متابعات

حبيب المعاتيق عبر بودكاست (كنّاش): من البيئة إلى قصيدة الضّوء وضوء القصيدة

تابع الشّاعر والفوتوغرافيّ حبيب المعاتيق الذي حلّ ضيفًا على بودكاست (كنّاش) حديثه عن نشأته الأولى في الرّبيعيّة إحدى قرى جزيرة تاروت في القطيف، حيث عاش الطّفولة الجميلة بكلّ ما فيها من براءة، ممارسًا الألعاب الشّعبيّة، وخائضًا تجارب الصّيد التّقليديّة، فقد كان البحر بالنّسبة إليه أكثر من مجرّد مشهد طبيعيّ، كان جزءًا أصيلاً من الحياة اليوميّة، وساحة للاكتشاف والمغامرات، كما كانت كذلك أزقّة الحارات القديمة.

 

هذه التّجربة، تركت في المعاتيق أثرها العميق في وعيه، لأنّها أعطته معرفة مباشرة بالمكان، وبإيقاعه، وبالعلاقات الاجتماعيّة التي تنشأ حوله، وهذا – كما يرى المعاتيق – أغناه وأبناء جيله نفسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، فالطّفل ابن الحارة والبحر والطّبيعة، يكتسب وعيًا معرفيًّا كبيرًا لا توفّره النّظريّات، مشدّدًا على أنّه مدين لطفولته بكثير من وعيه الحياتيّ والاجتماعيّ.

 

وقال المعاتيق إنّ هذه الذّاكرة وهذا الوعي، دائمًا ما يظهران بشكل واضح وجليّ في قصائده التي تسعيد الطّفولة والمكان والزّمان، فهو إذا ما كتب قصيدة كذلك، لا يستعيد مجرّد أحداث عابرة، ولا يستدعي مجرّد صور ماثلة في ذاكرته، إنّما يستنطق عالـمًا كاملاً، ويعيد إحياءه بكلّ ما يحمل من أصوات ووجوه وروائح ومشاعر، ولأجل ذلك فإنّ قصائده التي تستعيد الطّفولة هي الأقرب إلى قلبه، لأنّه يعود من خلالها إلى زمن ممتلئ بالحياة والدّهشة.

 

ومن القرية إلى المدرسة، حيث وجد المعاتيق نفسه متعلّقًا بموادّ اللّغة العربيّة، بخاصّة النّحو والإملاء والتّعبير والنّصوص والأناشيد، قائلاً إنّه لم يكن متفوّقًا ولا يدّعي ذلك، لكنّه بشكل خاصّ كان يرتاح لدروس اللّغة، وللقصائد المدرسيّة التي كانت تفتح أمامه مديات شاسعة للاستمتاع والحفظ والإنشاد.

 

كانت الأناشيد والنّصوص بالنّسبة إليه البوابة إلى الإيقاع الشّعريّ، فقد حفظ كثيرًا منها وردّدها، واطّلع على نصوص أخرى من خارج المنهج، مدفوعًا باهتمام شخصيّ باللّغة والشّعر، حتّى بدأت ملامح علاقته بالقصيدة الوجدانيّة تتكوّن، قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى ممارسة واعية للكتابة.

 

ولم تتبلور تجربة المعاتيق الشّعريّة من المدرسة فقط، إنّما رفدتها الصّحبة الجامعيّة وتعلّم العروض والاحتكاك بالمساجلات،  حتى انتقل من محبّ للقصيدة إلى شاعر يكتبها وفق قواعدها، قبل أن يستحضر عددًا من معلّميه الذين تركوا في نفسه أثرًا طيّبًا، مؤكّدًا أنّه مدين لهم بالكثير، لأنّ المعلّم لا يتوقّف أثره عند حدود الدّرس، إنّما يتعدّى ذلك إلى بناء شخصيّة الطّالب وذاكرته.

 

وللمعاتيق ارتباط فنّيّ آخر، هو فنّ التّصوير الفوتوغرافيّ، فهو يرى أنّ العلاقة بين المجالين تقوم على اشتراكهما في المادّة الأساسيّة، وهي الصّورة، فالشّعر يقوم على الصّورة اللّغويّة، بينما يقوم التّصوير على الصّورة الضوئيّة، لكنّ كلّ واحد منهما يحاول إعادة تشكيل الواقع ومنحه دلالة تتجاوز حضوره المباشر.

 

القصيدة عند المعاتيق تتكوّن من الكلمات والتّشبيهات والاستعارات والإيقاع، أما في التّصوير فتتكون من الضّوء والظّلّ والزّاوية واللّحظة، وفيما يقتنص المصورّ مشهدًا عابرًا ويمنحه ثباتًا بصريًّا، يقوم الشّاعر بتحويل المشهد نفسه إلى معنى يستقرّ في الذّاكرة، وهكذا فإنّ التّصوير خدم تجربة المعاتيق الشّعريّة، لأنّه درّبه على النّظر والانتباه إلى التّفاصيل.

 

المصوّر عند المعاتيق لا تكفيه الأشياء كما تظهر، لأنّه يبحث عن زاوية خاصّة تكشف ما لا يراه الآخرون، وهذه السياسة تجاه التّفاصيل تتقاطع مع عمل الشّاعر الذي يبحث داخل المشهد عن إحساس أو فكرة أو علاقة خفية، لذلك فإنّ الصّورة عند المعاتيق ليست منفصلة عن القصيدة، فهي طريق آخر للوصول إلى المعنى نفسه.

 

ويقول المعاتيق إنّ منتهى المدح للصّورة الفوتوغرافيّة أن توصف بأنّها قصيدة، كما أنّ منتهى المدح للقصيدة أن يقال إنّها تشبه صورة فوتوغرافيّة، ففي الحالتين يحضر الإعجاب بقدرة العمل على تكثيف التّجربة، وتحويل لحظة محدودة إلى مساحة واسعة من التّأمّل.

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد