علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

وحدة الاختبار الروحي بين ابن عربي ولاوتسو (4)

استعصاء الكشف على البيان

 

حين يبوح العارف الواصل بحال من أحواله فلا ينبغي أن نتوقع منه شرحاً عما هو فيه، أو في ما اختبره في نفسه. وقد تكون هذه واحدة من أظهر سمات الأولياء والعارفين ممن رزقوا العلوم الكشفية وما بان لهم من حقائق الغيب. ولئن كان لكل ولي اختبار معنوي، فهو مخصوص به وليس لغيره منه إلى حظ الإخبار اللفظي، فضلاً عن أنه لا يتكرر للولي على النحو الذي جاءه من قبل.

 

ولذا فالحادث الروحي الذي مرّ على عين العارف وفؤاده، إن هو إلا إخبار إلهي عن أمر غير منظور حتى للعارف نفسه من قبل أن يؤتى بالخبر. وما ذاك إلا لأن هذا الحادث، وإن كان ثمرة سير وسلوك ومجاهدة – فهو إشراق رحماني حل في صدره من لدن الروح القدس. وإذن فإنه بهذه المنزلة عطاء مجاني، وحين يتصرف الولي بهذا العطاء على نحو المكاشفة سيكون شأنه شأن العبد الصالح الذي أوتي علم من الكتاب حيث قال تعالى بلسان ذلك العبد: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}(1).

 

لقد واجهت فلسفة التصوف معضلة إدراك السبب الذي يجعل الاختبارات الروحية أمراً عصياً على السرد وفقاً لقوانين المنطق. بعضهم يذهب إلى أن الحقيقة القدسية لا تُعقل. ومعنى لا معقوليتها أن الإدراك الإنساني والجهاز المفهومي الذهني عاجز عن عرض هذه الحقيقة وإيضاحها. وبعضهم يرى أن الحادث المعنوي أمر لا عقلاني وغير قابل للتوصيف. ذلك بأن التجربة الروحية تتحصّل بالمباشرة، من دون أن ترتدي لباس المفاهيم. وهذا عائد إلى أن الكلمة تقف في مقابل المفهوم، ومن ثم لا يكون لها معنى إذا ما افتقدت مفهوماً معيناً. وبناء عليه فإذا لم يكن ثمة مفهوم في التجربة، فلا يمكن حينئذٍ تشريح الحقيقة  التي تحتويها تلك التجربة من خلال نظام دلالي لغوي وبمنظومات لفظية كلامية(2).

 

ومثلما ظهرت معضلة استعصاء الكشف على البيان في اختبارات التصوف الإسلامي، كذلك ظهرت وتبعاً لخصوصيتها اختبارات التصوف في الأديان التوحيدية الأخرى.

 

يعتقد الفيلسوف الإنكليزي والتر ستيس في كتابه: “العرفان والفلسفة” إن السبب الذي يمنع تفسير التجارب العرفانية هو تأبّيها عن المفاهيم. كما أن سبب عجز الفهم البشري عن إدراك هذا النوع من التجارب هو أن القوانين المنطقية الحاكمة على مجال الفهم الإنساني لا استخدام لها في نطاق هذه التجارب. يرى العارف هنا أن في تجربته تناقضاً. أي أنه يشاهد ما ينقض قوانين المنطق، وهو – من ثم – كلما حاول صوغ ما شاهده في لباس من الألفاظ وجد نفسه متورطاً في تناقض مقولي. أي أن العارف يجد نفسه محاطاً بأناس لهم منطقهم العام، فيما هو يأنس لمنطق ذاتي خارج عن مألوفهم. وعندما تصل الكلمات التي يعبر فيها عن أحواله، فإنهم غالباً ما يأخذهم الشك كلماته فيرمونه إذّاك بالشطح والتكذيب. ولهذا فهو يعود حسيراً تائهاً محاولاً تفسير ما حدث بأن المشكلة هي في لسانه ومنطقه القولي وهو لا محالة سوف يعتقد بأن تجربته – وفقاً لذلك – غير قابلة للوصف والبيان(3).

 

ولو عدنا إلى التجلي بمقصوده الناتج عن الإيمان الأقصى كما مرّ معنا في تأصيلات بول تيليتش، لوجدناه يكمن في النقطة التي تختفي فيها كل عينية في لجّة الألوهية الخالصة. وهذا أمرٌ يدركه العرفاء بتعقل خاص يحصِّلونه إثر اختبارات مضنية في رحلة السير والسلوك. ربما لهذا السبب جاز ما فعله جمعٌ من كبار العرفاء والفلاسفة الإلهيين لجهة اعتبار التصوف أمراً عقلانياً بوصفه حصيلة تكامل بين الحس والحدس والفيض المتأتي من حضور الغيب. لقد كان بعض كبار المتصوفة في أوروبا وآسيا فلاسفة كباراً، وفي الوقت نفسه، مبرزين في وضوحهم وتماسكهم وعقلانيتهم. لكنهم أدركوا أن المحتوى الحقيقي للإيمان في الهم الأقصى لا يمكن أن يتوحد بقطعة من الواقع، كما يشتهي الإيمان التقديسي، كما لا يمكن أن يُعبِّر عنه بألفاظ النظام العقلي. بل هو تجربة نشوة انجذابية.

 

لذا لا يستطيع المرء أن يتحدث عن التجلِّي كإيمان أعلى إلا بلغة ترفض في الوقت نفسه إمكانية الحديث عنه. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يعبر بها الإيمان الصوفي عن نفسه. عند هذه النقطة يطرح تيليتش طائفة من الأسئلة: هل يمكن وجود شيء للتعبير إذا كان محتوى الإيمان الصوفي يتعالى عن كل شيء قابل للتعبير؟ ألا يقوم الإيمان على تجربة حضور المقدس؟ كيف تكون مثل هذه التجربة ممكنة إذا كان الأقصى هو ما يتعالى عن كل تجربة ممكنة؟ الجواب الذي تقدمه التجربة الصوفية على نطاق كوني تفيد التالي: يوجد مكان يحضر فيه الأقصى داخل العالم المتناهي، هو تحديداً، أعماق النفس الإنسانية. هذه الأعماق هي نقطة الاتصال بين المتناهي واللامتناهي. ولكي يبلغها الانسان، لا بد له ان يفرّغ ذاته من جميع المحتويات المتناهية في الحياة الاعتيادية، وأن يتخلى عن جميع الهموم الأولية لصالح الهم الاقصى. يجب أن يمضي الى ما وراء أجزاء الواقع التي يجرب فيها الإيمان التقديسي الأقصى. يجب أن يتعالى على انقسام الوجود، بما في ذلك جميع الانقسامات الأكثر عمقاً وكلية، وهو الانقسام بين الذات والموضوع.

 

فالأقصى يتجاوز هذا الانقسام، وعلى من يريد أن يبلغ الأقصى أن يقهر هذا الانقسام في ذاته عن طريق التأمل والتدبر والنشوة الانجذابية. والإيمان/ داخل حركة النفس هذه، هو حالة من التقلب بين امتلاك محتوى الهم الأقصى وعدم امتلاكه. وهو يتحرك في درجات من التقريب، في انتكاسات وتحققات مفاجئة. ولا يستخف الإيمان الصوفي بالإيمان التقديس أو يرفضه. بل هو يتخطاه الى ما هو اضر في كل فعل إيمان تقديسي، ولكنه يختفي وراء الأشياء العينية التي يتجسد بها(4).

 

كان اللاهوتيون أحياناً يضعون الإيمان مقابل التجربة الصوفية. وهم يقولون إن المسافة بين الإيمان والأقصى لا يمكن أبداً أن تُردم. ويحاول التصوف أن يمزج العقل بمحتوى همه اللاَّمشروط، بأساس الوجود والمعنى. ولكن لم يكن لهذه المقارنة سوى صلاحية محدودة. فالصوفي يعين المسافة اللامتناهية التي تفصل اللامتناهي عن المتناهي، ويقبل حياة المراحل الأولية من الوحدة مع اللامتناهي، التي لا تقاطعها النشوة النهائية إلا نادراً، أو لعلها لا تقاطعها أبداً، في هذه الحياة. ولا يمكن للمؤمن أن يظفر بالإيمان إلا إذا استحوذ عليه محتوى همه الأقصى. والتصوف، مثل نزعة التقديس، نمط من الإيمان، وهناك عنصر صوفي، كما هناك عنصر تقديسي، في كل نمط إيمان(5).

 

يتسق رأي تيليتش مع كثيرين من عظماء المتصوفة المسلمين لجهة البعد المتسامي للإيمان في الشخصية الإنسانية مهما كانت اعتقاداتها وانتماءاتها الفكرية والحضارية. وهذا ما حمله على التنظير لمضمون جديد لمفهوم الإنسانوية بعيداً من الفهم التسطيحي الذي شهدته الحداثة الغربية على مدى خمسة قرون مضت.

 

وهكذا فإن قضية العقلي الغيبي سوف تؤلف نقطة الجذب الكبرى في فلسفة ابن عربي. ولشدة عنايته بها نجدها مبثوثة بالإشارة والعبارة في كبريات أعماله وقد توزعت في صعيدين: الأول: في صعيد التنظير لفلسفة التصوف، والثاني في صعيد التجربة الشخصية. ولعل الشيخ الأكبر هو أحد أكثر العرفاء الذين ساجلوا الفلاسفة والمتكلمين وأهل الحرف من الفقهاء وبخاصة لجهة استعصاء كشوفات الأولياء ومعارفهم على الإعراب. يقول في “الفتوحات”: إن علوم أهل الأسرار الحاصلة عن طريق الكشف والشهود بالتجلي الإلهي وتلقي الفيض القدسي تقع وراء حدود العقل ومجاله(…) ثم إن هذه المعرفة التي يهبها الحق تعالى لمن شاء من عباده لا يستقل العقل بإدراكها، ولكن يقبلها فلا يقوم عليها دليل ولا برهان، ثم أن هذه الأوصاف الذاتية لا يمكن العبارة عنها، لأنها خارجة عن التمثيل والقياس، فإنه ليس كمثله شيء، فكل عقل لم يكشف له من هذه المعرفة شيء يسأل عقلاً آخر”(6).

 

بعض المحقِّقين لاحظوا هنا طائفة من الاستنتاجات:

 

– منها: أن المعرفة الوهبية (علوم الكشف والشهود والتجلّي) هي معرفة يفهمها العقل ويراها صحيحه ومن ثم فهو يعترف بها ويقر لها.

 

– ومنها: أن العقل غير قادر – بالاستقلال واعتماد طريق الفكر والنظر – على الوصول إلى هذه المعرفة أبداً، ومن هنا كانت واقعة في طور فوق طور العقل.

 

– ومنها: أن العقل على الرغم من استقباله هذه المعارف بوساطة الفيض الإلهي ويقر بها، إلا أنه عاجز عن شرحها وتفسيرها بمنظومة المفاهيم والقضايا التي يحملها، ذلك أنها معرفة لا تتكيف مع هذه المفاهيم(7).

 

– ومنها كذلك أن السر في بلوغ العارف معرفةً بالحق تعالى خارجة عن طاقة الفكر والنظر، يكمن في أن العارف يتحد بالحقيقة التي يصلها في تجربته العرفانية، الأمر الذي لا يحصل بتاتاً في المعرفة العقلانية. ذلك أن الإنسان هناك يدرك الحقيقة من وراء حجاب المفاهيم(…) ثم إن الإنسان الذي يبلغ القدرة الإلهية المطلقة بتجربته العرفانية، يفهم ببصيرته أن كل قدرة في هذا الوجود إنما هي مظهر للقدرة الإلهية، أما سلوك سبيل العقل فهو لا يؤدي بالإنسان إلا إلى التصديق بقدرة الله سبحانه من دون أن يشاهدها..

 

ومن هنا، يخطو العقل النظري عند ابن عربي في معرفة صفات الله وأسمائه خطوات سليمة في الطريق الصحيح، ويدرك الحقائق – بهداية الأنبياء – إدراكا جيداً، ويرسم خارطة الوجود ومراتبه رسماً مطابقاً للواقع وفق نظام صحيح تماماً، فيغدو عالماً عقلياً شبيهاً بالعالم العيني، إلا أنه رغم ذلك كله، لا يبلغ مبلغ العارف في شهوده، فيظل يميزه عنه ما يميّز فهم معنى الحلاوة عن تذوق العسل(…) ومع ذلك فإن ابن عربي، يقرّ – من جهة أخرى – بأن الاكتفاء بهذه المعارف العقلية لا يؤدي إلى الاتصال بالحقيقة المصحوب ببلوغ الكمال والسعادة الحقيقيّين، وإنما يظل الإنسان – رغم هذه المعارف – عَطِشاً كما كان من قبل، ويبقى يتخيّل الماء من دون أن يبلغ فاه، ومن ثم فلا يصدره أو يرويه(8).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – سورة الكهف – الآية 82.

2 – شيرواني – مصدر سبقت الإشارة إليه- ص 152.

3 – والتر ستيس – العرفان والفلسفة – مقتبس من مقدمة إمام عبد الفتاح إمام لكتاب ستيس “الدين والعقل الحديث” – مكتبة مدبولي – القاهرة. ص 308

4 – بول تيليتش – مصدر سبق ذكره – ص 158.

5 – تيليتش – المصدر نفسه – ص 160.

6 – الفتوحات المكية – دار صادر – الجزء الأول – ص 93-94.

7 – علي شيرواني – مصدر سبق ذكره – ص 245.

8 – المصدر نفسه – ص 247 – 148.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد