مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الأستاذ عبد الوهاب حسين
عن الكاتب :
من مواليد ١٩٥٤م، مفكر إسلامي، ترأس جمعية التوعية الاسلامية، وساهم في كتابة النظام الداخلي لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية والمجلس الإسلامي العلمائي في البحرين، ثم أسس تيار الوفاء الإسلامي.rnله عدة مؤلفات ومقالات منشورة، منها:rn- الإنسان رؤية قرآنيةrn- في رحاب أهل البيتrn- الدولة والحكومةrn- تفسير سورة الضحى

الشهادة في ظل الخلافة الإلهية للإنسان (1)

تمهيد

 

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. (البقرة : 30)

 

لقد نال الإنسان دون غيره من المخلوقات في عالم الوجود مقام الخلافة عن الله جل جلاله، وأرغب في أن أتناول بعض النقاط المهمة التي تتعلق بمقام الخلافة الجليل وصلته بالإنسانية الرفيعة، لأنتهي إلى تشخيص حالة الشهادة وتحديد مكانة الشهداء على طريق الإنسانية الشامخة الرفيعة في عالم المجد والسمو الروحي والمعنوي طبقًا لمنهج الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض، وسوف أجعل الحديث على شكل نقاط من أجل المزيد من الوضوح وتسهيلاً للفهم..

 

النقطة الأولى ـ معنى الخلافة والخليفة:

 

الخلافة في اللغة هي قيام شيء مقام شيء آخر، والخليفة هو النائب عن الغير والقائم مقامه فيما استخلف فيه من أمر، وجمعه: خلفاء وخلائف، وللخلافة والخليفة في الاصطلاح معانٍ عديدة أهمها..

 

المعنى الأول ـ المعنى السياسي:

 

ويطلق فيه لفظ الخلافة على نظام الحكم الإسلامي بعد وفاة الرسول الأعظم الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأساسه الذي يقوم عليه هو الحق والعدل الذين هما وجهان لعملة واحدة: الحق هو الوجه النظري، والعدل هو الوجه العملي لها، وقد استخدم الفقهاء من مدرسة الخلفاء والمؤرخون هذا الاصطلاح في هذا المعنى، ويدل عليه من السنة قول الرسول الأعظم الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): ”كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء” (صحيح مسلم . كتاب الإمارة).

 

أما الخليفة طبقًا لهذا المعنى: فهو القائد الأعلى في الدولة الإسلامية بعد الرسول الأعظم الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن تكون له صفة الرسالة، وهو يجمع بين القيادة الدينية والسياسية للمسلمين، ويستمد سلطته من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ويقوم بتنفيذ الشريعة الإسلامية في الدولة في جميع مجالات الحياة وميادينها.

 

المعنى الثاني ـ المعنى الخاص:

 

والمراد به القيام مقام الخالق في التبليغ بالرسالة الإلهية والولاية على الناس في الحكم والتدبير للشؤون العامة والقضاء، وتسمى بالخلافة الإلهية، ويشترط فيها: أن يكون الخليفة عالمًا بإرادة الله تبارك وتعالى وصفاته العليا وأسمائه الحسنى علمًا شهوديًّا لا يخطأ يتلقاه الخليفة من الله تبارك وتعالى بغير واسطة {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} لكي يتمكن من التعبير عنها وتحقيق ملاك إعطاء الخلافة له في الأرض بتجسيدها في قيادة بناء حياة الإنسان الفردية والمجتمعية وتشييد الحضارة الإنسانية على أساس النظام الإلهي العظيم، والخلافة بهذا المعنى لا تكون إلا للأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وتقوم على أساس الحكم بالحق وهدفها إقامة العدل بين الناس.

 

قال الله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (ص : 26).

 

وقال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد : 25).

 

المعنى الثالث ـ المعنى العام:

 

والمراد به قيام الإنسان مقام الخالق في عمارة الأرض وتشييد الحضارة الإنسانية السامية على أساس النظام الإلهي العظيم، وهي الوظيفة العامة الأولى لبني الإنسان في الحياة الدنيا، والخليفة هو الإنسان الذي يلتزم بمنهج الخلافة الإلهية في عمارة الأرض وتشييد الحضارة الإنسانية السامية في كل زمان ومكان.

 

قال الرسول الأعظم الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): ”من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، هو خليفة الله في الأرض، وخليفة كتابه، وخليفة رسوله” (كنز العمال . ج3 . ص75 . الحديث : 5564).

 

والخلافة بهذا المعنى هي محور حديثنا، وهي لا تتمّ إلا إذا كان الإنسان معبرًا عن الله ذي الجلال والإكرام فيما استخلفه فيه وهو عمارة الأرض وتشييد الحضارة الإنسانية السامية على ربوعها بتجسيد صفاته العليا وأسمائه الحسنى وفق إرادته التشريعية التي بينها للناس بواسطة أوليائه من الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) في بناء الحياة الإنسانية الكريمة والارتقاء بها في معارج الكمال المادي والمعنوي، وهذا يتطلب ثلاثة أمور ..

 

الأمر الأول: أن يكون الإنسان عالمًا بإرادة الله جل جلاله التشريعية وصفاته العليا وأسمائه الحسنى.

 

الأمر الثاني: أن يكون عالمًا بشؤون الكون وخواصه.

 

الأمر الثالث: أن تكون له القدرة على التصرف في الكون والقدرة على الإبداع في التدبير، وحرية الاختيار للمنهج الذي يسير عليه في الحياة، لكي يتمكن من أداء حق الاستخلاف باتباع الإرادة التشريعية لله تبارك وتعالى وتجسيد صفاته العليا وأسمائه الحسنى بإرادته واختياره في تعمير الأرض وتشييد الحضارة الإنسانية على ربوعها، مما يؤدي إلى ارتقائه في سلم الكمال الإنساني الروحي، ونجاحه في إقامة حضارة إنسانية رفيعة شامخة على أسس الحق والعدل والخير والفضيلة والعلم والمعرفة، يظفر فيها الإنسان بالأمن والاستقرار والتقدم والرخاء في الحياة الدنيا، ويفوز بالسعادة الأبدية في الآخرة.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد