مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
السيد عباس نور الدين
عن الكاتب :
كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران: الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه.

مهمّة التربية الأخلاقية الأولى.. لماذا يجب أن يكون السير التكاملي أولوية؟

 

السيد عباس نور الدين
تهدف التربية الأخلاقية إلى جعل أبنائنا يسلكون طريق الفضيلة واعتبار هذا السلوك أولوية مطلقة في حياتهم. والمقصود من الأولوية المطلقة هو أنّه لا ينبغي التنازل عن الفضيلة والخُلُق الحسن لأي سبب، مهما كان كبيرًا وخطيرًا؛ سواء كان الاحتياج الشديد أو الجوع المفرط أو خسارة منصب أو حتى الحياة نفسها.
تحفل الحياة بالمواقف التي يجب أن نختار فيها بين الفضيلة والمصلحة الشخصية (التي غالبًا ما نتوهّمها كذلك)، وما لم تكن الفضيلة أولوية مطلقة، فإنّنا سرعان ما نضحّي بها ونتخلّى عنها. وهذا ما يجعل حياتنا صعبة وشاقّة.
إنّ الحاجة إلى الفضيلة وحسن الخلق إنّما تكون في مثل هذه المواقف الصعبة أكثر من أيّ وقتٍ آخر؛ وإلا فما قيمة الأخلاق الفاضلة، إن لم تهب لنجدتنا حين يستعر لهيب الغضب أو تتأجّج نيران الشهوة؟!
غضبنا قد ينشأ من شعورنا المزيّف بالمهانة، وشهوتنا قد تكون عبارة عن الرغبة بالمكانة الاجتماعية أو الكرامة الحمقاء (التي تكون في الحقيقة حبًّا للجاه والاستعلاء).


والسر الذي يقف وراء أولوية الفضيلة هو أنّ الأخلاق والملكات النفسية هي التي تعبّر عن حقيقة شخصيّتنا وهويتنا الواقعية وتكشف لنا عن سرائرنا وكوامن نفوسنا بأفضل ما يمكن. ولأنّ حشر يوم الحساب والمصير يوم القيامة سيكون وفق حقيقة النفس، فلا شك بأنّ الصورة المعنوية لهذه النفس ستكون على رأس الاهتمامات لدى كل من آمن باليوم الآخر. وحين نزرع شجرة الفضائل في أنفسنا ونرويها بالسلوك والعمل في ظلالها الوارفة، نكون قد عمّرنا جنّتنا الواقعية وجعلنا مصيرنا حسن المآب. 
الأخلاق الفاضلة هي أفضل تعبير عن مدى استحكام قواعد العقيدة في النفس واستقرار حقائقها في القلب. والأخلاق الفاضلة هي مظهر الإيمان النقي الصافي وتجلّيه الأكبر في قوى النفس المختلفة. وفي المقابل، فإنّ سوء الخلق أو الرذائل الأخلاقية هي العامل الأكبر الذي ينهش في هذا الإيمان حتى لا يذر منه شيئًا. وكثيرًا ما ورد في أحاديث أهل الحكمة والعصمة الإشارة إلى هذه الحقيقة، كما جاء بشأن الحسد أنّه يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب، أو أنّ حبّ الرئاسة أضر على دين المؤمن من ذئبين ضاريين في قطيع من الأغنام فُقد راعيها.


والذي يتأمّل في العلاقة بين الإيمان والأخلاق، يدرك جيّدًا أنّها حارس العقيدة إن صلحت، وأنّها أكبر عدوّ للإيمان حين تفسد. أمّا ما يرتبط بالسعادة والطمأنينة والصحة النفسية، فلا شيء يمكن أن يحقّق هذه الأمور مثل حسن الخلق واستقرار الملكات الفاضلة في النفس. وحين تستولي رذائل الأخلاق على مملكة النفس، فمن المتوقّع أن يدخل المرء في دوّامة الشقاء والتعاسة والأزمات النفسية الخانقة، حتى لو لم يكن معه أي أحد؛ لأنّ المتضرّر الأول من سوء الخلق والمتعذّب الحقيقي منها هو صاحبها. 
ولا شيء أدعى إلى جمال العلاقات واستقرار الروابط الاجتماعية والإنسانية مثل الأخلاق الفاضلة، فإنّ أكثر المشاكل والنزاعات في الأسرة والجوار وبين الرفاق والأرحام ترجع إلى سوء الخلق.
لأجل ذلك ينبغي أن نجعل التربية الأخلاقية التي تدور حول محور تزكية النفس وتهذيبها أولوية مطلقة في جميع برامج التربية وأبعادها، حيث نصبّ جلّ اهتمامنا ومهاراتنا التربوية لنجعل أبناءنا يتبنّون هذه الأولوية كخيار مطلق لحياتهم كلّها.


إنّ الفضيلة الأولى في الأخلاق والملكات الطيبة هي فضيلة التكامل، أي طلب الكمال دومًا والسعي المستمر صعودًا. وذلك أولًا، لأنّ جميع الأخلاق ذات طبيعة اشتدادية تكاملية؛ فالشجاعة درجات، والكرم درجات، والعلم درجات، والسخاء درجات وهكذا. وما لم تصبح قضية التخلّق بالأخلاق الفاضلة قضية تستوعب العمر كلّه ولا تنتهي عند حد، فلن يُكتب لها التوفيق والنجاح.
أمّا القناعة بما نبلغه من حسن الأخلاق والرضا عن النفس بما تصل إليه من فضائل فهو عدوّ التربية الأخلاقية الأول وسبب فشلها. لهذا، فإنّ مهمّة التربية الأخلاقية الأولى تتجلّى في الكشف عن طبيعة المسار المعنويّ التكامليّ وتوضيح هدفه الأسمى ومقصده الأعلى، والذي عبّر عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأجمل تعبير حين قال: "تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ".[1]
فأخلاق الله ـ التي هي صفاته وأسماؤه الحسنى ـ هي هدف سير سالكي طريق التكامل والفضيلة. ولأنّ أخلاق الله مطلقة ولا حدّ لها، فإنّ مسير الفضيلة لا حدّ له ولا منتهى؛ ومهما بلغ الإنسان من الحكمة أو الرحمة أو الكرم أو الحلم، فسوف يكون هناك مراتب أعلى بانتظاره، وإن أصبح بالنسبة لمن هو دونه هدفًا ومقصدًا وأسوة وقدوة.
 

وعلى أساس ذلك، فقد اشتقّ أصحاب هذا المذهب الأخلاقي، الذين تبنّوا هذه الرؤية المعنوية، من عالم الأخلاق الإلهية مقامات، وجعلوها محطّات هذا السفر الروحاني؛ فتبلورت بفضل ذلك معالم أفضل مدرسة أخلاقية، وظهر بسببها أروع منهاج للتربية، يستحق أن يكون دليلًا مرشدًا لكل من يضع قضية تأديب أبنائه وتربيتهم كمسؤولية كبرى على عاتقه.
وكما يحصل في كل سفر، فإنّ للسفر الروحاني نقطة بدء ومسار وغاية. أمّا بدايته فهي عند الخروج من بيت النفس المظلم، الذي تكون جدرانه عبارة عن تلك الرذائل الأخلاقية، وأعمدته عبارة عن حبّ النفس، وقواعده هي رؤية النفس.
والتخلّق بأخلاق الله يعني التبدّل الجوهريّ للنفس، من نفسٍ أرضية لا هم لها ولا توجّه إلا إلى عالم الطبيعة والدنيا المنحطة، إلى نفسٍ بنور ربّها مضيئة وبروحه متّصلة ومتحقّقة.


أمّا إذا استقرّ الإنسان في بيت نفسه المظلم، وانطلق من رؤية نفسه وحبّها، فإنّه سرعان ما يصبح كالبهائم لا همّ لها سوى معلفها؛ ليكون بعدها بل أضل سبيلًا، وهم الشياطين التي تتّصف بكل أشكال الخبائث والرذائل. ففي البداية تصبح ملكاته بهيمية، لأنّ حياته دارت حول محور الشهوة والغضب؛ لكنّ ذلك لن يتوقّف عند هذا الحد، فسرعان ما يسقط في مستنقع الرذيلة ـ بسبب الصراع الذي تخوضه نفسه البهيمية مع أمثالها في شريعة الغاب ـ الذي فيه الجحود والهوس والخبث والفجور، وهي أحوال الشياطين وملكاتهم.
على المربّين الأعزاء أن يعلموا بأنّ النفس ليس لها قرار، ما دامت في عالم الطبيعة ومنزل الدنيا التي هي مكان الحركة الدائمة والسيلان والصيرورة المستمرة. لذلك، ما لم تكن حركتها تكاملية، فهي لا شك تسافلية.
أجل، هناك الكثير من أصحاب النفوس الضعيفة الذين تنحفظ طباعهم المختلفة، بسبب شدّة التصاقهم وركونهم إلى البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها (وهذا هو حبل الناس الذي ينقطع يوم القيامة)؛ لكنّهم سرعان ما يسقطون، ويكون سقوطهم مدويًّا، بمجرّد زوال قوّة البيئة الاجتماعية وتأثيراتها؛ الأمر الذي يحدث بعد الموت حتمًا. فإذا كانت البيئة ضاغطة باتّجاه الأخلاق الفاضلة، ازدهرت الطباع الطيبة في هذه النفوس وراجت سوقها؛ وإن كانت البيئة ضاغطة باتّجاه الأخلاق الرذيلة، ازدهرت الطباع السلبية وتفعّلت آثارها؛ إلّا أنّ الذي يحدّد مآل النفس في النهاية هو تلك الحركة الذاتية الاختيارية، ولو بعد الدنيا.
وبعبارةٍ أخرى، لا ينبغي للمربّي أن يركن إلى البيئة الاجتماعية الجيّدة والمساعدة، ويكتفي بأنّه بنى أسرة متماسكة يهتم فيها الكبير بالصغير والقويّ بالضعيف، بل عليه أن يجعل قضية التكامل عند أبنائه خيارًا أوّليًّا ونهائيًّا وواعيًا ونابعًا من بصيرة عميقة ترتبط بفهم الوجود والحياة والمصير.  
ـــــــــــــ
[1]. بحار الأنوار، ج58، ص 129.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد