مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ رضا الصغير
عن الكاتب :
طالب علوم دينية في حوزة قم المقدسة

الهروب من الناس


الشيخ رضا الصغير ..

من وصية الإمام الكاظم عليه السلام لهشام ابن الحكم قال : "يا هشام إياك ومخالطة الناس والأنس بهم إلا أن تجد منهم عاقلاً مأموناً فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية" (١)..
ذكر الإمام صلوات الله وسلامه عليه تنبيهاً وتحذيراً لهشام وهو تنبيه إرشادي، يرشده ويدله على الطريقة المثلى لتحقيق النجاح والفوز والراحة النفسية:
أن تبتعد عن جمهور الناس، بل عن كل الناس وتستوحش منهم إلا فئة وهي فئة العقلاء فلماذا ؟!
لو رجعنا إلى نفس الإنسان وحاولنا قراءتها كما يصرح بذلك بعض علماء الأخلاق فإن النفس الإنسانية يوجد بها قوى متعددة، وكل قوة مسؤولة عن شيء معين ينعكس على حياة الإنسان وسلوكياته وتصرفاته، فذكروا أن القوى هي:
١- القوة النباتية: وهي القوة التي تمكن الإنسان من النمو والتطور.
٢- القوة السبعية (الغضبية): وهي القوة المسؤولة عن غرائز الإنسان وشهواته.
٣- القوة الخيالية: وهي القوة التي تمكن الإنسان من التصور وتركيب الصور وتأليف ما لا يمكن تأليفه وانتزاع مفاهيم نظرية من أمور خارجية.
٤- القوة الوهمية: هي القوة التي تستطيع استكشاف ما لا يمكن استكشافه من خلال بعض المحسوسات كالتعابير والرموز وغير ذلك ومن أمثلتها إدراك حب الوالدين للولد، ومعرفة امتعاض شخص وتأذيه ومرضه من خلال لونه وتعابير وجهه وغير ذلك.
٥- القوة العقلية: وهي القوة الحاكمة على كل القوى المتقدمة وهي قوة مودعة في الإنسان ليميز الحق من الباطل، ويستدرك القضايا ويصححها بموازين صحيحة يدرك من خلالها المفيد من السقيم، فمثلاً:
•القوة النباتية والتي هي مسؤولة عن النمو إن نشطت وانطلقت فأنها ترغب بالمزيد فينمو البدن ليتكامل فإذا تكامل وطلب المزيد فإنه سيكون فائق الحدود متمادِ الأطوال زائد الوزن والمثقال، وللاتزان والوصول للحد المعتاد، تتدخل القوة العاقلة لتضبط تلك الطلبات، مقننةً حاجتها واحتياجاتها.
• والقوة السبعية فإنها تطلب حاجاتها من غرائزها، ويلبي الإنسان حاجياتها، فإذا وصلت إلى كفايتها، طلبت المزيد وادّعت الحاجة، واعتدت على ما قدِّر لها، منطلقة في رغباتها حتى تتجاوز الحد في كل الشهوات الحسية والإحساسية، فتطلب كل طعام لبطنه، وتطلب كل مالٍ لجاهه، وتطلب كل فرج لجنسه وهكذا.
فمن يتحكم بهذه الغرائز ويقننها ويبعدها عن التفريط والتعدي؟!
نعم، إنها القوة العاقلة لتحدد رغباتها وأخذ الكفاية بالطريق المشروع لحفظ النفس والنوع واحترام الآخرين وحقوقهم.
• والقوة الخيالية تنطلق سارحة في العالم التصوري، منطلقةً من غصن إلى غصن، مؤلفةً صوراً لا نهاية لها، منتزعةً قوانين من مقارنات حسية، فتستنج الكل وتقارنه بالجزء، وتستنج التركيب والبساطة، وهكذا مما يستفاد منه في حل معضلات فكرية، فتتم بهذا فائدته وتعلو درجته - الخيال- فإذا تمادى بلا حد يوقفه، ولا حاجز يصده جمع بين المتنافضات، وألف المتفرقات، وانشغل عن كل حقيقة وكل واقع الى كل زائف وتافه، فإذا بالقوة العاقلة تصد طريقه وتنبهه إلى واقعه، وحقيقة ما حوله.
  • والقوة الواهمة تنطلق لإدراك المفاهيم الخافية في الآخرين، مستشعرة الحب والكره والسعادة والألم والمرض والجوع، فإذا انطلقت عن حدودها وتجاوزت أسوارها، اصطنعت أحساسيس كاذبة، وألفت اختلاجات زائفة وتخاذلت وتآمرت، والرادع كما عرفنا هي القوة العاقلة.
وهذه القوى بدون هذه القوة العاقلة ربما تتكاتف وتتعاضد فتنتج أكبر شر من شرور البرية، فقد تنشط القوة الوهمية لتوسوس للإنسان بأن جارك يحقد عليك، ويجب عليك ردعه، وتركب صوراً من المكائد والدواهي، وتستعمل القوة والسلطة لتنفيذ ما توهمت، وعليه فإن هذه القوة العاقلة أيضاً قد تنشط وقد تتراجع، ولهذا فإن الشارع المقدس قد رسم أسساً ومنهجاً وأبدى قضايا (مواد القضايا)  وصححها ليبقى تطبيقها على تلك القوة العاقلة (صور القضايا)  فإذا كان الإنسان تحت سيطرة إحدى القوى أو عدة قوى ولا ضابط لها ولا رادع فإن الإنسان حينها يطغى ويتمادى وربما قال: أنا ربكم الأعلى وهو عين الهلاك، وهذا الذي عبر عنه القرآن الكريم "يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود" (٢)
وإذا كان متزنًا باستخدامه لقوته العاقلة، مسيطراً على قواه، فإنه حتماً سيتكامل وسيرتقي مدارج العلياء وهذا ما أرشد إليه الإمام موسى بن جعفر- عليه السلام -  حيث أشار بالهرب من الذين همشوا العقل ليتجهوا إلى الغرائز والشهوات واستثنى أهل العقول وأولي الألباب  فاعرف أنت أين النجاة ؟!
_____________
(١)  بحار الأنوار، ج1،ص155.
(٢) هود ... ٩٨

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد