
إنّ الله سبحانه وتعالى إنّما يصطفي من عباده من يتمتّع بخصائص فذّة، تجعله قادرًا على أداء المهامّ الكبرى الموكلة إليه، وتحقيقها بالنحو الأكمل. والأنبياء العظام (عليهم السلام) هم المصداق الأبرز لهذا الاصطفاء الإلهيّ الربانيّ. فلا بدّ أن يكون المرسَل من قبله تعالى مستوعبًا للرسالة وأهدافها، وقادرًا على أداء الدور المطلوب منه على مستوى تلقّي الوحي، وتبليغه وتبيينه وتطبيقه، وصيانته والدفاع عنه، وهذا ما يتطلّب العلم والبصيرة والمعرفة، وسلامة النفس، والصبر والاستقامة، والشجاعة، بل والقدرة على إدارة شؤون الأمّة التي ينطلق منها، وينشر دعوته في أصقاع الأرض.
وقد تجسّدت تلك الصفات الربّانيّة والقياديّة في شخصيّة خاتم الأنبياء محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). فكانت سيرته قبل النبوّة مليئة بالمواقف التي تكشف عن سرّ تلك الشخصيّة العظيمة، حتّى صدع بالنبوّة والرسالة، وابتدأ تأسيس دولته في شبه الجزيرة العربيّة.
الإعداد الإلهيّ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة
كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ بدء أمره محدّثًا مسدّدًا مؤمنًا موحّدًا، يعبد الله، وكان أفضل الخلق وأكملهم خَلْقًا وخُلُقًا وعقلًا. فعن الإمام عليّ (عليه السلام) في وصف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "ولقد قرن الله به من لدن أن كان فطيمًا أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره"[1].
ورُوِي أنّ بعض أصحاب الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) سأله عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾[2].
فقال (عليه السلام): "يوكل الله تعالى بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم، ويؤدّون إليه تبليغهم الرسالة، ووكّل بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ملكًا عظيمًا منذ فصل عن الرضاع، يرشده إلى الخيرات، ومكارم الأخلاق، ويصدّه عن الشرّ ومساوئ الأخلاق، وهو الذي كان يناديه: "السلام عليك يا محمّد، يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"، وهو شابٌّ لم يبلغ درجة الرسالة بعد"[3].
ظهور جبرائيل على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوّل صلاة
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يغدو كلّ يوم إلى غار حراء، يصعده وينظر من قلله إلى آثار رحمة الله، وإلى أنواع عجائب رحمته، وبدائع حكمته، وينظر إلى أكناف السماء، وأقطار الأرض والبحار، والمفاوز والفيافي، فيعتبر بها. ولمّا أتى عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعٌ وثلاثون سنة، نظر إلى شخص يقول له: "يا رسول الله!"، فقال له: "من أنت؟"، قال: "أنا جبرئيل، أرسلني الله إليك ليتّخذك رسولًا..."[4].
وكان الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يألف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويكون معه في مجيئه وذهابه لا يفارقه، وكان عمره آنذاك سبع سنين. فدخل عليه وهو يصلّي، فقال: "يا أبا القاسم ما هذا؟"، قال: "هذه الصلاة التي أمرني الله بها". فعلّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الوضوء والصلاة، فكان ثاني من صلّى، وسبق الناس كلّهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، وإلى الصلاة بسبع سنين، وكان يسمع الصوت ويبصر الضوء سنين سبعًا[5].
وكذلك، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما جاء أهله مبشّرًا بالرسالة، آمنت به السيّدة خديجة (عليها السلام)، فكان لا يصلّي، قبل البعثة، إلّا رسول الله، وعليّ وخديجة، وكانت أوّل صلاة صلّاها عليّ (عليه السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر ركعتين[6].
وكان النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم) إذا حضرت الصلاة يخرج إلى شعاب مكّة، مستخفيًا من قومه، ويخرج معه عليّ فيصليّان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا[7].
وروي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾[8]، قال: "نزلت في رسول الله وعلي بن أبي طالب وهما أوّل من صلّى وركع"[9]. وعن الإمام عليّ (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): نزلت عليَّ النبوّة يوم الاثنين، وصلّى عليٌّ معي يوم الثلاثاء"[10].
البعثة النبويّة
بعد أن أعدّ الله نبيّه محمّدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) وهيّأه لحمل الرسالة، وأداء الأمانة الكبرى، وإنقاذ البشريّة، اختاره الله سبحانه نبيًّا ورسولًا للبشريّة جمعاء، وأنزلت النبوّة عليه، وبعثه الله إلى خلقه رحمةً للعالمين[11].
أنزلت عليه النبوّة وهو ابن أربعين سنة، في السابع والعشرين من شهر رجب. فقد رُوِي عن الحسن بن راشد، قال: قال الإمام الصادق (عليه السلام): "ولا تدع صيام يوم سبع وعشرين من رجب، فإنّه اليوم الذي أنزلت فيه النبوّة على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)"[12].
وبعد تلقّيه ذلك البيان الإلهيّ، عاد إلى أهله مستبشرًا مسرورًا بما أكرمه الله به، مطمئنًّا إلى المهمّة التي أوكلت إليه.
ولقد أحاطت بالبعثة النبويّة روايات وأساطير وخرافات، فلم يكن رسول الله ضعيفًا ومهزوزًا إلى الدرجة التي يظنّ فيها نفسه مجنونًا، وأراد أن يرمي بنفسه عن شاهق، وأنّ خديجة هي التي هدّأته! فكانت أعقل منه، وحاشا لرسالة السماء أن تحتاج أيضًا إلى مثل ورقة بن نوفل لكي يقنع النبيّ بأنّه رسول هذه الأمّة!!
بل من الثابت أنَّ البيئة والظروف المحيطة بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حين البعثة هيّأته للمهمّة الكبرى، ولرؤيته (صلى الله عليه وآله وسلم) لجبرائيل وتلقّي الوحي، فقد رُوِي عن زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف لم يخف رسول الله فيما يأتيه من قبل الله أن يكون ذلك ممّا ينزغ به الشيطان؟، فقال (عليه السلام): "إنّ الله إذا اتّخذ عبدًا رسولًا أنزل عليه السكينة والوقار، فكان يأتيه من قبل الله عزَّ وجلّ مثل الذي يراه بعينه"[13].
الدعوة السريّة إلى الإسلام
مكث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد أن بُعث نبيًّا، في مكّة ثلاث سنين، متخفّياً خائفًا على الدعوة من قريش وجبروتها وطغيانها يترقّب، ولا يظهر أمره علنًا إلى الناس[14].
وعلى ما يبدو، فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، على الرغم من أنّ دعوته للناس بقيت سريّة، فقد أظهر حقيقة الأمر، وأعلن أنّه نبيٌّ مرسل من الله تعالى، ولم يخفِ ذلك، ولم تكن ردّة فعل المشركين خلال الدعوة السريّة على إعلانه أنّه نبيٌّ مرسل ذات بال، فلم يهتمّ المشركون كثيرًا لذلك، بل عدّوه تطرّفًا من بني هاشم، وادّعاء للنبوّة منهم. ولكنَّ قريشًا بقيت تستطلع الأخبار التي أصبحت حديث الساعة في مجالسها، فاستمرّت تلك المرحلة الأولى من الدعوة السريّة ثلاث سنوات بأمن وأمان، حتّى كثر المسلمون، واضطرّوا للخروج إلى الشعاب والجبال لأداء الصلاة، فارتفعت إمكانيّة الصدام مع قريش، وحصلت بعض الاحتكاكات الطفيفة بين الطرفين.
وفي أواخر الدعوة السريّة، تعمّد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة علنًا في المسجد الحرام، قرب الكعبة، ربّما لأجل أن يستدرج من يريد أن يعرف الحقيقة، فقد ظهر هو وعليّ عليه السلام وخديجة على الملأ، في صلاة جماعة علنيّة في المسجد الحرام[15].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب: السيرة النبوية المباركة - دار المعارف الإسلامية الثقافية
[1] الشريف الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، دار النهضة، الناشر: دار الذخائر، قم، إيران، 1412هـ، ط1، الخطبة القاصعة رقم 192، ص137.
[2] القرآن الكريم، سورة الجنّ، الآيات 26 ـ 28.
[3] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج13، ص207.
[4] الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، إيران، 1417هـ، ط1، ص 36.
[5] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج1، 15.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج8، ص279.
[7] ابن هشام، السيرة النبويّة، مصدر سابق، ج1، ص 263.
[8] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 43.
[9] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، مصدر سابق،ج1، ص296.
[10] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج38 ، ص 246.
[11] الشيخ الكليني، الكافي، ج4، ص149، الشيخ الطوسيّ، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، تحقيق وتعليق: السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران، 1364هـ.ش، ط3، ج1، ص438.
[12] الشيخ الكليني، الكافي ج2، ص149، الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص90، الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج1، ص438، الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، تحقيق: مؤسسة البعثة، الناشر: دار الثقافة، قم، إيران، 1414هـ، ط1، ص 28.
[13] العلامة المجلسي، بحار الأنوار ج 18 ص 262 ، للتوسعة حول الموضوع، راجع: السيّد جعفر مرتضى العامليّ، الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم، ج2، ص289.
[14] الشيخ الصدوق، إكمال الدين، مصدر سابق، ص 189 و197.
[15] الشيخ الطبرسي، إعلام الورى، 38، الشيخ المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد، تحقيق: مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، الناشر: دار المفيد، بيروت، لبنان، 1993هـ، ط2، ص30. أبو جعفر الإسكافيّ، محمد بن عبد الله، المعيار والموازنة، تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، لا.د، لا.ن، 1981م، ط1، ص 66، القاضي النعمان، النعمان بن محمد، شرح الأخبار، تحقيق: السيد محمد حسين الجلالي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، قم، إيران، 1414هـ، ط2، ج1، 179.
الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (2)
محمود حيدر
معنى (كدر) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
انفجار البحار في القرآن الكريم
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الصدقات نظام إسلاميّ فريد (2)
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
التجلّيات السّلوكية والعمليّة لذكر الله تعالى
الشيخ محمد مصباح يزدي
الأساس العصبي للحدس: هل يستطيع دماغك فعلًا أن يعرف قبل أن تعرف أنت
عدنان الحاجي
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أربع قواعد ألماسية في علاج المشاكل الزوجية
الشيخ مرتضى الباشا
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (2)
من غار حراء إلى الرسالة: ميلاد البعثة المباركة
البعثة والنبوّة
أزليّة في موسم العشق
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
معنى (كدر) في القرآن الكريم
انفجار البحار في القرآن الكريم
الدّين وعقول النّاس
العلماء تحدثوا إلى الناس في أحلامهم… فأجابوا!
الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (1)