مقالات

بيان حق التوكل


الشيخ محمد مهدي النراقي ..
بعض الناس زعم : أن حق التوكل أن يكتفى بالأسباب الخفية عن الأسباب الجلية ، كأن يسافر في البوادي التي لا يطرقها الناس بغير زاد ، بعد أن راض نفسه على جوع الأسبوع وما يقاربه ، بحيث يصبر عنه من غير ضيق قلب ، واضطراب نفس ، وتشويش خاطر، وفتور في ذكر اللّه ، وبعد أن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما يتفق له ، وأن يوطن نفسه على أنه إن مات جوعًا كان خيرًا له في الآخرة.
وكأن يجلس في مسجد أو بيته ويترك الكسب ، ويتفرغ للعبادة ، والفكر والذكر، واستغرق وقته بها ، بحيث لا يستشرف نفسه إلى الناس في انتظاره ومن يدخل فيحمل إليه شيئًا ، بل يكون قوي القلب في الصبر والاتكال على اللّه.
وهذا محض الخطأ ، إذ من جاهد نفسه وراضها بحيث يصبر على جوع الأسبوع ، ويمكنه التقوت بالحشيش ، صارت الأسباب له جلية.
فإن عدم الحاجة أحد الغنائين ، ثم إن كان اعتماده - حينئذ - على صبره وتمكنه من التقوت بالحشيش ، فأين التوكل؟ ، وإن كان وثوقه باللّه وحده ، فليقم في بلده مع الأسباب ، كما أمر اللّه به في الشرع.
وأما توطين نفسه باختياره على الموت فممنوع عقلًا ، ومحرم شرعًا ، قال اللّه سبحانه : {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة : 195].
وأما الجالس في بيته ، التارك لكسبه ، يعبد اللّه من دون طلب ، فهو أيضًا قد ترك متابعة أمر اللّه.
قال الصادق (عليه السلام) : «إن من يقوته أشد عبادة منه» ، وربما يكون مثله كلا على الناس فإن حاله ينادي بالبؤس واليأس ، بل هو ضرب على تواطن الناس وتعرض للذل ، وبالجملة لا مدخل لخفاء الأسباب وجلائها في التوكل ، بعد ما تقرر أن معناه الثقة باللّه وحده ، لا بالأسباب.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد