قصبات

اللّؤلؤة ورمزيّتها للخلود عند سكّان الخليج

تحت عنوان: «اللّؤلؤة ورمزيّتها للخلود عند سكّان الخليج»، يطرح الباحث التاريخيّ عبدالخالق الجنبي في كتابه: «بحوث تاريخيّة وجغرافيّة ذات علاقة بشرق الجزيرة العربيّة»، بحثًا يسلّط فيه الضّوء على أهمّيّة اللّؤلؤة عند سكّان الخليج العربيّ بشكل خاصّ، وكونها تحمل قيمة تتجاوز حدود الزّينة والتّباهي إلى وصفها رمزًا للخلود والحياة، وصورة من صور مواجهة الموت في صراع البقاء.

 

ينطلق الجنبيّ أوّلاً بكون اللؤلوة هي «الدُّرّة» عند العرب القدماء، و«الدانة» عند أهل الخليج، مبيّنًا تجاوز جمالها المادّيّ عبر العصور، لتكون عنوانًا للثّروة والنّدرة، ومثارًا للخيال والحكايات والأساطير، ورمزًا ثمينًا جدًّا لشيء يصعب الوصول إليه إلّا بالتّضحية والمغامرة، مستعيدًا ملحمة جلجامش التي يخوض فيها بطلها رحلة طويلة بحثًا عن سرّ الحياة الأبديّة، مصوّرًا وصوله إلى نبتة عجيبة تنمو في أعماق المياه، وتمتلك القدرة على إعادة الشّباب وتجديد الحياة، وهي التي يعبّر عنها النّص: «إذا ما حَصَّلت يداك من هذا النّبات وجدتَ الحياة».

 

ويحتمل الجنبيّ في تحليله لوصف النّبتة أن تكون هناك صفات مشتركة ورمزيّة بينها وبين اللّؤلؤة التي عرفها أهل الخليج، فكلتاهما موجودتان في الأعماق، وكلتاهما لا تُنالان إلاّ بمشقّة وجهد وتعب، وكلتاهما ارتبطت في المخيال القديم بفكرة الحياة التي لا تفنى ولا تنتهي، مفترضًا ارتباط بعض أحداث الملحمة بجزيرة دلمون، التي ارتبط اسمها تاريخيًّا بالبحرين وشرق الجزيرة العربيّة، متوقّفًا عند التّسميات القديمة وما تحمله من دلالات تتّصل باللّؤلؤ والبحر.

 

وينتقل الجنبيّ في بحثه من المقارنة بين الأسطورة والبيئة البحريّة، إلى الشّعر العربيّ، مقدّمًا مجموعة من الشّواهد على حضور اللّؤلؤة في ثقافة سكّان المنطقة قديمًا، لأنّ مهنة الغوص كانت مصدرًا للعيش والثّروة، مع كلّ ما فيها من خطر، ما جعل الحصول على الدّرّة انتصارًا كبيرًا على الفناء.

 

ويستعرض الجنبي أبيات المسيّب بن علس الضّبعي البكريّ، أحد شعراء المنطقة الذين ذكروا عمليّة الغوص على اللّؤلؤ، وتشبيه حبيبته بالجمانة التي هي أكبر أنواع الدّر قائلاً:

 

كجمانة البحريّ جاء بها

غوّاصها من لجّة البحرِ

 

وكذلك يفعل أعشى قيس بن ثعلبة البكري، الذي عالج في قصيدة له قصّة غوّاص خرج لصيد اللّؤلؤ ونفسه تمنّيه بالحصول على على درّة طالما حلم بها، واصفًا كلّ ما تختلج به نفسه من مشاعر أثناء عمليّة الغوص، وصولاً إلى استخراجها قائلاً:

 

ومارد من غواة الجنّ يحرسها

ذو نيقة مستعدّ دونها ترقا

ليست له غفلة يطيف بها

يخشى عليها سرى السّارين والسّرقا

 

ويرى الجنبيّ أنّ تصويره للمغامرة البحريّة لم يكن مجرّد وصف لمهنة معروفة، بل حمل أصداء ثقافة قديمة جعلت من اللّؤلؤة شيئًا يستحقّ المخاطرة بالنفس، قبل أن يستشهد بأبيات لنهشل بن حرّيّ الدارميّ التميميّ، الذي وصف الدّرّة كشيء نفيس جدًّا، لا يُنال إلا بعد اقتحام البحر ومواجهة أهواله.

 

تناولها في لجّة البحر بعدما

رأى الموت ثمّ احتال حوت مغامسُ

فجاء بها يعطى المنى من ورائها

ويأبى فيغليها على من يماكس

 

بعد ذلك يتوقّف الجنبيّ عند شعر الفرزدق، الذي استثمر صورة الدُّرّة النّادرة والغوّاص الباحث عنها، وربط الحصول عليها بالمخاطرة والمشقّة.

 

كدرّة غواص رمى في مهيبة

بأجرامه والنّفس يخشى ضميرها

موكّلة بالدّر خرساء قد بكى

إليه من الغوّاص منها نذيرها

 

وفي هذا يؤكّد الجنبيّ استمرار حضور الصّورة نفسها للؤلؤة وما يصاحبها من جهد وعناء ومخاطر وما يطمح إليه الغوّاصون من وراء نيلهم إيّاها، مؤكّدًا علاقة هذه الشّواهد بواقع الغوص في الخليج، حيث كان الغوّاص ينزل إلى الأعماق في ظروف قاسية، وقد يتعرّض للاختناق أو الغرق أو هجوم الكائنات البحريّة. ولذلك كان استخراج اللّؤلؤة الكبيرة حدثًا استثنائيًّا، يستحقّ الاحتفاء، ويمنح صاحبه مكانة تتجاوز القيمة الماليّة للجوهرة.

 

ويخلص الباحث عبدالخالق الجنبي إلى أنّ التّشابه بين رواية جلجامش والشواهد الشعريّة العربيّة ليس تشابهًا عابرًا، لأنّه يعكس ذاكرة ثقافيّة عميقة انتقلت بين الأجيال، واحتفظت بصورها الأساسيّة رغم تغيّر الأزمنة واللّغات.

 

ويؤكّد في خاتمته ثلاثة معانٍ رئيسة: أنّ اللّؤلؤة ارتبطت قديمًا بأعماق البحر والمشقّة، وأنّ الوصول إليها كان يستدعي المخاطرة بالحياة، وأنّ هذا التصوّر يتقاطع مع الحكايات القديمة عن البحث عن الخلود. غير أنّ الربط المباشر بين اللّؤلؤة ونبتة جلجامش يظلّ قراءة تأويليّة يطرحها الباحث، لا حقيقة تاريخيّة محسومة.

 

وهكذا يعيد بحث عبدالخالق الجنبي الاعتبار إلى اللّؤلؤة بوصفها جزءًا من الذاكرة الروحيّة والثقافيّة للخليج، لا من تاريخه الاقتصاديّ وحده. ففي أعماق البحر لم يكن الإنسان يبحث عن الجمال والثروة فحسب، بل كان يطارد، في بعض تصوّراته القديمة، حلمًا أكبر من الحياة نفسها: أن ينتزع من قلب الخطر شيئًا يرمز إلى البقاء، وأن يعثر في الدُّرّة الصغيرة على صورة للخلود الذي ظلّ الإنسان يتمنّاه منذ أقدم العصور.

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد