فجر الجمعة

الهمّ والاهتمام عند الإمام الصّادق عليه السّلام

خطبة سماحة العلاّمة السيد حسن النمر ليوم الجمعة ( 24/10/1445 هـ ) حول « الهمّ والاهتمام عند الإمام الصادق (ع) » ألقاها في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

ربَّ اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وإن من التقوى أن يحسن الإنسان في همه واهتمامه، فليس كل هم يصح أن يوصف بالحسن، ولا كل اهتمام يجدر أن يشتغل به. ونعني بالهم كل ما يشغل بال الإنسان وفكره، وبالاهتمام كلّ ما يشتغل به.

فعمر الإنسان هو رأس ماله الذي لا تعدله الدنيا، فإن الدنيا بالنسبة له، أي المؤمن، وكما قال الله تعالى في كتابه المجيد "مستقر ومتاع إلى حين".

وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه وعظ الناس كاشفًا عن هاتين الحقيقتين. فقال: "ألا حرّ يدع هذه اللماضة لأهلها، إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها، واللماضة هي بقية الطعام في الفم مما يستخرج بالخلال ويلفظ، فالدنيا بأجمعها عند أمير المؤمنين عليه السلام، أي في الرؤية الإسلامية، لا تستحق من الإنسان أن يضحي من أجلها بنفسه، فهو لو أبصر، أغلى منها، ونفسه لو أدرك، أعلى منها".

وقد تفنن عليه السلام في التحذير من الاشتغال بالدنيا همًّا واهتمامًا. فقال: "مثل الدنيا كمثل الحية لين مسّها والسم الناقع في جوفها يهوي إليها الغر الجاهل ويحذرها ذو اللب العاقل".

فنفسك أيها الإنسان هي رأس مالك الذي لا يليق بك أن ترخصها إلا في سبيلك إلى الجنة.

ولما كنا بين يدي ذكرى شهادة الإمام الصادق عليه السلام التي تصادف يوم غد الخامس والعشرين من شهر شوال، فلنقف وإياكم على عظة في له هذا الباب.

فقد روى العياشي في تفسيره، وهو من علمائنا الأجلاء المتقدمين، عن إبراهيم الكرخي، قال: "إني كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من أهل المدينة، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: يا فلان، من أين جئت؟ ثم قال له الإمام: جئتَ من هنا وههنا لغير معاش تطلبه ولا لعمل آخر، انظر بما تقطع يومك وليلتك، واعلم أن معك ملكًا كريمًا موكلًا بك، يحفظ عليك ما تفعل ويطّلع على سرك الذي تخفيه من الناس فاستح ولا تحقرن سيئتك، فإنها ستسوؤك يومًا، ولا تحقرن حسنتك وإن صغرت عندك وقلّت في عينك، فإنها ستسرك يومًا، واعلم أنه ليس شيء أضر عاقبته ولا أسرع ندامة من الخطيئة، وأنه ليس شيء أشد طلبًا ولا أسرع دركًا للخطيئة من الحسنة، أما إنها لتدرك العظيم القديم المنسي عند عامله فيجد به أو فيجذبه ويسقط ويذهب به بعد إساءته، وذلك قول الله تعالى: "إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين".

وأول ما نلاحظه في هذا الخبر أن الإمام عليه السلام، استنطق صاحبه من أين جاء، وهذا يعني أن تفقد أحوال المؤمنين بداعٍ حسن هو أمر مطلوب. أمّا الداعي الحسن فقد كان علم الإمام عليه السلام أن صاحبه هذا قد اشتغل بما لا ينبغي الاشتغال به.

وأما ثاني الملاحظات فهي معاتبة الإمام عليه السلام الشديدة للرجل الداخل عليه، لـمّا علم أنه كان مشتغلاً بالترّدد على أماكن لا تعود عليه بنفع في معاشه ولا معاده. وفي هذا تنبيه إلى أن ما ينبغي أن يكون هم الإنسان واهتمامه محصورًا به فيما ينفعه في دينه ودنياه وما يصلح معاشه ومعاده.

وهذا ما جاء التأكيد عليه في دين الله قديـمًا وحديثًا، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال في حديث آخر له: "إن في حكمة داوود ينبغي للمسلم العاقل أن لا يرى ظاعنا إلا في ثلاث، مرامة لمعاش أو تزود لمعاد أو لذة في غير ذات محرم".

وأما ثالث الملاحظات فهي أن الإمام عليه السلام نبّه الرجل إلى حقيقة لا ينبغي أن تفوته، وهي أن يدقق فيما يشتغل به في ساعات ليله ونهاره، لأن معه ملكًا كريـمًا يحفظ عليه ما يفعله كبرَ أو صغر، ظهر أو خفي، حسن أو قبح. وهذا ما جاء التأكيد عليه في مواضع من الكتاب الكريم، كما في قوله تعالى: " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ".

وفيما حكاه من تحسّر المجرمين بقوله تعالى: "وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا"

وأما رابع الملاحظات فهي أمر الإمام عليه السلام الرجل، وسائر مَن بلغته الحادثة بأن يتحلّى بالحياء، فإنه خلق كريم لأنه يضبط إيقاع الأفعال حتى ليكون الحييّ من الناس مراقبًا لنفسه بأشد مما يراقبه الناس، فلا يسمح لنفسه بالاسترسال في أن يصدر منه أي كلام، ولا أن يبدر منه أي فعل إلا ما وافق ما هو مرضي عند الله تعالى أولاً، وعند الأسوياء من الناس ثانيًا.

وأما خامس الملاحظات فهي توجيه الإمام عليه السلام للرجل، ولكل من يُروى له الحديث بأن لا يحقرن، بمعنى أن يستصغر السيئة التي يريد الإقدام عليها، أو الأخرى التي أقدم عليها معللاً ذلك بأنها ستسوؤه يومًا ما.

وقد يكون هذا اليوم من أيام الدنيا، فيفتضح بين الناس، وقد يعاقب عليها بنحو من الأنحاء، والأنكى أن يكون يوم القيامة، حيث الخزي الأعظم، فإنه يوم مشهود يخزى فيه المسيئون بين يدي الله تعالى وملائكته المقربين وأنبيائه المكرمين وعامة المؤمنين، بل بين الخلائق أجمعين، ولا ريب أن استحضار هذا المشهد كفيل بأن يردع الإنسان العاقل عن السيئة.

وأما سادس الملاحظات فهي أن الإمام عليه السلام يوجّه الرجل ومن تُروى له الحادثة والحديث بأن لا يستصغر الحسنة يفعلها مهما صغرت عنده وقلّت في عينه، وبرّر الإمام عليه السلام ذلك بأن الحسنة، أيُّ حسنة، ترجع على صاحبها بالسرور يومًا ما. وهذا اليوم قد يكون معجلاً في الدنيا، وقد يكون وهو الأفضل، يوم يحتاج الإنسان فيه إلى كل ما من شأنه أن يفرج كربه: "يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ". وفي آية أخرى "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ".

وأما سابع الملاحظات فهي أن الإمام عليه السلام ينبّه الرجل إلى ضرورة أن يعلم ميزان النفع والضرر، في السيئات والحسنات، وأن للخطيئة أيًّا كانت عواقب ضارة، وأنها تجرّ على فاعلها ندمًا شديدًا. وأنه لا تمحو أثرها ويرفع ضررها سوى الحسنة، ويعزز ذلك بأن الحسنة لا تمحو السيئة، بل إنها تلاحق السيئات القديمة لتزيل ما علق من آثارها، ثم يستدل الإمام الصادق عليه السلام على ما ألقاه على مسامع الرجل من ميزان، بأنه من معارف القرآن الأصيلة في قوله تعالى: "إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ".

ولا ينبغي أيها المؤمنون والمؤمنات أن نستهين بالخطيئة أو نستصغرها، فقد روى الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه الإمام الباقر عليه السلام أنه كان يقول: "ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة، إن القلب ليواقع الخطيئة، فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه وأسفله".

ولهذا الحديث أصل قرآني فإن الله تعالى يحذر كفار قريش من عاقبة خطاياهم وسيئاتهم مما وقع لمن سبقهم من الأمم في فعل السيئة فقال سبحانه: "ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ". وقد روي عن إمامنا الصادق عليه السلام تحذيرات للناس في مختلف أعمارهم فلمن بلغ الستين قال: إذا بلغت ستين سنة فاحسب نفسك في الموتى. ومنه يتبين حال من يتجاوزها. ولمن بلغ سنّ الأربعين قال عليه السلام: إن العبد لفي فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة، فإذا بلغ أربعين سنة أوحى الله عز وجل إلى ملكَيه، قد عمّرت عبدي هذا عمرًا، فغلّبا وشدّدا وتحفّظا واكتبا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره.

وأما من بلغ سن الثمانية عشر سنة فإن الله تعالى يحكي لنا سوء عاقبة الذين كفروا ممن همّوا واهتموا بالسيئات، ولم يغتنموا أعمارهم في كسب العمل الصالح فقال: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ" وقال الإمام عليه السلام في ذيلها إنها توبيخ لابن 18 سنة.

لا استثناء لأحد من أن يكون جادًّا في همه واهتمامه، وبعد هذه الجولة لا بد أنك تسأل عمّا يجب الهم والاهتمام به، فاستمع إلى الإمام الصادق عليه السلام وهو يقول: المؤمن له قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص في فقه، ونشاط في هدى، وبرّ في استقامة، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وسخاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وعفو في قدرة، وطاعة لله في نصيحة، وانتهاء في شهوة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة في شغل، وصبر في شدة. وفي الهزاهز وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور. ولا يغتاب ولا يتكبر، ولا يقطع الرحم، وليس بواهن، ولا فظّ، ولا غليظ. لا يسبقه بصره، ولا يفضحه بطنه، ولا يغلبه فرجه، ولا يحسد الناس، يعيَّر ولا يعيِّر، ولا يسرف، ينصر المظلوم، ويرحم المسكين. نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، لا يرغب في عز الدنيا، ولا يجزع من ذلها، للناس همّ قد أقبلوا عليه، وله همّ قد شغله. لا يرى في حكمه نقص، ولا في رأيه وهن، ولا في دينه ضياع، يرشد من استشاره ويساعد من ساعده، ويكيع عن الخناء والجهل.

نسأل الله أن نكون وأياكم من هؤلاء وممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كل وليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة، وليًّا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليلًا وعينًا، حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلاً. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، واردد كيدهم إلى نحورهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، يا قوي يا عزيز. اللهم من أرادنا بسوء فأرده، ومن كادنا فكده. اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين. 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد