متابعات

جاسم الصّحيح عبر بودكاست (كناية): بين الحضور العربي والمسؤوليّة الأسريّة

شارك مؤخرًا الشّاعر جاسم الصّحيح في بودكاست (كناية) عبر منصّة (أثير)، في لقاء طويل ثريّ غنّيّ بتجربته الإبداعيّة الكبيرة، مليء بالأحداث والصّور والذّكريات الّتي شكّلت منه الشّاعر والمهندس والإنسان.

 

وصل الصحيّح بالحديث بعد تشكّل تجربته الشّعريّة إلى الحضور والاعتراف، وكانت إضاءة حول قصيدته (عنترة في الأسر) الذي فازت بجائزة البابطين، بعد أن كان فاز بمجموعة جوائز داخل المملكة، الأمر الّذي مثّل انطلاقة خارجيّة بارزة، نقلته في الحضور المحليّ إلى الحضور العربيّ، مشيرًا إلى أنّه لم يكن يتوقّع الفوز، وأنّه علم بفوزه من أحد زملائه في العمل، حين جاء لتهنئته بعد أن قرأ الخبر في إحدى الصّحف، وهكذا بدأت رحلته مع مؤسّسة البابطين، الرّحلة التي قادته إلى بيروت، حيث أقيمت دورة الجائزة احتفاءً بالشّاعر اللّبناني بشارة الخوري، المعروف بالأخطل الصّغير.

 

مشاركة الصحيّح في بيروت كانت مفصليّة، لاجتماعه بأكثر من ثلاثمئة أديب وشاعر وروائيّ وناقد من مختلف أنحاء الوطن العربيّ. وفي بيروت، وجد نفسه أمام منبر ثقافيّ عربيّ كبير، مقدّمًا قصيدته الفائزة أمام جمهور متخصّص، ناقلاً صوته الشّعريّ إلى خارج المملكة، مسلّطًا الضّوء عليه كشاعر مشارك في المشهد الثّقافيّ العربيّ.

 

وتحدّث الشّاعر جاسم الصحيّح حول قصيدته الكبيرة (ما وراء حنجرة المغنّي) التي يتجاوز عدد أبياتها المئة والسّبعين بيتًا، مبيّنًا أنّها ضمّت بين طيّاتها خلاصة رحلته لنحو خمسة وعشرين عامًا مع الشّعر، بما تخلّلها من قراءة ومعاناة وتجربة واحتكاك بالحياة، فالنّاس، كما يقول الصحيّح، يبصرون فقط جانب الشّاعر المصفّى من تجربته، ولا يعرفون أبدًا ما كابد من تعب وآلام وخوض في الحياة وضغوطاتها.

 

القصيدة جاءت لتدعو النّاس إلى النّظر إلى الصحيّح ما وراء حنجرته، وهو ما عبّر عنه البيت الذي يقول: «لا يعرف النّاس منّي غير حنجرة / يا ليتهم عرفوا ما خلف حنجرتي». فحنجرة الصحيّح ليست مجرّد أداة للإلقاء فقط، لأنّها واجهة تخفي خلفها تاريخًا طويلًا من الصّراع والتّجربة والبحث والقلق، وإنّ الذي يتلقّاه الجمهور ويتلقّفه، هو صورة القصيدة النّهائيّة، دون إدراك لحجم المعاناة في رحلة بنائها.

 

ومن دعوته إلى النّظر ما خلف حنجرته، وصل الصحيّح بالحديث إلى الأسرة والأبوّة، مؤكّدًا أنّ العائلة بالنّسبة إليه تقوم على المسؤوليّة، وأنّ الرّجولة – كما استشهد بقول لغازي القصيبي – ليست في المظهر إنّما في حمل المسؤوليّة، وبهذا يختصر الصحيّح جانبًا كبيرًا من تجربته الأسريّة، قائلاً إنّه دائم القلق تجاه أبنائه، فهو لا يفرح لشيء بقدر ما يفرح إذا ما أسهم بحلّ مشكلة لأحد أفراد عائلته، لأنّ الرّاحة بالنّسبة إليه مرتبطة بالرّعاية والاطمئنان وتخفيف الأعباء، ورغم أنّ بعض المقرّبين منه يرون أنّه قد بالغ في تدليل أبنائه، لكنّه يقول إنّهم نشأوا نشأة سليمة، ولم يواجهوا مشكلات اجتماعيّة كبيرة، وهذا أمر يرضيه كثيرًا.

 

ويتابع الصحيّح حديثه عن العائلة بشكل أوسع، مستعيدًا ظروف حياته المادّيّة وتغيّرها مع الوقت نتيجة الجدّ والاجتهاد، مثنيًا على والدَيه اللّذين قدّما له كلّ استطاعا تقديمه، ومشيرًا إلى أنّه بعد نجاحاته، حمل مسؤوليّة توسيع دائرة الأمان العائليّ، قائمًا على أكثر من بيت، فلم تقتصر عنايته على أسرته المباشرة، بل امتدّت إلى والدته وسائر أفراد عائلته.

 

ومن أكثر الأمور التي أحسّ بها الصحيّح بالرّضا والفرح، اكتشافه لموهبة ابنه أحمد، فقد كان الشّاعر جاسم الصحيّح عثر في البيت على ورقة تتضمّن نصًّا فلسفيًّا أعجبه، فسأل ابنته زينب عن كاتبها، فأخبرته أنّ ابنه أحمد هو صاحب النّص، فما كان منه إلّا أن اتّصل به مباشرة، وسأله عن الأمر، ليكتشف أنّه يكتب منذ فترة، ثم وجده يشارك بنصوص وتعليقات في «منتدى هجر»، وقد مثّل هذا الاكتشاف لحظة فرح خاصّة للصّحيح، لأنه رأى في ابنه امتدادًا لحسّ الكتابة، لا بكونه نسخة منه، بل بكونه صاحب تجربة وصوت خاصّ.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد