مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مهدي الآصفي
عن الكاتب :
عالم ومفكر اسلامي كبير، واستاذ في الحوزة العلمية، توفي(٤/٦/٢٠١٥)

شروط النصر (4)

 (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّٰا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسٰاءُ وَالضَّرّٰاءُ)[1].

 

ولو أن العاملين كانوا يعلمون بموقعهم من الله، وما يحيطهم من رحمة الله وهم في ظروف المحنة القاسية، ولو كانوا يعلمون وهم ثابتون، لا يتزلزل لهم قلب، تحت وطأة المحنة: أن ملائكة الله تتباهى بهم، وتهنئهم، لخفّت المحنة عليهم، وآثروا أن تقطع أعضاؤهم في سبيل الله، وتدوم بهم هذه المحنة حتى يأذن الله.

 

ولو أنهم كانوا يعلمون أن هذه المحن القاسية التي يمرون بها هي النصر الحقيقي لهم، وهي تعدّهم للغاية التي من أجلها خلقوا، وتسلك بهم سبيلاً صاعداً إلى الجنة، لم تثقل المحنة عليهم.

 

إن الغاية والنصر الحقيقي في حساب الله هي هذه المحن، إذا خرج منها المؤمنون العاملون منتصرين، لم يتزلزلوا، ولم يضطرب لهم قلب، وأما النصر في الساحة، فهو فرحة فقط، وشتان ما بين حساباتنا وحسابات الله تعالى.

 

واستمعوا معي إلى هذه الآيات المباركة من كتاب الله:

 

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَیٰ تِجَٰرَةٍ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٍ 10 تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِی سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ ۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٌ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 11 يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٍ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةً فِی جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 12 وَأُخۡرَیٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصۡرٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ)[2].

 

ونقف وقفة قصيرة عند هذه الآيات المباركة… إن الفوز العظيم هو المغفرة، والجنة التي تجري من تحتها الأنهار، والمساكن الطيبة في جنات عدن، والطريق إلى هذا الفوز هو الإيمان والجهاد بكل متاعبه ومشاقه، وببذل الأنفس والأموال. ذلك الخير، ذلك الفوز، ذلك النصر.

 

وأما الفتح الذي نحبه نحن، ونفرح به، فهو حاصل بالتأكيد، وهو قريب، ويبشرنا به الله تعالى: (نَصۡرٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ).

 

ولا ينبغي أن نشك فيه، ولا يُخلف الله وعده، ولكنّه فرحة فقط، نحبّها، وأمّا الفوز العظيم فهو أمر آخر؛ إنه المحنة، إنه حالة مخاض النصر، إنه الغاية من المخاض.

 

ولست أريد أن أقول؛ إن ما يكسبه العاملون في فترة المخاض لا تقل فقط عما يكتسبه العاملون في حالة النصر؛ بل أقول: إن الفوز العظيم في المخاض، وما النصر إلاّ فرحة، يحبها المؤمنون، ويبشرنا بها الله تعالى.

 

وقد قلت من قبل؛ إن المحنة سُلَّم صاعد ونازل، وكما يصعد منه أناس بتوفيق الله، يهبط منه أناس بإغواء الشيطان، ولا يفارق تأييد الله تعالى القلة المؤمنة في محنتهم، ولكنها على كل حال قاسية وصعبة، وبحاجة إلى كثير من الصبر، والثبات، وذِكرِ الله كثيراً، فإنّ ذِكرَ الله يبعث الطمأنينة والسكينة في القلوب. (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّٰهِ أَلاٰ بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[3].

 

كما أن معايشة الأنبياء والمرسلين والدعاة إلى الله تعالى من السلف الصالح في حياتهم ومحنتهم، تبعث الطمأنينة والثبات في القلوب، ولقد كان الله تعالى يثبّت فؤاد نبيه (ص) ، بما يحكي له من قصصهم ومحنهم وثباتهم على القول الحق: (وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبٰاءِ الرُّسُلِ مٰا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤٰادَكَ)[4].

 

وبعد؛ فقد جاء النصر، والحمد لله، في رقعة مباركة من رقاع العالم الإسلامي العريض، وحقق الله وعده، وله الحمد ملء السماوات والأرضين، وعدد أنفاس الخلائق، وله الشكر فوق شكر الشاكرين، وكما يحب تعالى ويرضى.

 

جاء النصر في هذه الرقعة الإسلامية بعد مخاض قاس، شديد، ومحنة قاسية، ثبت فيها أناس، ولله الحمد، وتساقط فيها آخرون، ونستغفر الله، وثبت فيها المؤمنون حيناً، ولله الحمد، وزلزلوا فيها حيناً، ونستغفر الله. ولسوف يتوالى النصر، إن شاء الله، متلاحقاً، مباركاً، متوالياً…

 

فقد انتهت فترة الظلمة، أو كادت أن تنتهي، وانقطع نفَس الاستعمار والشيطان والطغاة، وثبت أن نفَس المؤمنين في المعركة أقوى وأطول من نفَس الكافرين، ذلك أن: (اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمٰاتِ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ)[5].

 

وفي نهاية هذه المرحلة القاسية من المحنة، نعود إلى الله تعالى لنشكره، ونعتذر؛ شكراً على ما أنعم علينا من الرحمة، واعتذاراً مما سبق منا في مرحلة الفتنة من الضعف، واليأس، والتقاعس، والزلل، وهو الحميد الغفور.

 

أجل فترة المحنة، هي أصعب فترات التعامل مع الله، وأشدها وقعاً على المؤمنين، وأكثرها أخذاً وعطاء في التعامل معه (عز وجل).

 

وقد سبق من المؤمنين العاملين في هذه الفترة كثير من الزلل، والضعف، والخوف، وكادوا أن يجنحوا إلى اليأس، وكادت قلوبهم أن تميل إلى الراحة والعافية، تحت ضراوة المحنة، وزلزلوا أحياناً، وتعثروا أحياناً أخرى، وكادوا أن يستسلموا لتشكيك المشككين، وتثبيط المثبّطين، عندما طالت عليهم الفتنة، وبعدت عليهم الشُّقة… ولكن الله تعالى ثبّتهم، وطمأنهم، وأمدهم بالقوة والإيمان، وأراهم آياته البيّنات، في يقظتهم، وأحلامهم، وأمسكهم من الزلل، وأقالهم من عثراتهم، وأعاد إليهم النافر من قلوبهم، وزجر عنهم الشيطان، وأبقاهم تحت المحنة ما تحملوا، فإذا نفذ صبرهم، أعمى عنهم عيون أعدائهم، وأصمّ آذانهم، وكمّم أفواههم.

 

ولقد كانوا، برحمة الله، يرون الله تعالى شاهداً وسامعاً وهم تحت السياط، فيخف عليهم وقع التعذيب، ويمرون أحياناً على مرأى ومسمع من أعدائهم فلا يرونهم برحمة الله.

 

ولقد كانوا يخطئون الخطأة، ويعثرون العثرة، فيسددهم الله. ولقد كانوا يتركون عوائلهم فارين، مهاجرين، أو مقبوضاً عليهم بلا مؤن، ولا حيلة، ولا رزق، فيرزقهم الله.

 

ولقد كانوا يخافون في غياهب السجون، وفي مآسي الهجرة أن تنحرف عوائلهم، أو كانوا يجزعون لفراقهم، فتعود إليهم عوائلهم أو يعودون إليهم، فيرون أن الله تعالى قد أسبغ عليهم رحمته وحمايته وتسديده.

 

ولقد كانوا يهاجرون إلى بلاد نائية، يفقدون فيها الأمن، والمال، والأهل، فيرزقهم الله الأمن، والمال، والأهل، والأصدقاء. ولقد كانوا يخشون على إيمانهم أن يتزلزل، ومن أنفسهم أن يتساقطوا تحت وطأة التعذيب، فيمدهم الله بالإيمان على إيمانهم، وبالنور على نورهم، وبالقوة على قوتهم التي آتاهم من قبل.

 

ولقد كانوا يخشون ألا تتحمل أجسادهم قسوة العذاب، فيرزقهم القوة، والصبر، والجَلد في إيمانهم. ولقد كانوا يخافون أن يتعرض الطاغية لأعراضهم، فتُظلم الدنيا في أعينهم، فيعمي الله عيون أعدائهم عن عوائلهم، وأعراضهم، ولا يمسونهم بسوء أو شر.

 

ولقد كانوا يخافون أن يتركوا من ورائهم آباء عاجزين، وأمهات عجزة، وأبناءً صغاراً، ونساءً لا حيلة لهم في العيش من بعدهم، فيعطف الله عليهم قلوب قوم مؤمنين، فيواسونهم في أرزاقهم، ويقاسمونهم لقمة عيشهم.

 

الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، عدد أنفاس الخلائق، الحمد لله فوق حمد الحامدين، والحمد لله عدد قطر الماء، والحمد لله كلما حمد الله حامد، وكلما سبّح الله مسبح، والحمد لله عدد الرمل والحصى، والحمد لله عدد أمواج البحار، والحمد لله كلما هبَّت ريح، والحمد لله كلما شرق شارق وكلما غرب غارب، والحمد لله كما يحب ويرضى.

 

ونستغفر الله مما سبق منا من زلل، وخوف، وميل إلى اليأس والدنيا، ونستغفر الله كلّما هجس في نفوسنا هاجس بأنَّ الله تعالى قد تخلّى عنا، ونستغفر الله من حب الراحة والعافية. نستغفر الله من سقطات أعمالنا، ومن كبائر ذنوبنا وصغائرها.

 

(رَبَّنٰا لاٰ تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا رَبَّنٰا وَلاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا رَبَّنٰا وَلاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ وَاعْفُ عَنّٰا وَاغْفِرْ لَنٰا وَارْحَمْنٰا أَنْتَ مَوْلاٰنٰا فَانْصُرْنٰا عَلَى الْقَوْمِ الْكٰافِرِينَ)[6]. أجل؛ شُكر، واعتذار، وحمد، واستغفار، في نهاية هذه المرحلة من التعامل مع الله تعالى.

 

ولنقرأ معاً هذه الآيات البيّنات من كتاب الله تعالى، ونختم به هذا الحديث، فمسك الختام كلام الله.

 

(بسم الله الرحمن الرحيم) (إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَ ٱلۡفَتۡحُ 1 وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِی دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجًا 2 فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَاۢ)[7]. (هٰذٰا مٰا وَعَدَنَا اللّٰهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّٰهُ وَرَسُولُهُ)[8].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البقرة: 214.

[2] الصّف: 10 – 13.

[3] الرعد: 28.

[4] هود: 120.

[5] البقرة: 257.

[6] البقرة: 286.

[7] النصر.

[8] الأحزاب: 22.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد