متابعات

علي عساكر في منتدى الدّالوة الثّقافي: ركائز البناء الفكري ومعوّقات التّنمية

تابع الكاتب علي عساكر حديثه حول (البعد الفكريّ للشّخصيّة)، خلال استضافته مؤخرًا من قِبل منتدى الدّالوة الثّقافيّ في حسينيّة المصطفى (ص) بالدّالوة، قائلاً فيما يخصّ البناء الفكريّ، إنّه في أصله اللّغويّ يقوم على وضع شيء فوق آخر بما يحقّق الثّبات والاستمرار، ليتّسع مجال استعماله لاحقًا، ويصبح له علاقة بالتّأسيس والتّنمية، لذلك يمكن القول إنّ البناء الفكريّ هو العمل على تطوير عقل الإنسان وتنظيم أفكاره، ووضع مناهج تساعده على الإبداع وإنتاج الرّؤى، وترتقي بوعيه وقدرته على التّعامل مع قضايا الحياة.

وأشار عساكر إلى أنّ ترسيخ منهج فكريّ سليم، هو من نتاج البناء الفكريّ وثمراته، وكذلك تعزيز القدرة على تقبّل آراء الآخرين والاختلاف معهم، فضلاً عن التّنمية والتّجديد والتّطوير في المجالات الاجتماعيّة والثّقافيّة والأدبيّة والعلميّة، مبيّنًا أنّ الانغلاق الفكريّ والانعزال يحدّ من هذه القدرات، بينما يقوم بناء الوعي في فتح آفاق النّقاش والتّعامل مع الاختلاف بقدر أكبر من الفهم.

وشجّع عساكر الحاضرين في اللّقاء على التّدرّب على التّفكير المستمرّ، وإن كان في مسائل بسيطة، لأنّ بعض الاكتشافات الكبرى جاءت نتيجة ملاحظة صغيرة أو سؤال عاديّ، مستشهدًا بملاحظة نيوتن خلال سقوط التّفّاحة، وما أثارته من تساؤل قاده إلى التّفكير في الجاذبيّة، كذلك قصّ حكاية الأعرابي الذي استدلّ بأثر البعير على خالقه عزّ وجلّ، واستحضر رواية عن الإمام علي عليه السلام يقول فيها: «نبّه قلبك بالتّفكّر»، موضحًا أن التفكير ينبّه الإنسان من الغفلة ويعينه على بناء وعيه.

 

وأشار عساكر إلى مجموعة من أنواع التّفكير كالمنطقيّ والإبداعيّ والنّقديّ، مؤكدًا أهمية التّعرّف عليها وممارستها، وقال إنّ التّفكير النّقديّ يساعد على الخوض في القضايا وتناولها وتقييمها وفق أسس، أمّا التّفكير المنطقيّ فيتطلب بحثًا ومتابعة ودراسةً وتحليلَ معلومات واستخلاص نتائج، كاشفًا أنّ غياب هذه الأدوات يسهم في انتشار الفوضى الفكريّة وضعف القدرة على التّمييز بين الآراء والحجج.

 

وكان حديث حول ضرورة التّأصيل المعرفيّ القائم على القراءة المتعمّقة والتّأمّل وتنظيم المعلومات، وحذّر عساكر من الرّضا والاكتفاء فقط بما تؤمّنه وسائل التّواصل من محتوًى سريع ومتفرّق، لأنّ التّراكم المعلوماتيّ بهذه الكيفيّة، لا يفيد وحده، إذا لم يصحبه فهم وعلم واستيعاب وتصنيف، فالمعرفة بشكل عامّ تحتاج إلى قراءة واعية ومتابعة منهجيّة، وإنّ العصف الذّهنيّ، وطرح الأسئلة، والحوار وتبادل الآراء، والاحتكاك بالعلماء والمثقّفين والمفكرين، كلّها وسائل تنشّط الذّهن وتدعم أسس البناء الفكريّ.

 

وفي ميزان المقارنة بين المنهج الإسلاميّ وسواه من المناهج، تحدّث عساكر عن المشتركات، لكنّه أشار إلى أنّ هناك أيضًا فوارق، لأنّ المنهج الإسلاميّ يولي التّفكير والعلم عناية خاصّة، ويحثّ على التّعقّل والتّدبّر، ويذمّ تعطيل العقل، وذكر أن طلب العلم لا يقتصر على العلوم الدّينيّة، بل يشمل ما يحتاج إليه المجتمع من علوم ومعارف، مشدّدًا على أهمّيّة العقل  كوسيلة لفهم العالم المادّيّ والتّأمّل في نظامه، والانفتاح على مسائل تتجاوز حدود التّجربة الحسيّة، موضحًا أنّ التّفكير الإسلاميّ يستند إلى العقل والنقل، ويرى في المرجعيّة الدّينيّة إطارًا ينظّم النّظر ويصل المعرفة بعضها ببعض.

 

وتطرّق الكاتب علي عساكر إلى موضوع حفظ العقل وضرورة عدم تغييبه، فالأحكام الإسلاميّة الّتي تحفظه، كالابتعاد عن المسكرات والمخدّرات، تقوم بدورها في صيانة حضوره في حياة الإنسان، ثمّ قدّم مقارنة بين المنهج الإسلاميّ وسائر المدارس الفكريّة، مؤكّدًا أنّ المدارس الأخرى تتناول أهمّيّة العقل من دون أن تضع الضّوابط نفسها لحمايته.

 

ووصل عساكر بالحديث إلى معوّقات البناء الفكريّ، واضعًا عقدة النّقص تجاه الغرب في المقدّمة، داعيًا إلى تقدير الذّات والإضاءة على الإنجازات الإسلاميّة الفريدة، والاعتراف بما لدى المجتمعات الأخرى من إنجازات، لكنّه أكّد في الوقت نفسه على ضعف المحتوى الثّقافي الحاليّ، وبخاصة الموجّه إلى الشّباب، فضلاً عن تراجع الخطاب الإسلاميّ عن مواكبة أسئلتهم واهتماماتهم.

 

وكشف عساكر أنّ اعتماد بعض المؤسّسات التّعليميّة على التّلقين والحفظ يحدّ من تنمية التّفكير والبحث، كذلك فإنّ الانشغال بالصّراعات ورفض الآخر يضيّق من مساحة الحوار والتّلاقي، داعيًا إلى وعي يراعي الاختلاف، منتقدًا غياب النّقد العلميّ وميل بعض الأوساط الثّقافيّة إلى المجاملة والمبالغة في الثّناء، مؤكدًا أنّ الحوار الجادّ ومراجعة الأفكار من الوسائل التي تعزّز المعرفة وتنمّي الوعي.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد