مقالات

فقه النّفس، وفقه الجوارح


السّيّد محمّد مهدي بحر العلوم

أوجّهُ كلامي إلی مَن فكّر بالطّلب [أي طلب السّلوك إلى الله تعالى] ولم يكن غافلاً ولا ذاهلاً بالمرّة. ومثل هذا الشّخص عليه أوّلاً أن يسعى في الطّلب، فيَجتهد في تفحّص الأديان والمذاهب علی قدر قابليّته، وينظر في الشّواهد والآيات والبيّنات والقرائن والأمارات الحسّيّة والذّوقيّة والعقليّة والحدسيّة، ويبذل في ذلك قصارى وسعِهِ من أجل أن يُدرك توحيد الله وحقيقة هدايته ولو بأدنى مرتبةِ علمِ اليقين. بل ينفعه في هذا المقام مجرّد الظنّ والرّجحان. وبعد تحصيل هذا التّصديق العِلميّ أو الرجحانيّ، يخرج من عالم الكفر ويدخل مرحلتَي الإسلام والإيمان الأصغرَين ويطويهما.
 والإجماعُ واقعٌ في هاتين المرحلتَين علی أنّ تحصيل الدّليل واجب علی كلّ مكلّف. فإنْ لم يحصل له أي رجحان بعد تفحّصه وجهده وتعقّله ونظره، فعليه أن يتعلّق بأذيال التّضرّع والبكاء والتّوسّل والابتهال والتّذلّل، وأن يصرّ في ذلك، فسيُفتَح له حتماً، كما هو المأثور عن النّبيّ إدريس عليه السلام وأتباعه. ومن الأفضل في هذه الأوقات أن ينشغل بعدّة أذكارٍ مؤثّرة في حصول اليقين في هذه المرحلة.
 فإنْ هو تخطّى هذه المرحلة، فليسعَ جهده في تحصيل الإسلام والإيمان الأكبرَين. وأوّل ما يلزمه في هذه المرحلة العِلم بأحكام وآداب وفرائض وشرائع الهادي الّذي يعتَقد به، سواء عن طريق سماعها من ذلك الهادي أم من خليفته أم نائبه، أو عن طريق فهمه لكِلامه، إنْ كان أهلاً للفهم، أو باتّباع مَن هو أهلٌ للفهم، الّذي يُدعى في الشّريعة بـ «الفقيه».
وبعد العِلم بها وتحصيلها والتّسليم والانقياد وترك الاعتراض، عليه أنْ يواظب علی العمل بها والمحافظة علی أداء الفرائض والآداب، ليزدادَ بهذا السّبب وضوحُ المعرفة واليقين بها درجةً فدرجةً، وليشتدّ بسبب العمل والآثار الإيمانُ في الجوارح، [حيث] إنّ العمل موجبٌ للعلم، والعلم مورثٌ للعمل. وقد صرّح بهذه الطّريقة في أخبار كثيرة، [منها]: «الإيمَانُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ بِمَنْزِلَةِ السُّلَّمِ يُصْعَدُ مِنْهُ مَرْقَاةً بَعْدَ مَرْقَاةً». [وقول] الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: «العِلْمُ مَقْرُونٌ بِالعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَمَنْ عَمِلَ عَلِمَ». وأصرحُ منه [قوله] عليه السّلام: «الإيمَانُ لاَ يَكُونُ إلَّا بِالعَمَلِ وَالعَمَلُ مِنْهُ، وَلاَ يَثْبُتُ الإيمَانُ إلَّا بِعَمَلٍ».
وفي تصريحات وتلويحات سيّد الأوصياء عليه السلام أنّ الإيمان الكامل يولَد من العمل. فمَن طَلَب الإيمانَ الأكبر، فعليه أن يطلبه من العمل. بَيدَ أنّ عليه في هذه المرحلة أن يكون شعارُه الرّفق والمُداراة، وأن يداوم علی كلّ عملٍ يبادر إليه، فقد ورد في الأحاديث المتواترة أنّ العمل القليل المستمرّ أفضل عند الله من الكثير غير المستمرّ.
وعليه أن يرتفع درجةً فدرجة، من أجل أنْ تَحظى جميعُ أعضائه وجوارحه بنصيبها من الإيمان، ولئلّا يبقى عضوٌ لم يَنَلْ نصيبه. ثمّ يصل به الأمر إلی حيث تنال جميع أعضائه الظّاهرة والباطنة حظّها الكامل من الإيمان، من الأوامر والنّواهي الحتميّة والتّنزيهيّة التي، لو أُهمل منها جزءٌ، لَنَقص من الإيمان بذلك القدر. ومع وجود قصور الإيمان -ولو قيدَ شعرة- يتعذّر السَّير في العالم الّذي يعلوه، وقد مرّ أنّ عوالم السُّلوك إلی الله تعالی شأنها شأن السّاعات، فما لم يَنْطَوِ المتقدّم تماماً، تعذّر الحصول علی المتأخّر.

لزوم الحظّ الإيمانيّ لجميع الأعضاء والجوارح
 ويكفي في بيان هذا المطلب قول الحقّ سبحانه وتعالی: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ المؤمنون:1إلی قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ المؤمنون:3، لأنَّ اللَّغو لا تخصيصَ له باللّسان، وكلّ عملٍ يصدر من أيِّ عضوٍ بحيث لا يوافق الأمر الإلهيّ، ولا يستوجب الثّواب والأجر والنّورانيّة، ولا يرضى به اللهُ تعالى، فإنّه يُعَدُّ لغواً.
وأهمّ الأعضـاء الّتي يجـب أن يُوفّى حظّـه من الإيمان: القلب، لأنّه أميرُ البدن، ولأنّ إيمان القلب يتعدّاه إلی سائر الأعضاء والجوارح، فيجب مراقبة القلب في جميع الأحوال. وأمّا إيمانه فبالذِّكر والتّفكّر، ولذا فقد ورد في أحاديث عديدة أنّ أفضل العبادة هو التّفكّر والذِّكر. ولذلك جاء في كتاب الله: ﴿..وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ..﴾ العنكبوت:45، وبه يحصل الإيمان التامّ ﴿..أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد:28. فإنْ تخلّفَ القلبُ عن آثار إيمانه، تخلّفت معه سائر الأعضاء: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ وقَرِينٌ﴾الزّخرف:36.

فإن حَظِيَت جميعُ الأعضاء والجوارح بنصيبها من الإيمان واعتادَت عليه، وكانت مَصُونةً عن الطّغيان والتّمرّد، شرَع السّالك في عالم المجاهدة، وهَجَر مرافقة أبناء الزّمان وأولياء الشّيطان، وارتحل عن مقتضيات الوَهم والشّهوة والغضب والعادات والآداب بمقتضى ﴿..لاَ يَخَافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئمٍ..﴾ المائدة:54، وانتَمى إلی عالم العقل، واستعانَ بعساكر العقل في محاربة حزب الهوَى وجُند الأبالسة.
وينبغي ألَّا تؤخَّر هذه المرحلة بكاملها عن جميع المراحل السّابقة، إذ كثيراً ما تكون آثار الإيمان في الجوارح منوطة بصلاح الباطن، وكثيراً ما تكون لوازم وآثار إيمان النّفس متعلّقة بأعمال الجوارح. بل هاتان المرحلتان متلازمتان في الحقيقة، بحيث إنّ النّشاط التّامّ لكلٍّ منهما يحصل في آنٍ واحدٍ.

ضرورة نيل أحكام طبّ الجوانح لإصلاح الباطن
وبإجمالٍ، فإنّ السّالك إذا خَطَى في هذه المرحلة، فإنّ أوّل ما يلزمه العِلم بأحكام طبّ الجوانح، من أجل أن يعرف المصالح والمفاسد، والفضائل والرّذائل، والدّقائق والخفايا، وحِيَل النّفس ومكائدها، ويتعرّف إلى سائر جنود إبليس؛ وهذا هو فِقه النّفس، مقابل فروع الأحكام الّتي هي فقه الجوارح. والعقل هو معلّم فقه النّفس، كما أنّ الفقيه هو معلّم فقه الجوارح. ويدلّ عليه حديث: «العَقْلُ دَلِيلُ المُؤْمِنِ»، وحديث: «إنَّ للهِ عَلَی النَّاسِ حُجَّتَيْنِ: حُجَّة ظَاهِرَة وَحُجَّة بَاطِنَة. أَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالأنْبِيَاءُ وَالأئِمَّةُ، وَأَمَّا البَاطِنَةُ فَالعُقُولُ».
لكنّ أكثر العقول قد تَكدَّرت بدخولها في عالم الطّبيعة، ومنازعتها جُنود الوَهم والغضب والشّهوة، فأضحت قاصرةً عن إدراك دقائق مكائد جُند الشّيطان وسبيل التّغلّب عليهم، لهذا لا مناصّ لها من الرّجوع إلی الشّرع والقواعد المقرّرة فيه، حيث قال صلّى الله عليه وآله: «بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخْلاقِ». فلا مفرّ للطّالب في هذه المرحلة أيضاً من الرّجوع إلی الهادي، أو إلی خليفته، أو نائبه، أو فهم كلماته.

ونظراً لضرورة الاستنباط في هذه المرحلة واستخراج دقائقه، ومعرفة الأمراض النّفسانيّة ومعالجاتها، وتشخيص المصالح والمفاسد، ومعرفة مقدار دواء كلّ شخص وطريقة معالجته الخاصّة، فإنّ القائم بهذا الاستنباط -باعتبار دقّته وخفائه- يجب أن يكون تامّاً ذا نظرٍ ثاقبٍ، وقوّةٍ كبيرةٍ، ومَلَكةٍ قدسيّةٍ، وعلمٍ غزيرٍ، وسعيٍ كثيرٍ. ولهذا السّبب، فإنّ حصول هذا العلم قبل العمل به أمرٌ مُتعسِّر، بل مُتعذِّر. ولا مفرّ للطّالب -والحال هذه- من الرّجوع إلی الهادي أو مَن يقوم مقامه...

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد