علمٌ وفكر

الإنسان مختزلاً ، الإلحاد تقديس للدنيوية واختصام مع المتعالي السماوي (2)


هادي قبيسي ..

الإنسان / الله
مضافاً إلى الصراعات السياسية التي عززت التطرف تجاه الكنيسة في أوروبا كان ثمة متغيِّرات اجتماعية ساهمت في ابتعاد الجمهور العامّ عن الدين والارتباط بالمؤسسة الدينية ما سهل تقبّل العامة للفكر والثقافة الاختزالية التي مهّدت للعلوم الإنسانية المادية، ويصف عزمي بشارة جانباً من هذه المتغيِّرات الكبرى حيث «انتشرت كما يبدو في منتصف القرن التاسع عشر حالة من عدم المبالاة الدينية في أوساط العمال والفقراء مع الهجرة من الريف إلى المدينة، ونشوء أحزمة الفقر حول المدن وأحياء الطبقة العاملة، ولا سيما في ممارسة الفروض الدينية. ولم تتمكن الكنيسة من متابعة التنقلات والحراكات أو الانتقالات السكانية الكبرى مع نشوء الصناعة»[1]، وعبر نيتشه لاحقاً عن الذروة في اللامبالاة وإقصاء المتعالي المطلق عن الفكر والحياة في مقولته المعروفة «الله قد مات»[2] ليقدم البديل في الإنسان شبه المطلق ونظرية السوبرمان، التي شرعت للتجربة النازية لاحقاً، فكان لهذه الطروحات المتطرفة مكانٌ في العقول والقلوب بعد أن اكتسحت الحياة المادية ومساعي الإنسان للسيطرة على الكون والمجتمع كل البعد الروحي المتعالي، وأنزلت الإنسان المتفوق في منزلة الإله المتحكِّم مستفيداً من سطوة المعرفة، وهذا ما أدخل العالم المادي في حروب راح ضحيتها عشرات الملايين.

النظريات والعلوم الإنسانية المختلفة أُنْتِجَتْ في ظل هذه المناخات والظروف والثقافة العامة التي تمحور همها حول سدّ الفراغ الذي تركته المؤسسة الدينية بعد إقصائها، فنشأ تطرف فكري رداً على التطرف الديني، والمقولات التي أفرزها هذا التطرف كان من أهمّ خصائصها أنها تنظر إلى الإنسان على أنه محور الوجود وبالتالي تنكر فطرة التوجه إلى الله، حيث تمحور اهتمامها حول الإنسان فرداً ومجتمعاً، على اعتبار أنه محور الوجود، وينصب كلّ سياق التفكير والبحث في الاهتمام بالإنسان، وكيفية تحسين ظروف حياته الدنيوية، وبذلك يجري إغفال الفطرة التي تدرك أن اللَّه هو المحور وهو الموجود بذاته، وتعطي للإنسان الفرد استقلالًا بحيث يقع على عاتقه تحمل مسؤولية وجوده وتحديد طبيعة هذا الوجود وفهمه، كل بحسب تجربته وما يصل إليه فكره. أما في المنظار الإسلامي فينبغي أن يتمحور اهتمام الإنسان بنفسه فرداً ومجتمعاً ولكن ضمن رؤية واقعية يكون اللَّه هو المحور فيها من حيث الوجود والغاية والتشريع والمعنى الكلي للحياة.

اعتبرت الثقافة العامة الأوروبية في عصر الصراع مع الكنيسة أن اللَّه يقف في مقابل الإنسان، يلغيه ويكتسح أبعاده المختلفة، حيث وُضِعَ الدين في المواجهة المباشرة مع الفرد الأوروبي، وقد كان لهذا الصراع المتطرف أن ينتج شخصيات مثل نيتشه، ويقول باتريك ماسترسون موضحاً هذه النقطة «إنّ الإلحاد في عصرنا، بتعبيره النظري الفلسفي، يتألف بصورةٍ رئيسيةٍ من تأكيد استحالة وجود الموجود المحدود والمطلق معاً. يُعتبر أنّ إثبات كون اللَّه موجوداً مطلقاً يستلزمُ بالضرورة تخفيض قيمة الموجود المحدود، وخصوصاً تجريد الإنسان من الإنسانية»[3]، وفي هذا المناخ الفكري جاءت النظريات والأفكار في العلوم الإنسانية وهي تسعى لتحويل الإنسان إلى إله من خلال المعرفة بكل تفاصيل الوجود والسعي للسيطرة عليه واعتبار ذلك ممكناً.

استبدلت بسلطة الكنيسة سلطة عملانية تتوسل الأدوات والقدرة، حيث يقدم النص المعرفي في العلوم الإنسانية مقاربة سلطوية للتحكم بالإنسان الآخر وتوجيهه وتشكيل الظروف والبيئة المحيطة به لخدمة غايات الإنسان المستكبر أو المتحكم أو القائم مقام السلطة في المجتمع الدولي أو المحلي، وتعتبر أن السيطرة أمر نسبي لكنه ممكن، فتشبع الذهن بمنهجية تفكير توجهه نحو العمل لتحقيق تلك السيطرة كهدف بحد ذاتها، وهي بذلك تقدم الخلفية المناسبة لتعميق نظرة استقلال الإنسان ومحوريته في الكون.

الإنسان يحقّ له أن يمارس السلطة ولكن بشكل غير مستقل ولا كغاية بحد ذاتها ولا من خلال القوة بل من خلال الشريعة والرحمة، ولا لغاية تحول الإنسان المقتدر إلى موقع المحورية الكونية والقطبية الوجودية، وهذا ما تشير إليه الآية الثامنة والسبعون من سورة القصص التي توضح حالة انحراف قارون الفرعون الاقتصادي «قال إنما أوتيته على علم عندي» رداً على نصيحة المؤمنين له بابتغاء الدار الآخرة فيما يمتلك من الدنيا، لكنّه اعتبر أنّ القدرة والملكية والسلطة التي يحتازها ناشئة من العلم والمعرفة الذاتية، فأنكر القدرة والقيومية الإلهية.

يشير الوحي الإلهي إلى التدخل في الجزئيات والتصرف في العقول والأفهام في الآية السادسة والسبعين من سورة يوسف «فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله» ففي الشؤون التفصيلية ثمة ظهور للقدرة الإلهية كما تُبيِّن الآية، أو في الحديث عن أمِّ موسى في الآية العاشرة من سورة القصص «وأصبح فؤاد أمِّ موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين» فالربط الإلهي منعها من البوح والكلام، وهناك عدد كبير جداً من الآيات الواضحة والتي تفتح الباب واسعاً للحديث في هذا الموضوع.

عالج العلماء الإسلاميون هذه القضية من زوايا متعددة فلسفية أو كلامية أو أخلاقية، وقد أشاروا في المستوى السلوكي إلى مراتب الاتصال الإنساني بالمطلق تحت عناوين مختلفة منها مفهوم التوكل والاعتماد على القدرة الإلهية، الذي يرتقي من مستوى الاعتقاد العقلي إلى اليقين القلبي، واللافت هنا أن الإنسان المسلم المتدين قد يقع في إشكالية الانفصال أو الانعزال عن القدرة الإلهية، وغاية ما نرمي إليه هنا هو الإشارة إلى إمكانيات التأثير السلبي الكامنة في تراث الفكر الاختزالي، الذي قد يمنع الفرد من الخروج من هذه الشبهة والعودة إلى النظرة الواقعية.


البقاء / الفناء
يطرح ماسترسون السؤال التالي: ما الذي يسلخ الإنسان من ذاته، هل هو الاعتراف بوجود اللَّه في التاريخ وفي وعي الإنسان، أو طمسه من التاريخ وقمعه في الوعي؟ وقد أجابت السرديات الأنسنية بالتمسك بالاحتمال الأول، فالمشكلة دوماً تكمن في الإثنينية والقطيعة بين اللَّه والإنسان، فيما يقدم لنا الوحي صورة عن الوشيجة واللحمة التي تشكل هذه العلاقة بين اللَّه وروح الإنسان التي هي نفخة منه سبحانه وتعالى، وتحدث العرفاء السالكون والعباد الزهاد عن فناء الإنسان في اللَّه ورجعته إليه، إلى أصله ومنشئه كمقام رفيع يناله الإنسان، وتتحقق بذلك الطمأنينة الوجودية بعد انكشاف الحجب المادية والتعلقات الدنيوية.

النظرة الاختزالية قاربت هذه الثنائية من ثلاث زوايا، الأولى هي البقاء الدنيوي المؤقت، والأخرى محدودية حياة الإنسان، وأخيراً البقاء للإنسان في مقابل الغياب للمطلق، ويقارب هذه النظرة الكاتب ستيفن لوبير في مقدمة كتابه عن فلسفة الموت، مخاطباً القارئ بشكل مباشر وملقياً بين يديه أزمته الوجودية الفردية:»افترض أنك في لحظة ما ستتوقف عن الوجود نهائياً، سيكون فارغاً من المعنى بالنسبة لك، أنت الآني الذي يقرأ هذه الكلمات، القيام بتحضير خطط لمستقبلك.. عندما تنظر عادةً إلى حياتك القادمة، تتخيل نفسك حاملاً للخطط التي تملكها للمستقبل.. هذا ما يدفعك إلى التحرك المباشر، لاقتطاع قسم من يومك المزدحم للقيام بأعمال تجعل الأمور أفضل بالنسبة إليك في المستقبل.. الانعدام والتوقف عن كونك موجوداً سيأخذ كلّ هذا التخطيط والجهد إلى النهاية، لن يكون ثمة شيء في الحياة للتطلع نحوه»[4]، يحكي الكاتب هنا وضع المتلقي الغربي المشبّع بالثقافة المادية، ويحاول إيقاظه للتفكير فيما أوصلته إليه الاتجاهات الانفعالية المتطرفة في التعامل مع النص الديني.

دفعت مصادر ومراجع الدين الاختزالي بكل قوة نحو الاهتمام بالشؤون الحياتية الآنية للفرد وأغفلت كلياً مستقبله الوجودي، وارتكزت على التشبث بالوجود الآني المباشر، ما أحدث خللاً في توازن النظرة إلى الزمن. في الزاوية الأولى كانت هذه الطروحات والآراء تنظر إلى الإنسان بشكل غير مباشر على أنه باقٍ وبشكل موهوم عبر إعطاء الأولوية للزمن المتاح في الحياة فوق الأرض، وتوضح الآية الثالثة من سورة الهمزة هذا الانحراف الموهوم بشكل مقتضب «يَحْسَبُ أنّ ماَلَهُ أخْلَدَهْ» وكذلك الآية الرابعة والثلاثون من سورة الأنبياء «وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متّ فهم الخالدون» في استنكار لتوهم البقاء الذي يقع فيه كثير من أتباع الثقافة المادية، وتشير الآية العشرون من سورة الأعراف إلى أنّ من أول وسوسات الشيطان لآدم وزوجه كانت قضية الخلد والبقاء لما لها من قيمة في النفس البشرية «قال ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين»

وبالنسبة لنا نحن المؤمنين فإنّ الحياة الحقيقية تبدأ بعد الموت والفناء عن هذه الدنيا، سواءٌ بموت الجسد أو موت النفس وحياة القلب، كما تشير الآية الرابعة والسّتون من سورة العنكبوت «وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون» فإن تركيز المعارف المادية في القضايا الإنسانية في المساحة الحياتية المعيشية بشكل حصري، يذهب بفكرنا إلى الابتعاد عن الالتفات إلى حقيقة الحياة ويمكن أن يدفعنا هذا التركيز اللامتوازن إلى التصرف في أساس «كأنك تعيش أبداً» دون السؤال عن الآخرة وإهمال العمل على أساس «أنك تموت غداً»، والمشكلة هنا لا تتعلق بالاهتمام بالقضايا الحياتية بقدر ما تتعلق بالثقافة التي تُوجّه الفكر ومعايير التحليل واتخاذ القرار والتدريب البعيد المدى على هذا الأساس، بحيث يصبح الاتجاه الفكري والعادات الذهنية ومحتويات الذاكرة كلّها موجهة نحو الحياة الدنيوية وكأنها حياة أبدية ينبغي الاهتمام بها بحدّ ذاتها وبشكل حصريّ أو بشكل يغلب سائر الاهتمامات.

من زاوية أخرى وقع العقل الاختزالي في معضلة لم يعرف الطريق إلى حلّها، وقد أشار إليها ستيفن لوبر، فمنتجات هذا العقل التي تنظر إلى فناء الإنسان بشكل غير مباشر على أنه نهايته قد أخذت الإنسان المتأثر بها إلى متاهة لا مخرج منها، ودفعته إلى النظرة العبثية والفوضى في بعض الأحيان، أو العمل لاحتياز كل ما أمكنه في هذه الفرصة الزمنية المتاحة التي هي عمره المتوقع في أحيان أخرى، كما تعرض الآية الرابعة والعشرون من سورة الجاثية «وقالوا ما هي إلاّ حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلاّ الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنّون».

فمن القضايا المشهورة في نقد الفكر الماديّ هو عجزه عن الإجابة عن سؤال ما بعد الموت، وبذلك يناقض الفطرة التي تطلب البقاء الأبدي، ويجعل نطاق التفكير والطموح والآمال محصورة في نطاق زمني محدود، ما يجعل الذهن يتوجّه نحو تحصيل الغايات والمطامح في هذا النطاق مهما كان الثمن، وذلك يؤثر تأثيراً بالغاً في المنظومة التربوية أيضاً.

في المستوى الثالث وانطلاقاً من التشبّث بالحياة الآنية والتمسك بالذاتيات المادية المباشرة والأنانية الفردانية التي تشكل محور الثقافة الغربية، فإنّ هذه الطروحات الأنسنية تسعى إلى بقاء الإنسان في حين أنّ غايته الفناء في الله. يمكن لنا أن نتناول ثنائية البقاء والفناء من خلال هذا البعد كذلك من خلال البعد الذي يتصل بالمسار العبادي المفضي إلى سرِّ التكوين وأصل الحب في الوجود كما تفيد الآية الثانية والسبعون بعد المائة من سورة الأعراف «ألست بربكم قالوا بلى شهدنا»، أو الآية السادسة والخمسين بعد المائة من سورة البقرة «الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون». أما المعرفة المادية بالإنسان فتهدف إلى تنمية قدراته والحفاظ على وجوده في هذه الفرصة الزمنية الضيقة لغاية الاستفادة منها بأقصى قدر ممكن، وبذلك ينمو الاهتمام بالذات والذاتية ويصبح محور التوجه والتفكير هي الأنا، وبذلك ينقطع طريق الرجوع إلى الله، والارتباط والفناء في وجوده الحقيقي، ومعرفة أن الوجود الإنساني محض تعلق.

الفكر الإسلامي يُقدِّم أطروحة شاملة حول البقاء والفناء في المراتب المتفاوتة في النظر، وهو يجيب عن الأسئلة التي تُحيّر البشرية مستنداً إلى الإخبار الغيبي والكشف المحمديّ، لكنّ المستوى الرفيع الذي نظر منه العارفون إلى هذه الثنائية ظلّ محدود التداول في المؤسسة العلمية الدينية، مع استثناء التيارات الصوفية والعرفانية التي شرّعت الباب على مصراعيه أمام التفسير الرمزي والسير المعرفيّ الشهوديّ.


المادة / المجرد
شعار الاتجاه الفكري المعادي للكنيسة كان المادية، مقابل المجرد والغيبيّ والملكوتيّ الذي نظر إليه في الإطار الاجتماعي السياسي الغربي على أنه سبب الأزمة السياسية والحروب، فرُفع شعار نقيض، على أمل أن يكون هذا النقض والتناقض سبباً للخروج من الاحتراب الأوروبي، الذي أطلّ من النافذة مجدداً في حربين عالميتين لم يرَ التاريخ لهما نظيراً، حربين قامتا بثقافة مادية بحتة.

الموقف الإسلامي في هذا المجال معروف وأشار السيد الطباطبائي في هذا السياق إلى طبيعة العلاقة بين طرفي هذه الثنائية في تفسيره المعروف بالميزان حيث يقول: قوله تعالى: «و اللَّه غالب على أمره» يوسف - 21. وكذا الآية الثانية التي أوردها أعني قوله تعالى: «أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها» «إلخ»، مسوقة لبيان بقاء الحقّ وزهوق الباطل سواء كان على نحو التنازع كما في الحق والباطل الذين هما معا من سنخ الماديات والبقاء بينهما بنحو التنازع، أو لم يكن على نحو التنازع والمضادة كما في الحقّ والباطل الذين هما بين الماديات والمعنويات فإن المعنى، ونعني به الموجود المجرد عن المادة، مقدم على المادة غير مغلوب في حال أصلا، فالتقدم والبقاء للمعنى على الصورة من غير تنازع، وكما في الحقّ والباطل اللذين هما معا من سنخ المعنويات والمجردات، وقد قال تعالى: «وعنت الوجوه للحيّ القيوم» طه - 111، وقال تعالى: «له ما في السموات والأرض كلٌّ له قانتون» البقرة - 116، وقال تعالى: «وأنّ إلى ربِّك المُنتهى» النجم - 42، فهو تعالى، غالب على كلّ شيء، وهو الواحد القهّار»[5]

وقد ناقش الشهيد مطهري في كتابه «الدوافع نحو المادية» الصلة بين الاتجاه المادي والتطوّر العلميّ، واعتبر أنَّ الاتجاه الماديّ موجود تاريخياً لدى العلماء وغير العلماء على حدّ سواء، ولا علاقة للتطوّر العلمي بنشأته، وإن كان هذا الأخير عنصراً مؤثراً في تعميم الثقافة المادية، فإنّ الارتباط الشرطي بينهما لا دليل عليه. ويلفت ماسترسون إلى أن الصدام بين بعض مفردات النصّ الدينيّ المسيحيّ وبين بعض النظريات العلمية، قد أفضى إلى القطيعة مع العالم المجرد برمته وأقصاه بشكل نهائي، واعتبر البعض هذا الإنجاز على حساب النصّ الكنسيّ ذريعة لصرف النظر عن كلّ ما هو غير ماديّ، ونورد كلام ماسترسون هنا لأهميته كشهادة لباحث غربي على هذه التحولات التاريخية «من المعترف به من خلال إلقاء نظرة دقيقة أنّه من غير الممكن إظهار كون أيٍّ من الأوتاد العظام للمفهوم الكوني الجديد كنظرية مركزية الشمس أو قانون القصور الذاتي أو قانون الجاذبية- وكأنها غير متوافقة من حيث المبدأ مع إثبات وجود الله. بالرغم من ذلك، فإنّ الأفكار التي قامت هذه النظريات بإبدالها كانت مرتبطة بشكل وثيق بإثبات وجود اللَّه وبمجموعة من المواضيع الإلهية المتنوعة، فبدا لعديد من الناس أن سقوط هذه الأفكار يتّجه إلى تقويض إثبات وجود اللَّه بدلاً من أن تسهّل هذه النظريات إحداث فهمٍ أكثر أصالةً ونقاءً عن الطبيعة الإلهية. على نحو أدقّ، فإنّ المنهجية الإلحادية للنظرة العلمية المعاصرة قد أقصت ببساطةٍ السؤال حول وجود اللَّه ولكنّها قد أحدثت أيضاً إطاراً ذهنياً يميل نحو تعميم اللامبالاة المنهجية تجاه ما هو إلهيّ وتحويله إلى النزعة الإنسانية العلمية المطلقة»[6]. نحن وفي اطار الرؤية المعيارية التي نركن إليها في هذه الوريقات لا نريد الانجرار نحو جدل كلامي مع الفلسفة المادية، فقد قامت استدلالات علمية وفلسفية إسلامية كثيرة بنقض الأصول المعرفية والكلامية لتلك الفلسفة، ونحن لسنا بصدد إثبات انحرافها ووهنها، وإنما نريد التركيز في تسرب تلك الفلسفة في اللغة غير المباشرة للعلوم الإنسانية المختلفة، ويمكن لمن يود الإطلاع بشكل تفصيلي العودة إلى الكتابات المختصّة في هذا الجانب، وإشارة ماسترسون هنا تفيد في توكيد حقيقة أن «العلم»، في التداول الغربي الأنواري، كان يُمثّل تياراً فكريّاً تشكّل في حمأة الصراع، اندفع نحو تشكيل رؤية مسبقة وشمولية تجاه الدين.

للوقوع على الموقف الغربي المباشر، نعود إلى موسوعة روتلدج للفلسفة التي عرفت المادية كاتجاه فلسفيّ بالآتي:«مجموعة من النظريات المترابطة التي تعتبر أنّ كلّ العناصر والحركات تتألف من المادة، القوى المادية أو العمليات الفيزيائية. كلّ الأحداث والحقائق قابلة للتفسير، مباشرةً أو بشكل مبدئي، من خلال مفاهيم الجسد، الأشياء المادية أو التحولات والحراكات الدينامية المادية»[7]، وبالمقابل وفي تعريف القضايا المجردة يقول بوب هايل «السؤال الفلسفي المركزي حول القضايا المجردة هو: هل ثمة قضايا مجردة؟»[8] ويعرض للآراء المختلفة في هذا المجال، وفي المجال الإنساني اعتبر الطبيب والفيلسوف جوليان دولامتري[9] في كتابهه «الإنسان الآلة» الصادر عام 1748 الوجود الإنساني جسماً ميكانيكياً يتحرك بقدرة ذاتية وفسر الحركة الفكرية علىى أسس عصبية مادية.

تحركت الأبحاث في العلوم الإنسانية الغربية إذن على خلفية مادية، وحاولت الالتفاف على وجود العقل واللغة في بعض الأحيان ولم تنجح في الوصول إلى تفسيرات مقنعة، لكنها انضوت تحت شعار إنكار المجردات، ونحن إذ نستعين بها في تكوين المعرفة عن الوجود الإنساني، سنلاحظ أنها بطبيعة الحال تصرف الاهتمام عن القضايا المجردة العقلية والروحية وبالتالي تضعف قدرة الإنسان على إدراكها والإيمان بها، فانشغال الفكر بالواقع الحياتي والمعيشي يستتبع إشباع المخيلة بالصور المادية، وتأطير الفضاء الفكري بحدود تعزله عن الاهتمام بالأبعاد المتنوعة للموجود الإنساني، كما تخلق نمطية اشتغال الجانب المجرد من الإنسان أي العقل ومن ثم القلب بالجانب المادي المعيش منه، فيصبح المجرد مسخراً للمادي، على النقيض تماماً من الخطاب والتوجيه القرآني الذي أراد أن تكون الأولوية للحياة الأخروية بقيمة قصوى للبعد الروحي والمعنوي وقيمة دنيا للبعد المعيشي كما تشير آيات كثيرة ومنها الآية الثانية والثلاثون بعد المائة من سورة طه «لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى».

انسداد باب المعنويات الروحانية العميقة والأصلية أمام المفكر أو المثقف أو الباحث الغربي ذي النزعة المادية الشمولية، دفعه بقوة نحو إيجاد البديل، فكان الطريق إلى معرفة الذات هو العلوم الظاهرية، فغرق فيها كبديل لطريق التكامل المعنوي، وأصبحت هي خشبة الخلاص من التيه المعرفي، ولذلك نحن نتعرض لإغراء أن تتحول هذه المعارف التي تقدم بديلاً معنوياً عن المعرفة الحقيقية بالإنسان فرداً ومجتمعاً إلى بديل يطغى على طريق التكامل الروحاني والسير الأخلاقي العبادي من خلال المعرفة المباشرة الظاهرية، ويغذي العقل مقابل تغذية القلب والروح، ويحصل من ذلك تغليب للمجرد العقلي على المجرد الروحي، فيحصل شعور وهمي بالاكتفاء لناحية الحاجات المعنوية المجردة، كما يعبر ميجيل فارياس في بحث له بعنوان (سيكولوجيا الإلحاد): «يمكن للعلم أن يقوم بدور العكاز السيكولوجي لأنه يقدم قيمة ميتافيزقية مضافة»[10] ويتأتى من ذلك إهمال البحث في الجانب الروحي والفطري الحقيقي للتجرد، لذلك نلاحظ الانكباب الكبير على الإنتاج الفكري والتلقي المعرفي للذين فتح باب المعارف العقلية، وقد نقع في هذه الثغرة نتيجة الاستغراق في التلقي وكذلك بسبب البيئة الأكاديمية التي تجعل التداول الفكري محصوراً في النطاق الظاهراتي قسراً.

ـــــــــــــــــــــ
[1]- بشارة، عزمي / الدين والعلمانية في سياق تاريخي / المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات / ج 1 / ص 693.
[2]- Nietzsche، Friedrich / The Gay Science / Cambridge University Press / 2001 / p 108.
[3]- Masterson، Patrick / Atheism and Alienation / Penguin Books / 1973 / p 18.
[4]- Luper، Steven / The Philosophy of Death / Cambridge University Press / 2009 / p 13.
[5]- الطباطبائي، محمد حسين / تفسير الميزان / الجزء 2 / ص 174.
[6]- Masterson، Patrick / p 20.
[7]- Routledge Encyclopedia of Philosophy / Materialism.
[8]- Routledge Encyclopedia of Philosophy / Abstratct objects.
[9]- Julien de la Mettrie / L’Homme Machine.
[10]- Farias، Miguel / The Psychology of Atheism / In: Oxford Handbook of Atheism / 2016 / p 396.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد