قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
السيد محمد باقر الصدر
عن الكاتب :
ولد في مدينة الكاظمية المقدسة في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 1353 هـ، تعلم القراءة والكتابة وتلقى جانباً من الدراسة في مدارس منتدى النشر الابتدائية، في مدينة الكاظمية المقدسة وهو صغير السن وكان موضع إعجاب الأساتذة والطلاب لشدة ذكائه ونبوغه المبكر، ولهذا درس أكثر كتب السطوح العالية دون أستاذ.rnبدأ بدراسة المنطق وهو في سن الحادية عشرة من عمره، وفي نفس الفترة كتب رسالة في المنطق، وكانت له بعض الإشكالات على الكتب المنطقية. بداية الثانية عشرة من عمره بدأ بدراسة كتاب معالم الأصول عند أخيه السيد إسماعيل الصدر، سنة 1365 هـ هاجر إلى النجف الاشرف، لإكمال دراسته، وتتلمذ عند آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي. أنهى دراسته الفقهية عام 1379 هـ والأصولية عام 1378 هـ عند آية الله السيد الخوئي.rnمن مؤلفاته: فدك في التاريخ، دروس في علم الأصول، نشأة التشيع والشيعة، فلسفتنا، اقتصادنا وغير ذلك.

مصير الأمم (2)

 

السيّد محمّد باقر الصدر
 6- سنّة التناقض بين النبوّة والمترفين
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
 هذه علاقةٌ قائمةٌ بين النبوّة على مرّ التاريخ، وبين موقع المترفين والمسرفين في الأمم والمجتمعات. هذه العلاقة تمثّل سنّةً من سنن التاريخ، وليست ظاهرةً وقعت في التاريخ صدفةً، وإلا لما تكرّرت بهذا الشكل المطّرد، ولَما قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾. إذاً هناك علاقةٌ سلبيّةٌ، هناك علاقةُ تطاردٍ وتناقضٍ، بين موقع النبوّة الاجتماعيّ في حياة الناس على الساحة التاريخيّة، والموقع الاجتماعيّ للمترفين والمسرفين. هذه العلاقة ترتبط في الحقيقة بدور النبوّة، ودور المترفين والمسرفين في المجتمع. هذه العلاقة جزءٌ من رؤيةٍ موضوعيّةٍ عامّةٍ للمجتمع. النقيض الطبيعيّ للنبوّة هو موقع المترفين والمسرفين.
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾.
هذه الآية أيضاً تتحدّث عن علاقةٍ معيّنةٍ، بين ظلمٍ يسود وظلمٍ يسيطر، وبين هلاكٍ تُجرّ إليه الأمّة جرّاً. وهذه العلاقة أيضاً الآية تؤكّد أنّها علاقةٌ مطلقةٌ، علاقةٌ مطّردةٌ على مرّ التاريخ، وهي سنّةٌ من سنن التاريخ.


7- سنّة عدالة التوزيع ووفرة الإنتاج
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾18، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
 هذه الآيات أيضاً تتحدّث عن علاقةٍ معيّنةٍ، هي علاقةٌ بين الاستقامة وتطبيق أحكام الله سبحانه وتعالى، وبين وفرة الخيرات ووفرة الإنتاج، وبِلُغَة اليوم: بين عدالة التوزيع وبين وفرة الإنتاج. القرآن يؤكّد أنّ المجتمع الذي تسوده العدالة في التوزيع يزداد ثراءً العدالة التي عبّر عنها القرآن تارةً بأنّه ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾، وأخرى بأنّه ﴿لو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا﴾ وثالثة بأنّه ﴿لو أنّهم أقاموا التّوراة والإنجيل﴾، لأنّ شريعة السماء نزلت من أجل تقرير عدالة التوزيع، من أجل إنشاء علاقات التوزيع على أسسٍ عادلةٍ، يقول لو أنّهم طبّقوا عدالة التوزيع، إذاً لما وقعوا في ضيق من ناحية الثروة المنتجة، لما وقعوا في فقرٍ من هذه الناحية، بل لازداد الثراء، ولازداد المال، وازدادت الخيرات والبركات. لكنّهم تخيّلوا أنّ عدالة التوزيع تقتضي الفقر، تقتضي التقسيم، وبالتالي تقتضي فقر الناس، بينما الحقيقة أنّ السنّة التاريخيّة تؤكّد عكس ذلك، تؤكّد بأنّ تطبيق شريعة السماء، وتجسيد أحكامها في علاقات التوزيع، تؤدّي دائماً وباستمرار إلى وفرة الإنتاج والى زيادة الثروة، إلى أن يفتح على الناس بركات السماء والأرض. إذاً هذه أيضاً سنّة من سنن التاريخ.


الخلاصة
هناك عدّة سنن تاريخيّة تعرض لها القرآن الكريم، نشير إلى بعضٍ منها:
1 ـ سنّة النصر: إنّ رسالة السماء فوق مقاييس النصر والهزيمة بالمعنى الماديّ. إنّ رسالة السماء لا ولن تُهزم أبداً، والذي يهزم هو الإنسان، فالمسلمون انتصروا في بدرٍ حينما كانت الشروط الموضوعيّة للنصر  - بحسب منطق سنن التاريخ  -  تفرض أن ينتصروا، وخسروا المعركة في أحد، حينما كانت الشروط الموضوعيّة - بحسب نفس المنطق - في معركة أُحُد تفرض عليهم أن يخسروا المعركة. فالنصر ليس حقّاً إلهيّاً للمسلمين، وإنّما هو حقٌّ طبيعيٌّ لهم، بقدر ما يمكن أن يوفّروا الشروط الموضوعيّة لهذا النصر، ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.


2 ـ سنّة الامتحان: إنّ حالات البأساء والضرّاء التي تتعملق على مستوى الزلزال، هي في الحقيقة امتحان لإرادة الأمّة، لصمودها، لثباتها، لكي تستطيع بالتدريج أن تكتسب القدرة على أن تكون أمّةً وسطاً بين الناس، فهل يطمع المسلمون في أن يكون لهم استثناء من سنّة التاريخ! وأن يدخلوا الجنّة وأن يحقّقوا النصر، وهم لم يعيشوا ما عاشته تلك الأمم، التي انتصرت ودخلت الجنّة؟ إنّ نصر الله قريبٌ، لكن له طريقٌ وليس أمراً عفويّاً.
للنّصر شروطه الموضوعيّة: الصبر، والثبات، واستكمال باقي الشروط، هذا هو طريق الحصول على هذا النصر، ولهذا تقول الآية: ﴿فَصَبرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾.
 

3 ـ إخراج النبيّ يستتبع هلاك المجتمع: هذه سنّة من سنن التاريخ تقول إنّه إذا وصلت عمليّة المعارضة إلى مستوى إخراج النبيّ من هذا البلد، بعد عجزها عن كلّ الوسائل والأساليب الأخرى، فإنّهم لا يلبثون إلاّ قليل، بمعنى أنّهم لا يمكثون كجماعةٍ صامدةٍ معارضةٍ وكموقعٍ اجتماعيٍّ، لا يمكثون إلا قليلاً.

4 ـ سنّة الاستبدال: إذا لم يكن جماعة من الناس على مستوى مسؤوليّة رسالة السماء فإنّ هذا لا يعني أن تتعطّل رسالة السماء، ولا يعني أن تسكت عنهم سنن التاريخ، بل إنّهم سوف يُستبدلون وتأتي أممٌ أخرى قد تهيّأت لها الظروف الموضوعيّة الأفضل لكي تلعب هذا الدور، لكي تكون شهيدةً على الناس، إذا لم تتهيّأ لهذه الأمّة الظروف الموضوعية لهذه الشهادة. والقرآن يتحدّث عن الجانب الثاني من عمليّة التغيير، يتحدّث مع الإنسان في ضعفه وقوّته، في استقامته وانحرافه، في توفّر الشروط الموضوعيّة له وعدم توفّرها.

5 ـ سنّة تغيير البناء العلويّ الاجتماعيّ: المحتوى الداخليّ النفسيّ الروحيّ للإنسان هو القاعدة. الوضع الاجتماعيّ هو البناء العلويّ. لا يتغيّر هذا البناء العلويّ إلاّ وفقاً لتغيّر القاعدة، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، فخارج الإنسان يصنعه داخل الإنسان.

6 ـ سنّة التناقض بين النبوّة والمترفين: هناك علاقةٌ قائمةٌ بين النبوّة وموقع المترفين والمسرفين في المجتمعات، علاقةُ تطاردٍ وتناقضٍ، ترتبط بدور النبوّة ودور المترفين في المجتمع، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.

7 ـ سنّة عدالة التوزيع ووفرة الإنتاج: سنّة العلاقة بين الاستقامة وتطبيق أحكام اللّه وبين وفرة الخيرات والإنتاج. فالمجتمع الذي تسوده العدالة في التوزيع لا يقع في ضيق من ناحية الثروة المنتجة، ويزداد فيه الثراء ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد