بعض سور القرآن الكريم تستهل بحروف تدعى بـ «الحروف المقطعة» لأنها تقرأ على نحو منفصل. إن هاجس تبيين هذه الحروف، كان ولا يزال مستحوذاً على اهتمام المفسرين والمحققين في الحقل القرآني منذ مطلع تاريخ التفسير وحتى يوم الناس هذا، وقد انقسموا فريقين في تحليلهم لها: فبعض رأى أنها سر بين الله سبحانه ورسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهي - من هذه الجهة - غير قابلة للتفسير برأيهم. والبعض الآخر، وهم القسم الأعظم من المفسرين وعلماء القرآن، ذهبوا إلى أن تلك الحروف، وإن لم يتيسر بلوغ معرفة كنهها، يقبل التفسير كسائر الآيات القرآنية.
لأمثال هؤلاء آراء شتى في تفسير الحروف القرآنية المقطعة. ولكون تلك الآراء لا تتناقض مع بعضها، فإن لنا الأخذ بجميعها إذا تم إثباتها بدليل معتبر، وإن كان الباب لا يزال مفتوحاً أمام الفحص والتقييم النهائيين حول تلك الحروف، وقد يتم طرح هذا الموضوع في مناسبات أخرى.
خواص الحروف المقطعة
منذ بزوغ شمس تاريخ تفسير القرآن الكريم إلى يومنا هذا، وتفسير الحروف المقطعة يشغل دوماً بال المفسرين، وعلاوة على ما أوردوه في تفاسيرهم، فقد صنّفوا فيه كتباً وكتبوا فيه رسائل مستقلة.
للحروف المقطعة جملة خواص لابد من التعرف عليها:
1. هذه الحروف من مختصات القرآن الكريم، ولا سابقة لها في سائر الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.
2.لا تختص الحروف المقطعة بالسور المكية ولا بالسور المدنية، فلقد جاءت في 27 سورة مكية وفي سورتين مدنيتين.
3. السور التي وردت فيها الحروف المقطعة هي بالترتيب: سورة البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد وإبراهيم، والحجر، ومريم، وطه، والشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، ويس، وص، والمؤمن (غافر)، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، وق، والقلم.
4. أتى بعض الحروف في أوائل السور على شكل حرف مفرد كــ «ص»، و«ن»، و«ق»، وبعضها على شكل حرفين مثل «طس»، و«يس»، و«طه»، و(حم)، وأخرى على شكل ثلاثة حروف مثل «الم»، و«الر»، و«طسم»، وقسم منها على شكل أربعة حروف مثل «المص»، و«المر»، وبعض على شكل خمسة حروف مثل «كهيعص»، و«حم عسق». إذن فهي تنقسم - من هذا الجانب - إلى خمس مجموعات.
5. عدّت بعض هذه الحروف، طبق حساب آيات السورة، آية من تلك السورة كما في «الم» في سور البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة، و«المص» في سورة الأعراف، و(كهيعص) في سورة مريم، و«طه» في سورة طه، و«طسم» في سورتي الشعراء والقصص، و«يس» في سورة يس، و«حم» في سور المؤمن وفصلت والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف. واعتبر البعض كآيتين في مطلع السورة مثل «حم عسق» في سورة الشورى. أما في سائر الموارد فعدت جزءاً من الآية الأولى من السورة مثل «الر» في سور يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر، و«المر» في سورة الرعد، و«طس» في سورة النمل و«ص» في سورة (ص)، و«ق» في سورة (ق)، و«ن» في سورة القلم. وعلى هذا، تقسم الحروف المقطعة - من هذه الناحية - إلى ثلاثة أقسام.
6. بعض هذه الحروف لم يتكرر أساساً مثل «ن»، و«ق»، بينما تكرر بعضها مرتين مثل «ص» الذي جاء تارة مستقلاً في سورة (ص) وجاء تارة أخرى جزءاً من «المص» في سورة الأعراف. كما تكرر بعضها ست مرات مثل «الم»، وبعضها سبع مرات مثل «حم» وقد سميت هذه السور السبع ب «الحواميم السبع». إذن تنقسم الحروف المقطعة - وفقاً لهذا التصنيف - إلى أربعة أقسام.
7. بعد حذف الحروف المكررة، يكون عدد الحروف المقطعة 14 حرفاً هي: الألف، والحاء، والراء، والسين، والصاد، والطاء، والعين، والقاف، والكاف، واللام، والميم، والنون، والهاء، والياء.
8. باستثناء السور الأربع (مريم، والعنكبوت، والروم، والقلم) جاءت لفظة «الكتاب» أو «القرآن» في مستهل جميع السور المفتتحة بالحروف المقطعة، كما وأن الحديث عن الوحي وعظمة القرآن قد تصدر تلك السور أو جاء في أثنائها. لكنه مع إمعان النظر أكثر، نرى أن الكلام عن الوحي، والرسالة، والقرآن موجود في تلك السور الأربع أيضاً؛ ففي سورة القلم جاءت آيات من أمثال (ما أنت بنعمة ربك بمجون) (الآية 2)، كما ذكرت في سورة مريم قصص العديد من الأنبياء كيحيى، وعيسى عليه السلام إذن فمحور مباحث سورة مريم هو أيضاً النبوة العامة وبعض النبوات الخاصة، كما أن عصارة مباحث سورتي العنكبوت والروم هي أيضاً الوحي، والنبوة، والإعجاز.
محصلة ذلك، هي أن الكلام عن الوحي، والنبوة، والكتاب قد ورد في مستهل أو في وسط السور التسع والعشرين ذات الحروف المقطعة، بما فيها الحواميم السبع والطواسين، والنتيجة هي أن المباحث التي تشترك فيها هذه السور هي النبوة، والرسالة الإلهية.
9. هناك ارتباط خاص بين الحروف المقطعة لكل سورة ومضمونها. وعلى أساس ذلك، فالسور المبتدئة بنفس الحروف المقطعة تتشابه في الخطوط العامة لمضامينها. على سبيل المثال، السور السبع التي تبتدئ بــ «حم» (الحواميم السبع) فقد تضمنت جميعها الحديث عن الوحي، والرسالة، وعظمة القرآن الكريم بأسلوب خاص ومضمون مميز. كما أن السور التي تبدأ بــ «الم» استهلت كلها بالحديث عن نفي الريب عن القرآن.
على هذا الأساس أيضاً، فإن السورة التي تمتلك مجموع الحروف المقطعة الخاصة بسورتين أخرين، تكون جامعة لمحتوى هاتين السورتين، كما هو الحال في سورة الأعراف المبتدئة بــ «المص» فهي جامعة لمعارف السور المبتدئة بــ «الم» و«ص»، وسورة الرعد التي تفتتح بـ «المر» تكون جامعة لمعارف السور المفتتحة بـ «الم» و«الر».
10. يقول بعض المفسرين في بيان خواص هذه الحروف: بعد حذف المكررات من الحروف المقطعة يمكن صياغة جمل مثل «صراط علي حق نمسكه»، أو «علي صراط حق نمسكه»، أو «علي حق، نمسك صراطه». كما شكلت جمل أخرى من هذه الحروف ذكرت في كتب العلوم القرآنية (1).
هذه الخصوصية، وإن كانت لطيفة، لكنه ليس فى أيدينا دليل معتبر يؤيدها. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يمكن إثبات العقائد والأسس الدينية بهذه الطرق، إذ أنها قابلة للنقد، كما في قول الآلوسي: ومن الظريف أن بعض الشيعة استأنس بهذه الحروف لخلافة الأمير علي (كرم الله تعالى وجهه) فإنه إذا حذف منها المكرر يبقى ما يمكن أن يخرج منه «صراط علي حق نمسكه»، ولك أيها السني أن تستأنس بها لما أنت عليه فإنه بعد الحذف يبقى ما يمكن أن يخرج منه «صح طريقك مع السنة» (2).
فيتعين علينا أن نتكلم بشكل لا يوجب النقد، فالكلام الذي ليس له رصيد في المعقول أو المنقول ينهار أمام النقد المستدل بنحو النقض، أو المنع، او المعارضة.
11. يقول الزمخشري حول بعض خواص الحروف المقطعة: واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء، وجدتها نصف أسامي حروف المعجم، أربعة عشر سواء، وهي: الألف، واللام، و... في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم. ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف...(3)
يريد الزمخشري من الجملة الأخيرة أن للحروف أوصافاً مثل: المهموسة، والمجهورة، والشديدة، والرخوة، والمطبقة، والمنفتحة، والمستعلية، والمنخفضة، وحروف القلقلة...الخ. فكل واحدة من تلك هي صفة لمجموعة من حروف الألفباء، وإن نصف حروف كل مجموعة موجودة بين الحروف المقطعة. فمثلاً، نصف الحروف المهموسة، وهي الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء، موجودة ضمن الحروف المقطعة.
ومع أن صحة جميع تلك الخواص أمر ممكن، إلا أنها لا تثبت معياراً جامعاً، وإنما هي من قبيل «مناسبات ذكروها بعد الوقوع».
ـــــــــــــــــــــــــــ
1.راجع البرهان في علوم القرآن، ج 1، ص167 .
2. روح المعاني، ج 1، ص 172 (بتصرف طفيف).
3.الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج 1، ص 29.
الشيخ حسن المصطفوي
الشيخ محمد مصباح يزدي
الشيخ جعفر السبحاني
السيد عبد الحسين دستغيب
السيد محمد حسين الطبطبائي
الفيض الكاشاني
الشيخ محمد صنقور
السيد عادل العلوي
عدنان الحاجي
السيد محمد حسين الطهراني
عبد الوهّاب أبو زيد
فريد عبد الله النمر
جاسم الصحيح
حبيب المعاتيق
الشيخ علي الجشي
حسين حسن آل جامع
الشيخ عبد الحميد المرهون
ناجي حرابة
عبدالله طاهر المعيبد
جاسم بن محمد بن عساكر
الرُّشْد، الرَّشَد، الرَّشَاد
ملّا صدرا شارحاً (الأصول من الكافي) للكليني
﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
التأسيس القرآني لقواعد سير الإنسان
ناصر الرّاشد: نحو تربية أسريّة إيجابيّة
الإيمان: كماله بالتّقوى، وثمَرتُه الطّاعات
أخوّة إلى الجنّة
زكي السّالم: حين تصدر كتابًا.. احذر هذا الخطأ القاتل
حرّيةُ الإنسان: لا حرّيّة أمام كلمة الحقّ
ألفاظ القرآن الكريم: وجوه المعاني وأنواعها