علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

وحدة الاختبار الروحي بين ابن عربي ولاوتسو (3)

العقل والتجلِّي عند العرفاء المسلمين

 

لئن كانت هذه هي الرؤية التوحيدية الصوفية التي قوربت في الفكر الغربي الحديث، فسنجد ما يناظر خصائصها الجوهرية في العرفان الإسلامي. فلو كان لنا أن نستجلي هذه الرؤية على وجه الإجمال، فلا مناص من الوقوف أولاً على ما قدمته المدرسة الصوفية حيال التجلِّي كمفهوم ومصطلح، والكيفية التي جرى التعامل معه من خلالها.

 

لقد اتفق أكابر أئمة الصوفية وفي مقدمهم ابن عربي على تعريف التجلِّي بأنه إشراق أنوار إقبال الحق على قلوب المقبلين عليه. وقيل هو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، كما جاء في معجم المصطلحات الصوفية[1] فالتجلِّي يكون على ثلاثة أحوال: تجلِّي ذات، وتجلِّي صفات الذات، وتجلِّي حكم الذات. الأول هو المكاشفة أو كشوف القلب في الدنيا كقول عبد الله بن عمر: كنا نتراءى الله في ذلك المكان، يعني في الطواف. وكشوف العيان في الآخرة. والثاني هو موضع النور، وهو أن تتجلى له قدرته عليه فلا يخاف غيره، وكفايته له فلا يرجو سواه. والثالث يكون في الآخرة، فريق في الجنة وفريق في السعير.

 

وقيل علاقة تجلي الحق للأسرار هو أن لا يشهد السر ما يتسلط عليه التعبير او يحويه الفهم، فمن عبر أو فهم فهو خاطر استدلال لا ناظر إجلال. وفي الإنسان الكامل إن الحق إذا تجلى على العبد سمى ذلك التجلي بنسبته إلى الحق سبحانه شأنا إلهياً، وبنسبته إلى العبد حالاً. ولا يخلو ذلك التجلي من أن يكون الحاكم عليه اسماً من أسماء الله تعالى، أو وصفاً من أوصافه، فذلك الحاكم هو المتجلَّى. وإن لم يكن له وصف أو اسم مما بأيدينا من الأسماء والصفات الإلهية، فحال اسم ذلك الولي المتجلَّى عليه هو عين الاسم الذي تجلَّى به الحق عليه، وذلك معنى النبي الخاتم (ص) أنه سيحمده يوم القيامة بمحامد لم يحمده بها من قبل. وقوله (ص) اللهم إني أسألك بكل اسم سمَّيت به نفسك، واستأثرت به في عينك. فالأسماء التي سماها بها نفسه هي التي نبهنا عليها أنها أسماء أحوال المتجلَّى عليه.

 

أما سائر التجلِّيات فهي على منازل، ولكل منزل صفاته وخصائصه:

 

أ-التجلِّي الذاتي ما يكون مبدؤه الذات من غير اعتبار صفة من الصفات معها، وإن كان لا يحصل ذلك إلا بواسطة الأسماء والصفات. إذ لا يتجلى الحق من حيث ذاته على الموجودات إلا من وراء حجاب من الحجب الأسمائية.

 

ب-التجلِّي الشهودي هو ظهور الوجود المسمى باسم النور، وهو ظهور الحق بصور أسمائه في الأكوان التي هي صوَّرها، وذلك الظهور هو نَفَسُ الرحمن الذي يوجد به الكل.

 

ج-التجلِّي الصفاتي ما يكون مبدؤه صفة من الصفات من حيث تعيُّنها وامتيازها عن الذات.

 

وأما سر التجلِّيات فهو شهود كل شيء في كل شيء، وذلك بانكشاف التجلِّي الأول للقلب، حيث يشهد أحدية الجمعية بين الأسماء كلها، لاتصاف كل اسم لجميع الأسماء، ولاتحادها بالذات الأحدية، وامتيازها بالتعينات التي تظهر في الأكوان التي هي صورها. فيشهد كل شيء في كل شيء[2].

 

في الحقبة التي تلت زمن ابن عربي دأبت فلسفة التصوف على تأصيل عميق الغور لمفهوم التجلي. وقد ظهر هذا التأصيل لدى الحكيم الإلهي صدر الدين الشيرازي المشهور بـ ملا صدرا (980-1050 هـ – 1572) 1640 على قسمين:

 

الأول: هو التجلي الذاتي الذي يكون مبدأ لانكشاف الحقائق الغيبية عن ذات الحق من وراء الحجاب. والثاني: هو التجلي الصفاتي الذي يكون مبدأ ومنشأ لتلك الصفات والأسماء والحجب النورية[3].

 

يعتقد صدر المتألهين بأن للحق (تعالى) تجلياً وظهوراً واحداً على الأشياء والممكنات، وهو بعينه تجلي الحق الثاني على نفس ذاته في مرتبة الأفعال؛ ذلك لأن الحق يفيق عن ذاته الأشياء بما أنه تام وكامل، فالظهور الثاني على ذاته هو هذا النوع من الإفاضة، وطبعاً من غير المناسب أن يكون الظهور الثاني عين الظهور الأول، لأن الظهور الأول هو تجلي الذات الواجبة في الأفعال؛ حيث أطلق على هذا التجلي الإفاضة ونفس الرحمن والعلية والتأثير ومحبة الأفعال والتجلي، فتكون منشأ لتكثر الأسماء والصفات[4].

 

التجلي الأول هو ظهور الأشياء، والتجلي الثاني هو تكثّْرها، ولو دقَّقْنا النظر لوجدنا أن هناك تجلياً وظهوراً واحداً ينحل إلى تجليين وظهورين. ذلك بأن جميع الماهيات والممكنات هي مرائي لوجود الحق (تعالى) ومجالي للحقيقة المقدسة، ومن خصوصيات المرآة أن تحكي عن الصور المتجلية فيها. وبما أن الممكنات بعيدة عن المبدأ ويعتريها النقص والظلمة، فلا يمكنها أن تحكي عن تمام الوجود[5].

 

وللتجلي في منظومة صدر الدين الشيرازي الفلسفية صلات وصل وطيدة بسواها من المصطلحات العرفانية. منها على سبيل المثال مصطلح الخلاء ومصطلح الخيال أو التخيُّل.

 

بعض المحققين من الفلاسفة الذي لا يعتقدون بوجود الخلاء في العالم رأوا بأن التخلخل الحقيقي محال، وما نظنه تخلخلاً أو تكاثفاً، ما هو إلا دخول الأجسام الغريبة أو خروجها. وبعبارة أخرى، التخلخل عبارة عن الانتفاش الذي يؤدي إلى تباعد الأجزاء ودخول أجزاء مباينة غريبة وبالعكس[6].

 

أما التخيّل فهو عبارة عن حركة النفس في المحسوسات، والتفكُّر هو حركة النفس في المعقولات. ولقد ظن البعض أن التخيل عبارة عن حصول الصور الخيالية في أجزاء من الدماغ، وقد رفض صدر المتألهين هذه العقيدة، واعتبر أن الصور المتخيلة مجردة كسائر الصور الإدراكية، ثم إن المادة الدماغية ليست حاملة الأشكال والصور المختلفة؛ لأن المادة لا يمكنها[7].

 

تأويلية ابن عربي

 

تأخذ مسألة التجلي التي هي حاصل الإيمان الأقصى، بُعداً محورياً بالغ الأهمية في منظومة ابن عربي العرفانية، فتجلّي الله أمرُ يتحقق في قلب العارف، ولكي يشرح ابن عربي نظريته فيما يخصّ “الإله المصطنع من الاعتقادات” يربط التجليات الإلهية وقلب الإنسان العارف ربطاً محكماً، ويقول: “وإذا كان الحق يتنوع تجلِّيه في الصور(الصورة)، فبالضرورة يتّسع القلب ويضيق بحسب الصورة التي يقع فيها التجلِّي الإلهي، فإنه لا يفصل شيء عن صورة ما يقع فيها التجلِّي، فإن القلب من العارف أو الانسان الكامل بمنزلة محل فصّ الخاتم من الخاتم، لا يفضل بل يكون على قدره وشكله من الاستدارة، إن كان الفص مستديراً، أو من التربيع والتسديس والتثمين وغير ذلك من الأشكال إن كان الفص مربعاً أو مسدساً أو مثمناً أو ما كان من الأشكال، فإن محلّه من الخاتم يكون مثله لا غير (غيره)، وهذا عكس يشار إليه من باب التوهم، من أن الحق يتجلَّى على قدر استعداد العبد، وهذا ليس كذلك، فإن العبد يظهر للحق على قدر الصورة التي يتجلى له فيها الحق.

 

وتحرير هذه المسألة أن لله تجلّيين: تجلّي غيب، وتجلّي شهادة، فمن تجلّي الغيب أنه يعطي الاستعداد الذي يكون عليه القلب، وهو التجلِّي الذاتي الذي الغيب حقيقته، وهو الهوية التي يستحقها بقوله عن نفسه: “هو”. فلا يزال “هو” له دائما أبداً، فإذا حصل له. أعني للقلب (القلب) - هذا الاستعداد، تجلى له التجلّي الشهودي في الشهادة فرآه فظهر بصورة ما تجلّى له كما ذكرناه (ذكرنا). فو تعالى أعطاه الاستعداد بقوله: “أعطى كل شيء خلقه”؛ ثم رفع الحجاب بينه وبين عبده، فرآه في صورة معتقده (معتقد). فهو عين اعتقاده، فلا يشد القلبُ ولا العينُ أبداً إلا صورة معتقده في الحق، فالحق الذي في المعتقد هو الذي وسع القلب صورته، وهو الذي يتجلّى له فيعرفه، فلا ترى العين إلا الحق الاعتقادي، ولا خفاء بتنوع الاعتقادات: فمن قيده أنكره في غير ما قيده به، وأقر به فيما قيده به إذا تجلى، ومن أطلقه عن التقييد لم ينكره وأقرّ به (له) في كل صورة يتحول فيها، ويعطيه من نفسه قدر صورة ما تجلة له، إلى ما لا يتناهى، فإن صور (صورة) التجلي ما لها نهاية تقف عندها، وكذلك العلم بالله (تعالى) ما له غاية في العارف (العارفين) يقف عندها، بل هو العارف في كل زمان يطلب الزيادة من العلم به، “ربِّ زدني علماً” “ربِّ زدني علماً” “ربِّ زدني علماً”. فالأمر لا يتناهى من الطرفين[8].

 

لم يكتفِ ابن عربي وهو يشق مسعاه التنظيري لتظهير عقيدة التجلِّي ضمن هذه الحدود التوصيفية، بل ذهب إلى ترتيبات منطقية تصنِّف العلوم والمعارف ضمن ثلاث مجموعات:

 

أولها: العلم العقلي: وهذا النوع من العلوم يراه ابن عربي عرضة للإصابة والخطأ معاً[9]. ورغم ما يتحدث به أحياناً عن البرهان الساطع والدليل القاطع[10] في مجال العلوم النظرية. إلا أنه لا يرى في العلوم العقلية رافعاً للشك والتذبذب، ما لم يقع العقل تحت إشراف القوة القدسية وحمايتها وسلطانها. وهكذا تُحصَّل الحقائق والمعارف عن طريق تعلمها من معلمها الأساس وهو الحق تعالى، لا بالتقليد والاتباع للقوة المفكّرة. في رسالته المعروفة إلى الفخر الرازي يقول الشيخ الأكبر: “واعلم أن أهل الافكار، إذا بلغوا فيه الغاية القصوى، أداهم فكرهم إلى حالة المقلد الصميم، فإن الأمر أعظم من أن يفعله الفكر، فما دام الفكر، فمن المحال أن يطمئن العقل ويسكن، وللعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصريف الفكري، ولها صفة القبول لما يهبه الله تعالى، فإذن: ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود، ولا يبقى ما هو في قيد نظره وكسبه، فإنه على شبهة في ذلك”[11].

 

ويذكر ابن عربي في هذا المقطع من كلامه جملة قضايا هامة على نحو الاختصار لكن مع صراحة هي: أ- إن أهل الفكر مقلّدون. ب-لا يمكن للإنسان الوصول الى اليقين باعتماده الفكر وسيلةً ومنهجاً. ج- إن مجال المعرفة العقلية ذات الأداة الفكرية محدود، ولا يمكن تخطّي هذا المجال الضيّق. د- إن للعقل قدرة على تحرير ذاته من أسر الفكر، ليضع نفسه في مهبّ نسيم الجود، فيتعلم الحقائق من الحق تعالى[12].

 

والنتيجة التي يخرج بها ابن عربي من هذا الترتيب، هو تقدم وأولوية المعرفة الحاصلة عن طريق التجلِّي والمكاشفة الشهودية للأنبياء والأولياء على تلك الحاصلة بوساطة التفكير والنظر في مجال الإلهيات.

 

ثانيها: العلم بالأحوال: وهذا العلم – كالعلم العقلي – هو الآخر في مدار الاشتباه والخطأ، إلا أن خطأه من نوعه، واشتباهه من صنفه، تماماً “كمن يغلب على محل طعمه المرَّةُ الصفراء، فيجد العسل مرّاً، وليس كذلك، فإن الذي باشر محل الطعم إنما هو المرة الصفراء”[13].

 

ثالثها: علم الأسرار: وهذا النوع من العلوم، ينقسم الى قسمين:

 

أ-قسم يشبه النوع الأول، يدرك بوساطة العقل، مع فارق وهو أن العالم في ذاك النوع يصل إلى مدركاته عن طريق التفكير والنظر، أما هنا، فلا تحصل المدركات نتيجة عملية تفكير ونظر وإنما بإفاضة الروح القدس لها.

 

ب-القسم الآخر: ينحل بدوره أيضًا إلى نوعين، أحدهما يرتبط بعلم الأحوال، بيد أنه اكثر شرفاً منه، وثانيهما من نوع الأخبار التي للصحة والخطأ سبيل إليها، إلا إذا كان صدق مخبرها وعصمته أمراً ثابتاً مؤكداً، كأخبار الأنبياء والأوصياء[14].

 

إن علم الأسرار هو ما يسميه ابن عربي في موضع آخر “العلم الإلهي” ويراه، “أصل العلوم كلها، وإليه ترجع”[15] وبناء عليه فـ “العالِم به يعلم العلوم كلّها ويستغرقها، وليس صاحب تلك العلوم (الأخرى) كذلك، فلا علم أشرف من هذا العلم المحيط…”[16].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – عبد المنعم الحفني- معجم المصطلحات الصوفية – دار المسيرة – ط 2- بيروت 1987 – ص 43.

[2] – الحفني – المصدر نفسه – ص 44.

[3] – كتاب الأسفار / ج 2، السفر الأول، ص 256-358.

[4] – محمد بن ابراهيم الشيرازي(ملا صدرا) – الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة – تقديم: محمد رضا المظفر – دار إحياء التراث العربي – بيروت- ط 3 – 1981- ج4 – ص 256-258.

[5] – الشيرازي – المصدر نفسه.

[6] – كتاب الأسفار- المصدر نفسه – ج 4 – ص 76، 169.

[7] – المصدر نفسه .

[8] – علي شيرواني – الأسس النظرية للتجربة الدينية – قراءة نقدية مقارنة لآراء ابن عربي ورودولف أوتو – ترجمة: حيدر حب الله – دار الغدير- 2003 – ص 333.

[9] – ابن عربي – الفتوحات المكية – تحقيق عثمان يحي – دار الكتب العلمية – بيروت – ج1 – ص 126.

[10] – المصدر نفسه، 128.

[11] – ابن عربي، رسائل ابن العربي، رسالة الشيخ الى الامام الرازي، ص 3.

[12] – علي شيرواني – الأسس النظرية لتجربة الدينية – قراءة نقدية مقارنة لآراء ابن عربي ورودولف أوتو- ترجمة حيدر حب الله – دار الغدير – بيروت 2003 – ص 233- 234.

[13] – المصدر نفسه.

[14] – علي شيرواني – مصدر سبقت الإشارة إليه – ص 235.

[15] – الفتوحات – ج2، ص 328.

[16] – الفتوحات، ج 1، ص 140.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد