قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
عن الكاتب :
أحد مراجع التقليد الشيعة في إيران

آيات الله في خلق الرّوح‏ (2)

توضيحات‏

 

1- القوى‏ الظاهرية والباطنية للروح‏

 

عَدَّ القدماء خمسة قوىً ظاهرية وخمسة قوىً باطنية للروح الآدمية، أَمّا القوى‏ الظاهرية فهي: حاسة النظر، السمع، الشم، الذوق، اللمس، وهي نوافذ روح الإنسان نحو عالم المحسوسات والروابط بين ذلك الجوهر المجرد وعالم المادة.

 

إنَّ كل واحدة من هذه القوى‏ عالم واسع مليء بالأسرار، وكل واحدة من أدوات هذه القوى‏، أي العين والأذن واللسان والغدد الشَّمِّيَة والأعصاب الموزَّعة في كافة أنحاء الجلد، آية من آيات اللَّه تتضمن في داخلها عالماً من العلم والحكمة.

 

وقد عد الفلاسفة القدماء القوى‏ الباطنية خمسة أيضاً:

 

1- الحس المشترك.

2- الخيال، والذي يعتبر ذاكرة الحس المشترك.

3- القوة الواهمة التي تدرك مفاهيم من قبيل المحبة والعداء.

4- القوة الذاكرة التي تحفظ في داخلها الإدراكات الواهمة.

5- قوة التخيل التي تُصرّف المفاهيم والصور الجزئية الموجودة في خزانة الخيال والذاكرة فترسم صوراً مختارة لا وجود لها في الخارج.

 

وكل واحدة من هذه القوى‏ الخمس هي عالم ملي‏ءٌ بالأسرار بحدّ ذاتها.

 

لكن علماء وفلاسفة اليوم لا يحددون القوى‏ الظاهرية بتلك القوى‏ الخمس المعروفة، ولا القوى‏ الباطنية بتلك القوى‏ الخمس المذكورة، إنهم يضعون للنفس الإنسانية قوى‏ كثيرة، ويعتبرون الروح الآدمية مخزناً عجيباً فيه أنواع القوى‏ ومختلف الأذواق والقابليات والادراكات التي يختلف فيها أفراد البشر.

 

لقد وضع علم النفس والتحليل النفسي يده اليوم على‏ مناطق غامضة ومبهمة من روح الإنسان واكتشف فيما اكتشف فيها عالماً جديداً وسرّياً باسم‏ «الضمير الخفي» أو «ضمير اللاشعور» ووضع أمام أعين البشر المزيد من العجائب عن هذا الموجود المجهول.

 

2- الروح .. الظاهرة الخفية في عالم الوجود

 

مع أنّ القرآن الكريم يشرح الكثير من الجزئيات المتعلقة بالسماء والأرض والنباتات والحيوانات عند ذكره للآيات الإلهيّة سواء كانت آيات آفاق أو آيات أنفس، لكنه حين يصل إلى‏ قضية الروح لا يزيد على‏ قوله: {قُل الرُّوحُ مِنْ أَمرِ رَبِّى وَمَا أُوْتِيْتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيْلًا}.

 

أو إنّه يقول: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوّاهَا} أو يعبّر عنها بإِنشاء الخلق الآخر: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَر}، أو إنّه ينسب الروح إلى‏ نفسه فيقول: {وَنَفَخْتُ فِيْهِ مِنْ رُوحِي}.

 

إِنَّ كل هذه التعابير تحكي عن أن خلق الروح يختلف عن خلق بقية الموجودات، وليس هذا إلّا بسبب تعقيد قضية الروح وأسرارها العظيمة.

 

3- نشاطات الروح المختلفة

 

للإنسان نشاطات روحية وفكرية عديدة، سواء في الشعور أو في اللاشعور، بحيث يمكن لكل واحد من هذه النشاطات أن يكون موضوع بحث مستقل في كتب متعددة (وغالباً ما كان)، وقسم من هذه النشاطات على‏ النحو التالي:

 

أ) «التفكير» من أجل الوصول إلى‏ المجهولات، أو بتعبير الفلاسفة حركة الفكر نحو المبادئ، ثم حركته الأخرى‏ من المبادئ نحو الأهداف والمراد.

 

ب) «الابتكار» من أجل حلّ مشاكل الحياة غير المتوقعة، ومواجهة الحوادث المختلفة، ورفع الاحتياجات المتنوعة والإبداعات والاكتشافات والاختراعات.

 

ج) «الذاكرة» لحفظ أنواع المعلومات التي يحصل عليها الإنسان عن طريق الحس أو التفكير وتبويبها وخزنها ثم استذكارها عند الحاجة.

 

د) «التجربة وتحليل القضايا» من أجل معرفة علل وجذور الحوادث عن طريق فصل المفاهيم الذهنية عن بعضها، ثم تركيبها، ثم الوصول إلى‏ علل ونتائج الحوادث.

 

ه) «التخيل» أي إيجاد صورة ذهنية قد لا تكون في بعض الأحيان موجودة في الخارج كمقدمة لفهم القضايا الجديدة.

 

و) «الإرادة والتصميم» لأجل القيام بالأعمال أو التوقف عنها أو تغييرها.

 

ز) «الإدراكات الفطرية والعقلية» وهي الأساس في الاستدلالات النظرية وغير البديهية.

 

ح) العشق، الحب، العداوة وعشرات الظواهر الروحية الأخرى‏ ذات التأثيرات الإيجابية أو السلبية في أفعال الإنسان.

 

وبالطبع فهذه القضايا ليست منفصلة عن بعضها، بل هي متمركزة جميعها في داخل روح الإنسان، إنّها أمواج من هذا المحيط اللامتناهي، وأنوار من هذه الشمس الساطعة، وهذا ما يدل على‏ أنّ الروح الآدمية أرفع آيات اللَّه وأهم علاماته.

 

وفي قول القرآن الكريم إشارة إلى هذه الحقيقة: {وَفِى الأَرضِ آياتٌ لِّلمُوقِنِينَ* وَفِى أَنفُسِكُم أفَلا تُبصِرُونَ}. (الذاريات/ 21).

 

ولا نذهب بعيداً فإنَّ الذاكرة الإنسانية التي تمثل أرشيفاً للمعلومات المختلفة على‏ درجة من الغرابة والعجب بحيث لو أننا أردنا توظيف مئات الأشخاص لحفظ وظرافة وترتيب معلومات أحد الأشخاص لاستحال عليهم القيام بنشاط الذاكرة بهذه السرعة والدقة.

 

ولو سلبت منّا الذاكرة لساعة واحدة لما أمكنتنا الحياة، فلا نضلُّ الطريق إلى‏ منازلنا فحسب، بل سيصيبنا النسيان حتى‏ في أن نضع اللقمة في فمنا عند تناول الطعام، سيكون كل شي‏ء بالنسبة لنا مجهولًا ووحشياً وغريباً ومُحيراً.

 

فقد أحد الشباب جزءًا من ذاكرته نتيجة حادث سير أصابه بضربة دماغية، وعندما حملوه إلى‏ بيته أنكر بيته! وقال: إنّ هذه هي المرة الأولى‏ التي أضع فيها قدمي هنا! بل حتى‏ أمه كان يتصورها امرأة غريبة، وبدت اللوحة الفنية التي رسمها بيديه مجهولة تماماً في عينيه، وكان يقول: إنّها أول مرّة أراها.

 

إنّنا نحمل في أرشيف ذاكراتنا صوراً لآلاف الموجودات وآلاف آلاف البشر وآلاف آلاف المواد المختلفة وآلاف آلاف الخواطر واللقطات وآلاف آلاف المعلومات المختلفة الأخرى‏، والعجيب أنّ استحضار إحدى‏ الخواطر لا يحتاج أكثر من واحد بالألف من الثانية من أجل أن يستطيع الإنسان الانتباه إلى‏ خاطرة معينة من بين معلوماته المبوبة التي مضت عليها لحظة أو سنة أو خمسون سنة، خاصة وأنّ العلماء يشيرون إلى‏ إحدى‏ الأعمال المحيرة للذاكرة والتي يسمونها «معجزة الذاكرة» وهي بالترتيب الآتي:

 

كثيراً ما ينسى‏ الإنسان اسم شخص أو موضوع ثم يجهد ويحاول أن يتذكره ويقلّب رفوف أرشيف ذاكرته واحداً بعد الآخر ولكن دون جدوى‏.

 

حسناً، إن كان الإنسان يعلم ذلك الاسم أو الموضوع، فلماذا يبحث عنه؟ وإن لم يكن يعلمه فكيف يبحث عن شي‏ء لا يعلمه؟ أفيمكن أن يبحث الإنسان عن ضالة لا يعرف ما هي أو من هي؟!

 

ومع هذا فيصدق على‏ ذاكرة الإنسان أن تبحث عند النسيان عن ضالة لا تعلم ما هي؟

 

وفجأة تصل إلى‏ الرف الذي يحمل ضالتها فتعثر عليها «1».

 

وهنا توجد نقطة دقيقة يكمن فيها الحل المذهل للقضية، وهي: في مثل هذه المواضع لا يبحث الإنسان عن ذات ذلك الاسم أو الموضوع الذي لا يعرف ما هو بل من أجل العثور عليه تراه يبحث عن مجموعة الحوادث التي يعلم بشكل إجمالي أنّه اختزنها في ذهنه بمعية الاسم المطلوب (لأنّ الحوادث المختلفة تُخْتَزَنُ على‏ شكل مجموعات مجموعات)، فمثلًا هو يعلم أنّه تعرف لأول مرّة على‏ الشخص المعني الذي نسي اسمه في اليوم الفلاني والمحل الفلاني، لذلك يطلب من أرشيف الذاكرة وبشكل فوري إضبارة ذلك اليوم وذلك المحل ويتصفحها بسرعة البرق ليعثر في طياتها على‏ اسم ذلك الشخص.

 

ونختم هذا الكلام بحديث عن الإمام الصادق عليه السلام وَرَدَ في توحيد المفضل، يقول: «تأمل يا مفضّل هذه القوى‏ التي في النفس وموقعها من الإنسان، أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك، أفرأيت لو نقص الإنسان من هذه الخلال الحفظ وحده كيف كانت تكون حاله؟ وكم من خلل كان يدخل عليه في أموره ومعاشه وتجارته إذا لم يحفظ ماله وما عليه وما أخذه وما أعطى‏، وما رأى‏ وما سمع، وما قال وما قيل له ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساء به، وما نفعه ممّا ضره، ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه ما لا يُحصى‏، ولا يحفظ علماً ولو درسه عمره، ولا يعتقد ديناً، ولا ينتفع بتجربة ولا يستطيع أن يعتبر شيئاً على‏ ما مضى‏، بل كان حقيقاً أن ينسلخ من الإنسانية أصلًا».

 

ثم يضيف الإمام: «وأعظم من النعمة على‏ الإنسان في الحفظ النعمة في النسيان، فإنّه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة ولا انقضت له حسرة، ولا مات له حقد، ولا استمتع بشي‏ء من متاع الدنيا مع تذكر الآفات..» «2».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(7) الاقتباس من كتاب «حافظة» من سلسلة «چه مى دانم» (بالفارسية).

(8) بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 80 و81 (بشي‏ء من التلخيص).

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد