدان الهوية، والدليل الذي أقامه لإثبات تلك الحقيقة واضح جداً وجلي للعيان، وذلك لأنّ الإنسان باعتبار كونه معلولاً للذات الإلهية ومخلوقاً للّه سبحانه فليس له حقيقة إلاّ الارتباط والتبعية لعلّته الموجدة له، وأنّ إغفال هذا الأصل وإهماله لا يعني إلاّ إهمال الإنسان لنفسه ولحقيقته، وأنّ قطع هذه الآصرة ونفي هذه الرابطة تساوي نفي الإنسان لوجوده.
قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) :«أعلمكم بنفسه أعلمكم بربّه».( [2])
ولقد سألت إحدى زوجات النبي يوماً الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) : متى يعرف الإنسان ربّه؟ فأجاب(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «إذا عرف نفسه».( [3])
ويقال إنّ أحد العارفين قال لنظيره: أنت تقول: «إلهي عرّفني نفسك» ولكن أنا أقول: «إلهي عرّفني نفسي».( [4])
ولقد نقل عن «أبو علي سينا» في رسالة «الحجج العشرة» أنّه قال: روي عن سيّد الأوصياء علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّه قال:«من عَرَفَ نَفْسَهُ فقد عرَف ربّه». وقال رئيس الحكماء أرسطو أيضاً: إنّ من عجز عن معرفة نفسه فهو عن معرفة ربّه أعجز، وكيف يمكن الاعتماد على معرفة مَن هو عاجز عن إدراك نفسه؟!( [5])
إنّ ما نقله أبو علي سينا عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) جاء في كتاب «غرر الحكم».( [6])
ولقد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال في تفسير قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) : «اطلب العلم ولو كان في الصين»، «هو معرفة علم النفس وفيها معرفة الرب».( [7])
ومن المسلّم به أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) أراد بيان الفرد الممتاز والمهم والأكثر قيمة من العلوم التي ينبغي للإنسان اكتسابها وتحليلها، إذ في الحقيقة أنّ دعوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وحثّه على طلب العلم، تتحلّى بشمولية وسعة أكبر فلا يمكن حصرها في نوع من العلوم فقط، نعم يمكن الإشارة إلى الأهم من تلك العلوم، وهذا ما قام به الإمام الصادق(عليه السلام) .


2. انّ الغرض من معرفة الإنسان هو أن تكون تلك المعرفة وسيلة لتحقيق وتوفير وتلبية حاجات الإنسان المادية والمعنوية، فإنّ هذه المعرفة هي المقدّمة التي منها يكون الانطلاق لتحديد ورسم الخطوط التي يسير وفقها الإنسان وتحديد الآيديولوجية التي تحدد له مسار حياته من الأُمور التي ينبغي فعلها أو لا ينبغي.
ولا يتسنّى لأي مذهب مهما كان أن يحدّد للإنسان وظائفه وتكاليفه بدون معرفة الإنسان نفسه، ولا يمكن أبداً رسم النظام الحقوقي أو السياسي، أو الاقتصادي، أو الأُسري، أو أُسلوب ونظام الحكم ما لم تسبق كلّ ذلك معرفة الإنسان وكشف حقيقته وماهيته. فكلّ مشروع يراد له أن يحدد للإنسان مساره ويرسم له طريقه لا يمكن أن ينجح بدون تحقّق الشرط المذكور.
ومن هنا تظهر أهمية معرفة الإنسان وكشف حقيقته.
ولقد وردت الإشارة إلى تلك الحقيقة في بعض النصوص الإسلامية نشير إلى بعضها: يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) : «أَعْظَمُ الْجَهْلِ، جَهْلُ الإِنْسانِ أَمْرَ نَفْسِهِ، وَأَعْظَمُ الْحِكْمَةِ مَعْرِفَةُ الإِنْسانِ نَفْسَهُ وَوُقُوفه عِنْدَ قَدْرِهِ ».( [8])
فإنّ عبارة: «ووقوفه عند قدره» تشير إلى حقيقة مهمة وهي: أنّه ينبغي أن تكون جميع القوانين والدساتير وخطط الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وفي جميع نواحي الحياة الأُخرى، متطابقة مع حدود قدرات وإمكانات الإنسان وميوله، فعلى سبيل المثال: إذا عرفنا أنّ الإنسان يمتلك غرائز باطنية كغريزة التديّن، أو غريزة العلم والمعرفة، أو الغرائز والميول الجنسية، فلابدّ حينئذ من أن يرسم لهم منهج حياة وآيديولوجية تستطيع أن ترضي كلّ هذه الغرائز: العبادةو الدعاء، العلم والمعرفة وتلبية الغرائز الجنسية، مع الحفاظ على حالة التوازن بينها.
وفي كلام آخر لأمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: «الْعارِفُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَها وَنَزَّهَها عَنْ كُلّ ما يُبَعّدُها وَيُوبِقُها» ( [9]).( [10])


[1] . الحشر: 19.
[2] . أمالي المرتضى:2/329، ط مصر.
[3] . أمالي المرتضى:2/329، ط مصر.
[4] . اختلاف بين هذين النوعين من الطلب، وذلك لأنّ إحدى وسائل معرفة اللّه سبحانه هي معرفة الإنسان نفسه، فإنّ من يدعو اللّه بقوله: « إلهي عرّفني نفسك » فانّه في الحقيقة يريد أيضاً معرفة نفسه، ولذلك جاء كلام ذلك العارف: « فإنّ معرفة النفس مرقاة معرفة الرب » .
[5] . رسالة « انّه الحق » نقلاً عن « رسالة الحجج العشرة » لأبي علي سينا.
[6] . غرر الحكم:282، طبع النجف.
[7] . مصباح الشريعة وغيره.
[8] . غرر الحكم 77.
[9] . غرر الحكم 77.
[10] . منشور جاويد:4/185ـ 188.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد