قصبات

قوافل حجّاج القطيف والأحساء: رحلة شوق ولقاء

وصل حجّاج بيت الله الحرام من القطيف والأحساء إلى أمّ القرى، حيث استقبلتهم مكّة واستقبلوها، بقلوب ملؤها الشّوق، وبعيون فاضت بدموع اللّقاء، وبين الشّوق والدّمع، أصوات تلبية بين الجبال التي شهدت نداء إبراهيم عليه السّلام.

 

وصلوا، وقد وقفوا أنفاسهم لمناجاة الله تعالى، محيين ذكره بالدّعاء والمناجاة، كلّ صباح وكلّ مساء، وقد انقطعوا عن كلّ خارج، ودخلوا من أبواب الرّحمة الإلهيّة، إلى حضرة الوجود المقدّس، والتّجلّي الأعظم.

 

أحرموا مؤدّين واجب الحجّ الأوّل، متحلّلين من كلّ أمر دنيويّ، متجرّدين من الفوارق والمظاهر، وليس على الألسنة إلا ذكر الله تعالى، وليس تخفق القلوب إلّا رهبة ورغبة، رهبة الحضور بين يدي الله تعالى، ورغبة تحصيل الأجر والثّواب، شكرًا لله الذي قصدوه فبلّغهم، وأرادوه فأعانهم، وقبلهم ولم يقطع بهم.

 

وإلى أرض عرفات، بوّابة الرّحلة إلى الله تعالى، والسّاحة المشرّعة للدّعاء وطلب التّوبة، والخروج من عالم المادّة إلى نور الفطرة، والنّداء واحدٌ يخرج من حشرجة الحناجر المثقلة بالاعتراف: (لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من المستغفرين، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الموحّدين)...

 

وبعد غياب الشّمس عن عرفات، يتهيّأ الحجّاج للسّير إلى مزدلفة، أوّل مدخل يؤتى منه الحرم، ليوم يرجم فيه شيطان النّفس، (فسبحان الذي في السّماء عرشه، سبحان الذي في الأرض موطئه، سبحان الذي في البحر سبيله، سبحان الذي في النّار سلطانه، سبحان الذي في القبور قضاؤه).

 

وبعد شروق الشّمس على مزدلفة، تكون مواجهة الشّياطين، قبل الإفاضة إلى الحقّ سبحانه في منى، فــ : (اللهمّ هذه منى وهي ممّا مننت به علينا من المناسك، فأسألك أن تمنّ علينا بما مننت به على أنبيائك، فإنّما أنا عبدك وفي قبضتك). ثمّ إلى رمي الجمرات، رمي كلّ شياطن مارد من شياطين الجنّ والإنس والطّواغيت في كلّ عصر وآن فــ : (اللهمّ إنّ هذه حصياتي، فأحصهنّ لي عندك، وارفعهنّ في عملي).

 

وبعدها إلى الذّبح والتّضحية والتّقصير، والانعتاق من كلّ مظهر، ليكون اللّقاء في بيت الله حيث رفع خليل الله نداء التّوحيد، وإلى طواف الحجّ وصلاته، والسّعي بين الصّفا والمروة، وطواف النّساء وصلاته، ثمّ المبيت في منى، فرمي الجمار الثّلاث، وصولاً إلى الوداع والقلب مثقل بلطائف الله كلّها نابض بالقول دائمًا: (اللهمّ إن أمّتّني فاغفر لي، وإن أحييتني فارزقنيه من قابل، اللّهم لا تجعله آخر العهد من بيتك).

 

ولا يغيب أبدًا عن قلب الحجّاج ‏حضور وليّ الأمر صاحب العصر والزّمان، الحاضر في جملتهم، والحافظ لهم في بيت الله تعالى، وهم يناجونه بين كلّ شعيرة وشعيرة: (أين استقرّت بك النّوى، بل أيّ أرض تقلّك أو ثرى، أبرضوى أو غيرها أم ذي طوى، عزيز عليّ أن أرى الخلق ولا ترى، ولا أسمع لك حسيسًا ولا نجوى، عزيز عليّ أن تحيط بك دوني البلوى)..

 

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد