
قلَّ أن نجد من لا يتساءل، وفي شيء من الغرابة، إذ يتناهى إليه الكلام على المعرفة الفائقة، أصلها، وغايتها، وإلى أيِّ سلالة من نظريَّات المعرفة تنتمي؟... قد يتراءى التساؤل بديهيًّا في صورته الأوليَّة، إلَّا أنَّه في هذه المنزلة خلاف الاعتياديّ. وما ذاك إلَّا لأنَّ كلَّ قولٍ في معرفة وجودٍ ما، ذهنيًّا كان أو واقعيًّا، يحيل إلى المبادئ النظريَّة الحاكمة على نشأته، والقواعد الناظمة لصيرورته. لنا أيضًا أن نتساءل عن معنى وماهيَّة المعرفة الفائقة، وعن الذي يغايرها في حقل معرفة العاديّ، وما تآلف عليه العقل الاستدلاليُّ حيال تعقُّله عالم الممكنات؟...
جدلٌ مديدٌ لم ينتهِ إلى مآل، تلقاء نظريَّة المعرفة وماهيَّتها، فضلًا عن المهمَّةِ المسندةِ إليها لفهم الوجود واستكشاف كوامنه. رأى قدماء الإغريق إلى النظريَّة باعتبارها الخطاب المنطقيَّ لكلِّ معرفة. وفي عهود الحداثة عُرِّفت بأنَّها درسُ طبيعة المعرفة، والإجابةُ على أسئلة أوليَّة رَكَزَت على الإجمال في ثلاثة: ما معنى أن نقول إنَّنا نعرف شيئًا ما.. وكيف نعلمُ أنَّنا نعلم.. ثم ما الذي يجعل المعتقدات المبرَّرة مبرَّرة؟...
لم تنتبه الفلسفة القَبْليَّة، ولا سيَّما في أطوارها المستحدَثة، إلى أنَّ الأذهانَ أنَّى سَمَا ذكاؤها، لن يتيسَّرَ لها أن تَطَأَ أرضَ الحقيقةِ بالاستدلال، ولا أن تظفُرَ بضالَّتها عبر كيمياء الحواسِّ الخمس. ولقد قيَّدت نفسها بنفسها لمَّا أخلدت إلى دنيا المقولات، وسَكَنَت كهف المفاهيم، واكتفت بالسؤال عمَّا يقع تحت سطوة الاستدلال وحسابات الفكر المحض. وللبيان، سنرى كيف أنشأ العقل العلميُّ تصوُّراته الوجوديَّة على مبدأ اشتقاق الوعي من المادَّة، واستقلال المادَّة عن الوعي، وعلى ادِّعاء القدرة الاستثنائيَّة للعقل على إدراك الكون. وإلى ذلك، الافتراض بأنَّ الأشكال العليا للوجود تجد حقيقتها في الطبيعة المتحوِّلة وعوارضها. وبهذا اتَّضح كيف آلت صيرورة العقل الطبيعانيِّ إلى سوء الفهم، واضطراب الفكر، والاستغراق في لجَّة التشاؤم.
إذا كان التعرُّف على الفائق يلزمه نظريَّة معرفة من جنسه، فمن المنطقيِّ أن يتَّخذ المتعرِّف مسلكًا مفارقًا لما عَهدِته النظريَّات التقليديَّة الحاكمة على مناهج العلوم الإنسانيَّة، من أجل هذا يصير العثور على مبدأ ميتافيزيقيٍّ مؤسِّس ضروريًّا، للكشف عن أحوال الفائق من الوجود سواء لجهة ظهوره أم استتاره.
هذه المفارقة المنهجيَّة من شأنها أن تُحدِث منقلبًا منهجيًّا في نظريَّة المعرفة. فَبَدَلَ أن يكون التعرُّف وفق شرعة العقل الأدنى، قيدًا على المتعرِّف -بسبب حاكميَّة قوانينه ونظريَّاته عليه- تنفسح أمام بصيرته أمداء "ما بَعْدية" للإدراك والتعرُّف. فإنَّه بمؤالفته بين أحكام العقل وألطاف الفؤاد يُجري حفرًا معرفيًّا مغايرًا يمهِّد لانكشاف الفائق وتعاليه. لعلَّ هذا ما أبداه العرفاء لمَّا تحدَّثوا عن الكشف والشهود كمعرفة متحرِّرة من قيديَّات المعرفة الصوريَّة.
الحكمة المتعالية عاينت هذه الدقيقة النظريَّة لمَّا أشارت إلى غموض المباحث الإلهيَّة والمعارف الربَّانيَّة، ورأت إليها بوصفها مماثلة للعقول القدسيَّة التي يحتاج إدراكها إلى تجرُّد تامٍّ ولطف شديد، ثم ذهبت إلى نعتها بـ"الفطرة الثانية". وعلى النحو إياه سيصرِّح أهل الحكمة: "إنَّ من أراد أن يشرَع في علومنا فليستحدث لنفسه فطرة أخرى". والمقصود بذلك أن الفلاح بالمعارف القدسيَّة أمرٌ موقوف على الفطرة بما هي الغرسة الإلهيَّة البَدئيَّة لكلِّ معرفة. إذ بالفطرة ومنها تولد "سيريَّة" تعرُّف ذات سمات مفارقة تترقَّى في سمُّوها وتفوُّقها لتبلغ مقام الكشف والشهود.
مع هذا المقام المعرفيِّ ينصرف العارف إلى ما يتعدَّى اختبارات الحسِّ ومعياريَّات العقل الحاسب. والمعنيُّ بهذا أن يُهمَّ العارفُ بدفع فعاليَّاته الكشفيَّة مثل الحدس، والنور، والإلهام، والشهود الروحيِّ إلى حدودها القصوى. أمَّا المكشوف المتولِّد من هذه الفعاليَّات فإحرازُه يكون بحسب سعة الكاشف ومقامه. وهكذا تتَّصل مراتب الشهود بعلاقة طوليَّة في ما بينها: العالي منها مستوعبٌ للدَّاني من دون أن يغادر العالي علوَّه، بينما يحتاج الدَّاني إلى قابليَّة واستعداد إضافيين ليتَّصل بما هو أعلى منه. أمَّا الغاية الأسمى من الشهود – كما يبيِّن ملَّا صدرا- فهي الوصول الى المعرفة الحرَّة، التي هي ليست بغاية، بل هي بذاتها غاية الغايات، ومنتهى الآمال. من أجل ذلك نُعتَت بـ "المعرفة الحرَّة" لكونها لا تعلُّق لها بغيرها، ولا تُراد لأجل شيء آخر، وأما باقي العلوم فإنَّما تُراد لأجلها"...
للمعرفة الموصلة إلى الفائق ثلاثة سبل: ـ معرفة بواسطة الصورة الحاكية وهي المعرفة التحصيليَّة ـ ومعرفة من غير واسطة وهي المعرفة الحضوريَّة، وفيها يكون المُدرِكُ على صلة بالمُدرَك على نحو يتيح له الاتصال بالواقع بشكل مباشر، ويكون في الآن عينه عالِمًا بنفس هذا الواقع- وثالثًا، معرفة بالفطرة، وهي تتعلَّق بالمعرفة الشهوديَّة حصرًا.
وهذا الطور الأخير من المعرفة يُدرك من وجهين: الأول، إثبات وجود المعرفة عند أنفسنا، والثاني، إثبات وجودها عند الغير. وفي كلٍّ من الوجهين يكون الأمر الشهوديُّ إمَّا فعليًّا شعوريًّا ملتفَتًا إليه، أي أنَّه داخلٌ في وعي الشاهد وإدراكه.. وإمَّا موجودًا بالقوَّة وغير ملتفَتٍ إليه، أي أنَّه خارج عن وعيه وإدراكه. وأمَّا الطريق الوحيد لتحقيق ذلك فهو بإرجاع المعرفة الشهوديَّة إلى نفس الشاهد، حتى يجد هذا الأمر في داخله. سوى أنَّ البرهان العقليَّ في هذه الحالة لا يعوّل عليه نظرًا إلى قصوره العقل عن بلوغ ما لم يستطع بلوغه عن طريق مقدِّمات الدليل العقليّ.
ولأنَّ العقل في طوره الأدنى لا يتنافى مع الشهود العقليِّ فقد لحظت الحكمتان الإشراقيَّة والمتعالية استحالة الفصل بين النظر العقليِّ والتبصُّر الشهوديِّ، ذلك بأنَّ غاية الشهود والكشف لدى هاتين الحكمتين هي الوصول إلى الواقعيَّة عن طريق المكاشفة القلبيَّة الباطنيَّة. ولقد بيَّن شيخ الإشراق السهرورديُّ هذا التلازم بين الكشفيِّ والواقعيِّ عندما رأى أنَّ السالك من دون قوَّة البحث يكون ناقصًا، كذلك الفيلسوف لو افتَقَد السير والسلوك والشهود لكان أيضًا ناقصًا، ولا يستطيع الإخبار عن عالم القدَّس. (المطارحات).
من هذه المثابة تهتدي المعرفة الفائقة إلى واحدة من أهم عناصر نظريَّتها المعرفيَّة المستنتجة من ميتافيزيقاها البَعديَّة. عنينا - بهذه الواحدة - الفطرة الموصلة إلى شهود الأمر القدسيّ. غاية الميتافيزيقا البَعديَّة استعادة هذه الفطرة لكي تجاوز المعضلة التي تحول دون إدراك الوجود الفائق السمُوّ. ودربتها إلى هذا الإدراك تبتدئ بعقد ميثاق لا يبور بين التبصُّر العقليِّ والإبصار الشهوديِّ.
ولا ريب إذَّاك، في ما ذهب إليه العرفاء، بأن مسلكاً تعرُّفياً كهذا هو أول الإنتباه، ومستهل الاهتداء إلى باب السر. فلئن فُتِحَ الباب، انقشعت الغوامض، وانفسحت البصيرة، وتوسَّع الصدر من بعد ضيق. وسينكشف للمتعرِّف ما لن يكون له أن رآه من قبل: يرى إلى الكون الأدنى كلِّه بعين النقص. وإذ ينظر من علٍ يوقنُ أن كل معرفة مقطوعة عن مبدإها المتعالي معرفةٌ شقيَّةٌ لا نفع منها. وسيعلم أن كل ما لا يفضي إلى إنشراح الصدر، إنما هو علمٌ شقيٌ منتهاه الجهل. فإن من جَهِل بمعرفة الوجود - كما أورد صاحب الأسفار الأربعة - يسري جهله في أمهات المطالب ومعظماتها. ذاك يعني أن لا استقامة لمعرفة حقَّانية من دون إسناد أنطولوجيٍّ يغذّيها ويقيها زلل الشبهات. فالمعرفة الحقَّانيَّة الموصولة بالمبدأ المؤسَّس على الحقَّانيَّة، هي تلك التي تستمدُّ حيويَّتها وديمومتها من فيوضات المبدأ الأعلى وأصالته. وبهذا لا ينبغي استحداث السؤال عن إمكان قيام معرفة فائقة بمنأى من سؤال موازٍ حول إمكان ظهور ميتافيزيقا فائقة تتاخم الأمر القدسيَّ، وتعتني بمعرفته وتستظهر عن مكنوناته في الآن عينه.
التعرّف على الفائق (1)
محمود حيدر
في وداع الشهر الفضيل: ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة (1)
الشيخ محمد مصباح يزدي
معنى كلمة (ثبر) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
العذاب الأدنى في قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى..}
الشيخ محمد صنقور
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا)
الشيخ مرتضى الباشا
أساليب للوالدين لمساعدة أطفالهم على السيطرة على انفعالاتهم وتنظيمها
عدنان الحاجي
ما الفرق بين الرحمانية والرحيمية؟
السيد عادل العلوي
في معنى مرض القلب وسلامته وتفاقمه وعلاجه
السيد محمد حسين الطبطبائي
القوّة الحقيقيّة للإيمان
السيد عباس نور الدين
معنى سلام ليلة القدر
السيد محمد حسين الطهراني
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
التعرّف على الفائق (1)
(المعين للسّفر الأبديّ) كتاب لمركز علم الهدى الثّقافي
في وداع الشهر الفضيل: ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة (1)
معنى كلمة (ثبر) في القرآن الكريم
العذاب الأدنى في قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى..}
آخر ليلة من الشهر الكريم
شرح دعاء اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان
أعظم شهور الله وعيد أحبابه (3)
العلم العائد الى وحيه (4)
التقوى ركيزة