
الأمر الثاني ـ الطاعة لله جل جلاله والاستقامة على أمره:
الهدف من الخلق وفق منهج الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض هو العبودية التامة والطاعة المطلقة لله ذي الجلال والإكرام، فلم يخلق الإنسان عبثًا، ولم يخلق ليرتكب المعاصي والرذائل، وإنما خلقه ربه سبحانه وتعالى للعلم والعمل الصالح، وإظهار مواهبه وقدراته التي منحه الله جل جلاله إياها من أجل البناء والتعمير، ليحاكي صفات الله ذي الجلال والإكرام وأسماءه الحسنى، ويعبر عن إرادته التشريعية في الحياة، فيكون خليفته في الأرض بحق وحقيقة، ويتمكن من تشييد حضارة إنسانية متوازنة وشامخة على الصعيدين المادي والمعنوي. وقد نهاه ربه جل جلاله عن الظلم والإفساد والإضرار بالخلق والخليقة وعن الخمول والكسل وعن أتباع الهوى والشيطان، لكي لا ينسلخ من إنسانيته السامية الشامخة، فيبوء بغضب ربه جل جلاله وسخطه، ويكون مستحقًّا لعقابه له في الدنيا والآخرة.
ومما سبق نتوصل إلى النتائج المهمة التالية ..
النتيجة الأولى: أن أول مسؤولية يتحملها الإنسان المؤمن بخط الخلافة الإلهية في الأرض، هو أن يعيش الإسلام كلّه: عقيدة وشريعة ومنهجًا وهدفًا في الحياة، وهذا يتطلب منه الكفر بالباطل والطاغوت، وأن يكون متبعًا للحق والعدل ومطيعًا لأئمة الهدى في جميع جوانب حياته الفردية والمجتمعية، وإلا فالبديل هو الضياع والضلال والقلق الذي لا نهاية له أمد الحياة والانسلاخ من الإنسانية الحقة، وخسران الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة : 256).
وقال الله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه : 123 ـ 124).
النتيجة الثانية: أن قيمة أية أطروحة وقيمة أي موقف تكون بحسب ما يختزن فيهما من العلم الحق والمعرفة الراسخة والخبرة الصائبة في الحياة {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (الإسراء : 36) ويجب وفق منهج الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض، أن تكون أفعال الإنسان ترجمة صادقة للعلم والمعرفة والخبرة، ليكون الإنسان مسلمًا عقلًا وقلبًا وسلوكًا وحركة في الحياة، وهذا يتطلب أن يتعلم الإنسان المؤمن بالخلافة الإلهية الرسالة الإلهية، وأن يعيشها بكل جوارحه في مضمونها العقائدي والأخلاقي والشرعي والسياسي والاجتماعي قولًا وعملًا، من أجل تحقيق غاياتها العظيمة في الحياة.
النتيجة الثالثة: يجب على الإنسان أن يتدبر ويسأل نفسه عن صحة كل أطروحة يتقدم بها أو يسمعها وصواب كل موقف يتخذه في الحياة على أساس المسؤولية أمام الله جل جلاله والتاريخ وفق منهج الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض.
يقول العلامة السيد فضل الله: ”فليست القضية كلمة تقولها، أو نظرة تلقيها، أو فكرة تنتمي إليها، ولكن القضية هي كيف تحرز ذلك كلّه، وكيف تجيب ربك عن ذلك كله” (الندوة . ج2 . ص99).
فعلى كل من يؤمن بمنهج الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض، أن يكون صاحب رأي وموقف، وأن لا يذوب في الأشخاص، وأن لا يكون إمعة ينعق مع كل ناعق ويميل مع كل ريح، وأن لا يسمح لأحد أو طرف مهما كان بأن يجلبه إلى موقعه أو يستغل قوته وقدراته للوصول إلى أهدافه بغير إرادة منه، فلا يترك للآخرين أن يفكروا ويحددوا المواقف نيابة عنه، ليقوم هو بعد ذلك بتحديد مواقفه ويوالي ويخاصم على ضوء تفكيرهم، فيسمح بذلك أن يدخل الانحراف إلى تفكيره، والضعف إلى نفسه، باسم الدين على غير علم أو إرادة منه، فمن الممكن من خلال الاتباع الأعمى والعاطفي للأشخاص، أن يرفض الحق ويعاديه على أساس أنه باطل، ويقبل بالباطل ويعمل به على أساس أنه حق، وهذا على خلاف مقتضى الخلافة الإلهية للإنسان، ومما لا يرتضيه عاقل إلى نفسه.
فعلى كل مؤمن بمنهج الخلافة الإلهية للإنسان، أن يكون صاحب رأي وصاحب موقف، فيشارك الآخرين في آرائهم، ويتحمل مسؤولية المواقف المشتركة معهم، فإن أخطأوا ساهم في تصحيح أخطائهم، وإن أصابوا ساهم في زيادة بصيرتهم، وإن ضعفوا ساهم في تقويتهم، وإن تصلبوا في أتباع الحق والدفاع عنه ساهم في زيادة تصلبهم وقوتهم في ذلك.
وهذا يتطلب منه ثقة كبيرة بالنفس تتناسب مع حجم المسؤولية التي يفرضها منهج الخلافة الإلهية وخطها على الإنسان المؤمن بها في الحياة، كما يتطلب منه تجردًا وحرية في التفكير وبعدًا عن المزاجية بحثًا عن الحق في الأطروحات والصواب في المواقف، وأن تكون أطروحاته ومواقفه في الحياة في غاية الوضوح والشفافية، لا لبس فيها ولا غموض، فهو يضع النقاط على الحروف مع اختلاف الرأي في المسائل والقضايا الكبرى والحيوية في الحياة، ويضع الفواصل بين أطروحاته ومواقفه وأطروحات المخالفين لخط الخلافة الإلهية والمعادين لها ومواقفهم في الحياة، من أجل أداء حق أمانة الاستخلاف عليه، وخدمة قضايا الإنسان الكبرى، وتحقيق واقع أفضل للإنسان تحفظ فيه إنسانيته وكرامته، ويشعر فيه بالأمن والاستقرار والسعادة والرخاء.
اعلموا بأن كل انتماء لا تتحدد أطروحاته ومواقفه بوضوح لا لبس فيه وتوضع فيه النقاط على الحروف، هو انتماء ضعيف لا قيمة له ولا جدوى منه في الحياة.
النتيجة الرابعة: أن يكون المؤمن بمنهج الخلافة الإلهية والملتزم عمليًّا بها أول العاملين بالحق والعدل والمتحملين لمسؤولية الدعوة إليهما، فهو لا ينتظر تحرك الآخرين ليتلقوا الصدمات والخسائر من القوى المعادية المضادة دونه ثم يكون هو المتحرك ثانيًا أو ثالثًا ليكون في مأمن من الصدمات والخسائر، ولكنه دائمًا في أول القافلة، ليكون أرضا الناس عند جبار السماوات والأرض، وأقربهم منزلاً منه، وأخصهم زلفة لديه، وهذا ما يفعله الشهداء بالضبط والحقيقة، وهم الحجة على الناس في ذلك، وقدوتهم الحسنة فيه.
ميتافيزيقا العرفان السياسي (2)
محمود حيدر
الشهادة في ظل الخلافة الإلهية للإنسان (3)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
أهمّ عناصر النصر (2)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
معركة أحد في 15 شوال عام 3 للهجرة
الشيخ جعفر السبحاني
فلسفة الجهاد
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (فتر) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ممتنع الوجود
الشيخ محمد جواد مغنية
الجهاد من الإيمان
السيد عبد الحسين دستغيب
لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
عدنان الحاجي
بين العالم والرّوح العلميّة
الشهيد مرتضى مطهري
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (8)
ميتافيزيقا العرفان السياسي (2)
الشهادة في ظل الخلافة الإلهية للإنسان (3)
أهمّ عناصر النصر (2)
معركة أحد في 15 شوال عام 3 للهجرة
(صوتك قوّة) أمسية خطابيّة لنادي النّسيم في جمعيّة أم الحمام الخيريّة
(المرأة، وممرّات الكتابة السّريّة) أمسية أدبيّة لنادي (قوافي) قدّمتها الشاعرة الهميلي
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
لماذا الإعراض عن البحث عمّا وراء الطبيعة؟ (1)
ميتافيزيقا العرفان السياسي (1)