
تناقضيّة هيغل
أول ما يلفتنا في مقاربة هيغل للإسلام هو الحيّز الضيّق الذي يخصّصه له (خمس صفحات من مؤلف في 457 صفحة). والأمر الثاني اللافت، وهو الأهم، أنّ هيغل، بالرغم من اعتباره الإسلام «ثورة الشرق»[1] إلا أنّه ينتزع الإسلام من إطاره الشّرقي، ولا يعرض له كمحصّلةٍ لتطوّر الأديان السامية والثقافات الشرقيّة، وإنّما يضعه بين مزدوجين في سياق عرضه للمسار الروحي المسيحي في العالم الجرماني! وهكذا يبدو الإسلام «مفصولاً عن الشرق في الشريحة القروسطية كجسمٍ غريبٍ، وكتيارٍ ثانويٍّ على هامش التاريخ العالمي»[2].
يقارب هيغل الإسلام من منطلق الاختلاف بينه وبين العالم الجرماني في تلك المرحلة. في القرن السابع، كان الروح المسيحي يمزقه التناقض بين مبدأ الحريّة الذي ينطوي عليه بالقوة وبين الهياج والعنف الانفعالي البربري الذي كان يتمظهر فيه الروح بالفعل. وكان الروح يستجير بالكنيسة من شرور الصراعات الدمويّة بين السلالات الباحثة عن الامتيازات الخاصة، جاهلاً أنّ الأهداف الدنيويّة هي شغل الروح الشاغل.
إنّ الإسلام، يقول هيغل، قد حرر الفكر من الخصوصيّة اليهوديّة التي أعاقت الروح عن إدراك حقيقتها الكونيّة المجردة، والإسلام «في روحه الكوني وفي طهارته اللامحدودة وفي وساطته المفهوميّة عيّن للشخصيّة الإنسانيّة هدفاً واحداً لا يقبل الاستبدال وهو تحقيق كونيّته وبسطة المبدأ المحمدي»[3]. فالله الإسلامي –كما يظهر عند هيغل- لم يحمل هدف الإله اليهودي الإثباتي المحدود. فالذات المؤمنة مطالبةٌ بعبادة الواحد الكوني كهدفٍ وحيدٍ لنشاطها، ولكن هذه العبادة ليست تأمليّةً سلبيّةً نافيةً للذات، كما نشهد الكونفوشيوسيّة والهندوكيّة، «وإنّما هي مرفقةٌ بالفعل النشِط الذي يستهدف إخضاع الدنيوي لحكم الواحد». لكن، رغم هذا التحرّر المعرفي والتاريخي الذي يميّز الروح الإسلامي عن مبدأ الذاتيّة السّلبيّة الشرقي، فالإسلام يعود ليلتقي بمبدأ الشرق موطن استلابات الذات الفرديّة حين يعجز عن جسر ثنائيّة الله المفارق من جهةٍ والذات الإنسانيّة من جهةٍ ثانية.
كما يتجلى استلاب الذات يتعالى الله عن كلّ سببيّةٍ أو قانونٍ طبيعيٍّ يربط بالضرورة بين العلّة والمعلول. إنّ مبدأ التعالي الإلهي الشرقي يستقل بالله عن كلّ الظواهر المحسوسة والمحدودة. فالله المحمدي، هو «تمامٌ» لا يحدّ نشاطه قانونٌ أو جوهرٌ، وهو قادرٌ على «خلق كلّ العوارض في الجواهر من دون وسائل طبيعيّةٍ ومن دون عون العناصر والأشياء»[4].
ومن اللافت أنّ هيغل الذي يعقد المقارنات بين الإله الإسلامي الكوني والإله اليهودي الخاص، وبين الإسلام والديانات الصينيّة والهنديّة، يتحرج من عقد أيّ مقارنةٍ بين المسيحيّة والإسلام، متجاهلاً النزعة الكونيّة الجامعة بين الدينين، وذلك للاحتفاظ، ربما، بالجوهر الغربي في حالة النقاء.
والسبب الذي يقدمه لتبرير ربط الإسلام بالمبدأ الشرقي السالب للذاتيّة هو استغراق الذات المحمديّة في موضوع عبادتها (عبادة الواحد) إلى حدّ الامحاء. والنتيجة التي تترتب على تنازل الذات العابدة عن ذاتها لموضوع عبادتها، يبقى «الواحد» هو الفاعل المجرد، ولا يجد هذا الإله الواحد المجرد سنده الإنساني المحدد. فلا الذات تنعتق لتصبح من جانبها حرّة الروح، ولا موضوع تقديسها (الواحد) يتموضع.
ويشير هيغل إلى أنّ العبادة المحمديّة ترفض وساطة الصور ولا تتسامح مع التجسيمات الحسيّة الرامزة لفكرة الله، لكنّه يبقى محايداً بالكامل إزاء هذه الموضوعيّة، ولا يتطرق إلى مقارنة هذا التّجريد المتسامي مع الحروب المدمرة التي تكشفت عنها حرب الأيقونات في الغرب المسيحي. إنه يدرك أن محمداً يجمع بين النبوّة والإنسانيّة التي لا تدعي العصمة عن الخطأ. ولكنّه لا يستخلص المردود الديمقراطي الذي تنطوي عليه إنسانيّة النبي المؤسس للدولة الجديدة.
لكنّه ينهي بحثه في الإسلام بملاحظةٍ تتعرّى من مهابة العقل الموضوعي لتفصح عن مشاعر مركزيّةٍ أوروبيّةٍ كان هيغل أحد أهم منظريها. إنّها مركزيّةٌ تتعامل مع الشرق وكأنّه كوكبٌ آخر، ومع الإسلام بوصفه معتقدَ الآخرٍ. يقول في ملاحظةٍ ختاميّة: «وفي الزمن الحاضر، وبعد أن تم دحر الإسلام إلى ربوعه الآسيويّة والإفريقية، وحيث لم يعد يوجد إلا في جيبٍ أوروبيٍّ يبقيه فيه تحاسد القوى المسيحيّة، فإنّ الإسلام قد تلاشى عن مسرح التاريخ وتراجع إلى ربوع الشرق الساهي المسترخي»[5].
لقد نزع هيغل الإسلام من سياق التطور التاريخي في «محاضرات في فلسفة التاريخ»، وذكره كشيءٍ عارضٍ على هامش تطور الروح المسيحي في الحضارة الجرمانيّة، وإن كان هذه المرة أكثر حظًّا إذ أعطى له ما يقارب خمس صفحات من مجلد تجاوز 450 صفحة. ونظراً لأنّ تحليل هيغل للحضارة الإسلامية ليس موضوعنا الآن، فإنّنا سنكتفي بتحليل هيغل للإسلام بوصفه ديناً فقط[6].
إنّ تجاهل هيغل للإسلام في فلسفة الدين وعرضه كشيءٍ هامشيٍّ عرضيٍّ في فلسفة التاريخ، يعكس روح التعصب الأوروبي تجاه الإسلام بوصفه معتقد الآخر. ويؤيد هذا أيضًا تلك الرؤى المحرّفة للإسلام – على الرغم من أنّها متجاورةٌ مع بعض التحليلات العميقة والصائبة – التي أثارها هيغل في فلسفة التاريخ. فالإسلام مرتبطٌ عنده بالمبدأ الشرقي السالب للذاتية، وهو ذو هدفٍ سلبيٍّ يتمثل في تطوير عبادة الواحد الأحد، كما أنّ الإسلام في منظوره قد انحلّ سريعًا مثلما صعد سريعًا.
هكذا يقدم هيغل مجموعةً من الأغاليط المركّبة عن الإسلام، ويجهل أنّ الإسلام مختلفٌ من حيث البنية والتكوين عن أديان الشرق الأقصى السالبة للذاتية، كما يجهل أنّ عبادة الواحد الأحد لا تنطوي على أيّ سلبٍ للذات الإنسانيّة مثل أديان الهند، وإنّما عبادة الواحد الأحد تحرّر هذه الذات وتضعها أمام نفسها وأمام مسؤوليتها الكاملة عن هويّتها ومصيرها.
وفي الأحيان التي يسجل فيها هيغل شيئاً إيجابيًّا للإسلام فإنّه يردّه إلى عوامل بالغة التبسيط تبخس الإسلام حقه، فالتجريد الإسلامي عنده لا يعود إلى ترقّي الوعي بالإلهي، وإنّما يعود إلى الانبساط الصحراوي الذي لا يمكن أن يتشكل فيه شيءٌ في بنيةٍ ثابتةٍ![7].
وما من شك في أن تفسير هيغل يفتقر إلى الدقة، لأنّه لو كان الانبساط الصحراوي هو المسؤول عن نبذ التجسيم والتشكل في الإسلام، لما وُجدت عبادة الأصنام وتجسيد الإلهي في البيئة الصحراوية قبل الإسلام، فالعرب هم العرب، والصحراء هي الصحراء قبل الإسلام وعند ظهوره، ومع ذلك كان هناك تجسيمٌ وبنياتٌ ثابتةٌ. فإذا ما جاء الإسلام بالتنزيه والتجريد، فليس من المقبول عقليًا تفسير ذلك تفسيراً جغرافياً سطحياً، ولا سيما إذا كان هذا التجريد كما هو معلومٌ من التاريخ النبوي مصادماً بعنفٍ لطبيعة الشعور عند عرب الجاهليّة والذي كان مرتبطاً بالتجسيم الوثني للإلهي قبل الإسلام[8].
الواضح أنّ هيغل لم يدرك حقيقة الإسلام لأنّه أسقط فهمه المسبق عليه تبعاً لفهمه لليهوديّة والمسيحيّة. أي إنّه عاين هاتين الديانيتين من خلال ظهورهما في التاريخ. أي بما هما معطيان فينومينولجيان. واضطراب فهمه للإسلام هو وليد جهله ببعده فوق الميتافيزيقي أي البعد الوحياني وخصوصيّة التوحيد كمنطقةٍ محوريّةٍ في هذا البعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - Ibid, p. 356.
[2] - هشام جعيط، أوروبا والاسلام (بيروت – دار الحقيقة، ط 1، الترجمة العربية 1980)، ص 99.
[3] - Ibid.
[4] - هيغل، دروس في تاريخ الفلسفة، ترجم الفصل الخاص بالفلسفة الإسلامية إلى العربية.
[5] - Ibid, p. 361.
[6] - محمد عثمان الخشت – فصلية «الاستغراب» – مصدر سبقت الإشارة إليه.
[7]- Hegel، Lectures on the Philosophy of History، New York، Dover Publications، 1956. P. 357.
[8] - المصدر نفسه.
كونوا مؤمنين حقًّا وسيكون النصر حليفكم
الشهيد مرتضى مطهري
معنى (مشج) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (4)
محمود حيدر
دراسة تكشف أسبابًا غير تقليدية للنوبات القلبية التي تصيب الشابّات بشكل خاص
عدنان الحاجي
سعة جامعة الإمام الصادق (عليه السلام)
الشيخ جعفر السبحاني
في معنى الصدق
السيد محمد حسين الطبطبائي
نحن لا نخشى غير الله (2)
الشيخ علي رضا بناهيان
اختلاف الألسن واللّغات
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
طريق الجهاد (5)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الموت ثقافة حياة لا تنقطع
الشيخ شفيق جرادي
الإمام الصادق: بهاء مزّقه السّمّ
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
على الجميع أن يرجع إلى مبدأ النور
كونوا مؤمنين حقًّا وسيكون النصر حليفكم
معنى (مشج) في القرآن الكريم
فقاعات نانوية مُحفَّزة بالموجات فوق الصوتية قادرة على اختراق (حصن) الكولاجين في الأورام السرطانية
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (4)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (17)
(التّوحّد والإنسانيّة) فعاليّة في القطيف بمناسبة اليوم العالميّ للتّوحّد
نوح هذه السفينة هو الإمام المهدي (عج)
معنى (برد) في القرآن الكريم
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (3)