
السيد رياض الطباطبائي الحكيم ..
وأمّا الآية الرابعة - وهي المقصودة بالبحث هنا - فقد اختلف المفسّرون في تفسير الإحكام والتشابه الواردين فيها اختلافاً شاسعاً.
كما اختلفوا في سبب نزولها فقيل: أنّه عنى به وفد نجران لمّا حاججوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في أمر عيسى (عليه السلام) وسألوه فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحاً منه، فقال: بلى، فقالوا: حسبنا، فأنزل الله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ إلخ.
وقيل: هم اليهود طلبوا علم أُكُل هذه الأمّة أي مقدار رزقها وحظها من الدنيا
وقيل هم المنافقون(1). وقيل غير ذلك...
ونشير هنا إلى أهم الآراء في تفسير الإحكام والتشابه فى هذه الآية:
1) إنّ المحكم هو المبين، والمتشابه هو المجمل.
2) إنّ المحكم من القرآن الآيات الناسخة، والمتشابه الآيات المنسوخة.
3) إنّ المحكم ما يكون هناك دليل على معناه سواء كان ذلك الدليل واضحاً أم خفياً، والمتشابه ما لا يكون هناك دليل عليه يمكن الرجوع إليه ليدل عليه، مثل وقت قيام الساعة. ونسب الزرقاني هذا الرأي لمن سمّاهم أهل السنّة(2).
4) إنّ المحكم ما يراد منه ظاهره، والمتشابه ما يراد منه خلاف ظاهره.
5) إنّ المراد بالمتشابه كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها، بل يتردد بين معنى ومعنى حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتُعيّن هي معناها وتبيّنها بياناً، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها.
وهذا الرأي اختاره السيد الطباطبائي، وذكر(قدس سره) أن سبب وصف المحكمات بأنّها أم الكتاب - والأم بحسب أصل معناه ما يرجع إليه الشيء - ليس إلاّ أنّ الآيات المتشابهة ترجع إليها. فالبعض من الكتاب - وهي المتشابهة - ترجع إلى بعض آخر - وهي المحكمات - قال: "ومن هنا يظهر أنّ الإضافة في قوله: أم الكتاب ليست لامية كقولنا: أم الأطفال، بل هي بمعنى (من) كقولنا: نساء القوم، وقدماء الفقهاء ونحو ذلك، فالكتاب يشتمل على آيات هي أم آيات أخر، وفي إفراد كلمة الأم من غير جمع دلالة على كون المحكمات غير مختلفة في أنفسها، بل هي متفقة مؤتلفة"(3).
ونحن عندما نتمعّن في الآية الكريمة نلاحظ ما يلي:
1- إنّها قسّمت الآيات الى قسمين، ويبدو منها أن القسمين متباينان وغير متداخلين، فلكل منهما وصف خاص وأتباع معيّنون، حيث إنّ المحكمات أمّ الكتاب، بينما المتشابهات ليست كذلك، كما أنّها تتميز ثانياً بأنّ تأويلها مختص بالله تعالى أو بما يشمل الراسخين في العلم. وثالثاً أن أتباعها الذين في قلوبهم زيغ، بخلاف المحكمات.
2- وصف المحكمات بأنّها أم الكتاب، قال الرازي في توجيه ذلك: الأُم في حقيقة اللغة الأصل الذي يكون منه الشيء، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنّما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، لا جرم صارت المحكمات كالأُم للمتشابهات(4).
وعلى هذا - الذي بنى عليه كثير من العلماء - تكون الآيات المحكمات مرجعاً لفهم الآيات المتشابهة، وأنّها ليست أجنبية عنها.
3- إن الآية الكريمة فرضت إمكانية اتباع الآيات المتشابهة، ومعنى هذا أن الآيات المتشابهة ليست بالضرورة تكون مبهمة يمتنع اتباعها، كالحروف المقطعة ونحوها - على فرض إبهامها المطلق - بل ربّما يُفهم من الآية أن هناك ظهوراً للآيات المتشابهة في معنى ما، وأنّها ليست موجبة للحيرة المطلقة والإبهام وإلاّ لم يصلح ولم يصدق الاتباع لها.
4- يبدو من الآية الكريمة أن أتباع المتشابه هم أهل الزيغ والمنحرفون، ولا يشمل كل من أخطأ في فهم القرآن، بل ربّما يفهم منها أن هدف المنحرفين من اتّباع المتشابه هو الفتنة من خلال التفسير الكيفي الموافق لأهوائهم.
ومن مجموع هذه الملاحظات وبعض الشواهد الأخرى يمكن أن نفهم المقصود من المحكم والمتشابه في الآية الكريمة... بأنّ هناك مجموعة من الآيات تنافي بظاهرها بعض المفاهيم أو الأحكام الإسلامية التي دلّت عليها الشواهد والأدلة المعتبرة - سواء كان القرآن الكريم نفسه أم السنّة أم حكم العقل اليقيني - فتوجب وقوع الإنسان في الالتباس وسوء الفهم - كما تدل عليه لفظة المتشابه -، مما يفتح المجال للمنحرفين كي يبثوا سمومهم ويثيروا الشبهات حول القرآن الكريم أو الإسلام أو بعض التعاليم الصحيحة، وهذه هي الآيات المتشابهة التي أمر الله سبحانه المسلمين أن يتعاملوا معها بتعقل ورويّة، فلا هم ينزلقون في منزلق المنحرفين ولا هم يرفضون انتسابها للقرآن مثلاً، بل يؤمنون بها إجمالاً موكلين تحديد معانيها التفصيلية لله سبحانه ولو من خلال من خصّهم بتعليمها.
ورغم وجود هذه المجموعة من الآيات فإنّه لا يؤثر على دور القرآن الرئيسي وأهميّته باعتباره كتاب هداية ومناراً، لأنّ المحكمات من الآيات متكفلة للقيام بهذا الدور ووافية به، وكأنّ التعبير بأمّ الكتاب يشير إلى ذلك. والله سبحانه العالم.
وعندما نرجع إلى السنّة نجد مجموعة من النصوص تشير إلى المحكم والمتشابه بما ينسجم مع هذا المعنى، منها:
1- ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): "وإنّ القرآن لم ينزل ليكذّب بعضه بعضاً، ولكن نزل يصدّق بعضه بعضاً، فما عرفتم فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به"(5).
2- وعن الإمام الصادق (عليه السلام): "المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله"(6).
3- وعن الإمام الرضا (عليه السلام): "من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه هُدي إلى صراط مستقيم - ثم قال - إنّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن فردّوا متشابهها إلى محكمها ولا تتبعوا متشابهها فتضلوا"(7).
وقد يتساءل المرء عن الحكمة من وجود المتشابه في القرآن، وللإجابة على ذلك نشير إلى أمرين قد تكمن فيهما حكمة وجود المتشابه:
الأول: تأكيد حالة التعبّد والخضوع العملي لله تعالى، لأن الحياة مليئة بالفتن والاختبارات المتنوّعة، كما شاء الله لها ذلك ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾(8) وما لم تتأكد قضية التعبّد في نفس المؤمن يضعف ارتباطه الروحي بالله تعالى ولا يلبث أن يزيغ متأثراً بالمنحرفين من أصحاب المواهب القادرين على التأثير في مستمعيهم وأتباعهم.
الثاني: توجيه المسلم إلى التمسّك بالمنهج الإلهي للطاعة، والحجج الذين اختارهم الله تعالى ليكونوا سبلاً إلى هدايته، بدلاً من التخبّط يميناً وشمالاً تبعاً لاحتمالات واستحسانات تفتقر إلى الحجة والبرهان، كما يحدث ذلك بتأثير الغرور النفسي الذي يصدّ الإنسان عن الاعتراف بالجهل والعجز. والله العالم.
1- يراجع مجمع البيان:2 701.
2- يراجع مناهل العرفان: 2 291.
3- راجع الميزان: 3 20.
4- تفسير الرازي: 7 173.
5- الدر المنثور: 2 8.
6- تفسير العياشي: 1 162.
7- عيون أخبار الرضا: 1 290.
٨-سورة العنكبوت ١/٢
خصائص الصيام (2)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
معرفة الإنسان في القرآن (7)
الشيخ مرتضى الباشا
الموانع من حضور الضيافة الإلهية
الشيخ محمد صنقور
البعث والإحياء بعد الموت
الشيخ محمد جواد مغنية
معنى (فور) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
أهميّة قوة العضلات في خفض معدّل الوفيات للنّساء فوق الستين
عدنان الحاجي
البعض لا يتغيّر حتّى في شهر رمضان المبارك، فماذا عنك أنت؟!
الشيخ علي رضا بناهيان
أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)
السيد جعفر مرتضى
شروط استجابة الدعاء
الشيخ محمد مصباح يزدي
اللهمّ إني أفتتح الثّناء بحمدك
السيد محمد حسين الطهراني
السيّدة خديجة: سيّدة بيت النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشكاة اللّيل
فريد عبد الله النمر
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
خصائص الصيام (2)
الإرادة والتوكل في شهر رمضان
معرفة الإنسان في القرآن (7)
شرح دعاء اليوم الثالث عشر من شهر رمضان
خصائص الصيام (1)
الموانع من حضور الضيافة الإلهية
البعث والإحياء بعد الموت
حديث للاختصاصيّ النّفسيّ أسعد النمر حول توظيف التّقنية في العلاج النّفسيّ
التقوى، العطاء، الإيثار في شهر رمضان
شرح دعاء اليوم الثاني عشر من شهر رمضان