لقاءات

طاهرة آل سيف: لكلّ شخص هدهد أيضًا

تتميّز بذائقة أدبيّة قصصيّة نقديّة، فيها الكثير من التّحدّي وسبر أغوار الأعماق البشريّة، تستلهم قصصها من المغامرين (الّذين يراوغون الثّوابت، يلوون أيدي القدر) تكتب من قلب الواقع، ولكن في الوقت نفسه، تنتظر خبرًا من هدهد ولو كان متأخّرًا، ليوصل رسالة فيها الكثير من العبر ضمن قصصها. إنّها الكاتبة والنّاقدة طاهرة آل سيف الّتي حاورتها: نسرين نجم.

 

دعينا بداية نبدأ مع الخطوة الأولى في مشوار الرّحلة في عالم الكتابة والقصّة؟ ولماذا اخترت الكتابة دون غيرها من الفنون؟

(مشواري الكتابيّ، أو الكتابة الأدبيّة الجادّة، بدأت منذ زمنٍ قريب، أمّا قبلها فكانت قصاصات تختبىء في أدراجي، لم أشأ لها الخروج، لكنّني أدين لها باختمار التّجربة الكتابيّة. اخترت القصّة القصيرة، لأنّني أشعر أنّها تشبهني، فهي شديدة التّركيز، قليلة الجمل، موجزة الفكرة، تستدعي لنفسها التّأمّل، قلقة إزاء العصر ومتماشية مع سرعته في آنٍ معا..).

 

هل تؤمنين بأنّ الكتابة هي أداة ترميم داخليّ مدوّنة في الوجدان، وتحتاج إلى القلم ليعبّر عن مكنونانها ونفسها؟

(أرى أنّ الكتابة فعل تأجّج، تشظٍّ، أكثر من كونها فعل ترميم، هي فعل التّذكّر والحضور والّتخيّل عبر الانكشاف، مَن غيرها قادر على حمل اختزالاتنا المختنقة إلى فضاءات رحبة؟! ومن غيرها قادر على حمل مشاعلنا الـمتّقدة إلى شرارات ناعمة تجترّ السّؤال؟! لا شيء في هذه الحياة أمثال الوصاية أو التّعميد أو المداهنة قد يغفر جهلنا، لكنّ الكتابة قادرة على أن تفعل ذلك حين تقلب الصّورة، وتصدم الاعتياد، حين تولد من قراءات كثيرة للواقع وتناقضاته لتستدعي الوعي والإدراك). 

 

 

 

سؤال يطرحه مَن يرغب فعلًا بكتابة القصص القصيرة، ما هي خصائصها؟ وبماذا تتميّز عن غيرها من أنواع الكتابة؟

(من يرغب بكتابة القصّة القصيرة، فعليه بقراءتها وتعلّم أدواتها عبر نماذجها العالـميّة التي خلدت بها، ثمّ معرفة خصائصها من الكتب التي تروي كواليسها، أي الكتب التي هي بمثابة ورشات مصغّرة تعلّم سرّ الصّنعة، من ثمّ الفضاء مفتوح مطلق للكاتب أن يبتدع أدواته كيفما يشاء، أجد بعد قراءات عدة للقصّة، أنّنا لا يمكننا حصرها في شكل وخصائص محدّدة، وجدتُ أنّها كائن صغير قابل أن يتشكّل كيفما أراد مبدعه، وتكمن خطورته في بؤرة المتعة، التي ينفجر منها المشهد والحدث تبعًا لرؤية كاتبه، لابدّ من معرفة أوليّة لخصائص هذا اللّون حتمًا، لكنّ السّير على منهجيّته فقط يبدو لي مملًّا، أمّا عمّا يميّزها، هو قصرها، اختزالها، قدرتها على اقتناص روح اللّحظة، والزّجّ بها في أسطر لا تطول ولا تقصر، بقدر ما يحتمل المعنى، وبحساسيّة لا تحيد لصوت، وتلك قدرة تتطلّب شجاعة الحذف والتّشذيب والتّخلّي عن كثير مـمّا لا يخدم النّصّ، وحتمًا ميزتها تكمن في مواكبتها لسرعة العصر وتماشيها مع تعاطينا السّريع لكلّ ما حولنا، شئنا أم أبينا، سُلطة الوقت المعاصرة قد أمضت أثرها، والقصّة القصيرة قادرة على أن تخترق هذا التّعاطي بسهولة).

 

ما هي سلبيّات القراءة النّقديّة وإيجابيّاتها، سيّما وأنت من القرّاء النّاقدين للمقالات والكتب؟ وهل لا يزال لها وقع إيجابيّ في نفوس الكتّاب، ونحن في عصر يرفض النّقد ويعشق الأنا؟

(القراءات النّقديّة مختلفة، منها بنّاءة ومنها هادمة، وجميعنا نعرف هذا الحديث ونحفظه ونحاول إحاطة اهتمامنا بالبنّاء منها، لكن ما زال الأمر ممضًّا حين يأتي هذا النّقد على كتابتنا ولو كان بنّاءً، حين ينبش في عيوب أسطرنا، يسلّط الضّوء على تخلخلاتنا، ثـمّة نظرة تتوجّه لأفكارنا لم نر زاويتها من قبل، فنجد أنّنا هنا نبتلع الصّدق مع كثير من الوخز، وهذه طبيعتنا كبشر، ولكن لطالما كان هذا شعورًا جديرًا للالتفات إليه أيضًا، وجدتُ أنّه لابدّ أن ابني لي آراء نقدية، لابدّ أن تتشكّل لدي ذائقة انطباعيّة خاصّة، الكتابة المنغلقة على الأنا كتابة لا تتحرّك للأمام، إنّها تشبه كائنًا يحتضر، في أيّ وقت ممكن موته، كيف لي أن أتجنّب هذا الموات؟ لا سبيل لي إلّا أن أقرأ واطّلع في هذا الأمر، أن أطرح أسئلة الآخر على منضدتي، أن أتحرّر من زخرفة المدح المضلّل، تعلّمت وحصدت الكثير من الآراء والاتّجاهات في قراءاتي الانطباعيّة للآخرين، وقراءات الآخرين النّقديّة لي كذلك، فحينما نكون منفتحين على النّقد والرأي الآخر، سنستطيع تمييز ما هو هادم وما هو بنّاء لردم ولو مساحة صغيرة من الهوّة الفاصلة بين الأنا والآخر).

 

"رسائل متأخّرة" لماذا هذا العنوان بالذّات؟ وهل الكتابة يجرحها الوقت ويسبقها؟

(لطالما سمعنا في الأثر خبرًا عن هدهد متأخر، لكنّه يحمل رسالة في غاية الأهمية، ترتئي المجموعة القصصيّة، أنّ لكلّ شخص هدهدًا أيضًا، لذا جاء العنوان "رسائل متأخرّة"، ومن خلال القصص يستطيع القارئ أن يقلّب مرآتها نحو ذاته أو الآخرين إذا شاء، ليرى الرّسالة الضّمنيّة).

 

 

من أين تستلهم طاهرة آل سيف قصصها؟ وإلى أين يصل طموحها؟

(على صعيد الشّخصيّات، أستلهم القصص من النّاس الّذين يراوغون الثّوابت، يلوون أيدي القدر، ويلتفّون حول ذاتهم، وما يحقّق لها رغبتها فقط، تستفزّني حكاياتهم، فأجدني أحفر في جذورهم، حتى أصل إلى الدّاوفع الفعليّة، وإلى التّأثير الّذي يتركونه من ألم أو معاناة فيمن حولهم، أمّا الآخرون فهم البسطاء الّذين خلقهم الله ليأتوا على دنيانا خفافًا ويذهبون خفافًا، أنبش في أعينهم عن الحياة، أحبّ أن أرى انعكاسها في حدقتهم، كيف يتيهون في صرامتها، كيف يحملون ثقلها، سيما المتوحّدون والمتراجعون ذهنيًّا، والذين كثيرًا ما وجدتُ أنّي أصادفهم، أو أنّ الله يسوق قصصهم إلى طريقي، فاحتفظ بتفاصيل في ذاكرتي تخصّهم، أمّا على صعيد الكتابة، فإنّ الحالة الشّعوريّة التي تنتابني بعد أن يدور حوار فكريّ بيني وبين أحدهم حول كتاب جميل، أو أن يكون ذلك في أمسية ثقافيّة جادّة، وكثيرًا ما تقفز أصابعي إلى لوحة المفاتيح، بعد أن ألتقي نماذج لشخصيّات أدبيّة، سواء من مجتمعي أو من العالم العربيّ، تسعى لنشر الثّقافة والأدب وتعليمه بصدق وإخلاص، هؤلاء إنّما يشعلون بداخلك حبّ الأدب وجدواه، حينها تشعر بأهميّة رسالتك في الحياة، وعليك أن تذهب وتحقّقها بالفعل. أمّا عن الطّموح فإنّ كلمتَيّ الطّموح والحدود كلمتان لا تتقطاعان، لذا أجد أنّ طموحي يمتدّ مع امتداد أيامي، وأحاول دائمًا أن أدرسه بخطوات متريّـثة وبشكل جيّد، الإصدار الأوّل قد يكون عتبة الوصول الأوّليّة، وأسأل الله التّوفيق والسّداد في القادم).

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد