
حاضرية العارف في فلسفة التاريخ
قد يكون التساؤل الأكثر حيوية الذي يمكن استخلاصه مما ذهب إليه محمود محمد طه، هو ما يتصل بحاضريَّة ودور العرفان ومكانتِهِ في التحديات الكبرى التي تواجهها الحضارةُ الإنسانيةُ المعاصرة. ولعل ما يضفي على القضية المطروحة سمة راهنة واستثنائية، هو اشتمالُها طائفة من المفاهيم المستحدثة يمكن أن تُصاغَ عن طريقها استراتيجية معرفية لإحياء حضاري ذي سمات مفارقة.
ولمَّا كانت التأسيسات النظرية المتضمّنة في هذه الدراسة، تتمحور على الإجمال حول فضاءين متلازمين، هما: العلم بالله والعلم بشؤون الخلق، فإن تسييل هذين الفضاءين، أمرٌ يندرج في مقدَّم الأولويات التي ينبغي أن تمهِّد لأفق جديد في عالم العرفان. ولعل تركيز طه على فهم المنزلة التي يتولاها العارف في منظومته الفكرية، فيعود أساسًا إلى مركزية الكائن الآدمي كمستخلفٍ إلهيٍّ في دنيا المخلوقات. وبوصف كون هذا الكائن نقطة الجاذبية في الكون الأكبر الحاوي للموجودات كلها، فقد وقع التكليف عليه بالرضى والقبول والإقبال، لينجز مهمته العظمى في التوحيد بركْنَيْه توحيد الخالق وتوحيد المخلوقات.
فإذا كان مقتضى الأول توحيد الخالق بتنزيهه عن الثنائية والتركيب، فمقتضى الثاني توحيد الخَلق، وتدبير حاجاتهم على كثرتها وتنوعها واختلافها. وما من جدل أن هذه المهمة المركَّبة في السياسة العرفانية، استدعت مجاوزة منعطفين معرفيَّيّن لا يزالان موضع مكابدة في المباحث النظرية لعلم الوجود: الأول، يتصل بالأثر المترتِّبِ على الفصل الأنطولوجي والمعرفي بين الله والعالم؛ وهو ما ذهبت إليه الديانات غير الوحيانية، ومعظم المدارس المشائية، ناهيك عن الوارثين من مذاهب الميتافيزيقا المعاصرة. أما الثاني، فمتعلِّقٌ بما تستثيره نظرية وحدة الوجود من شُبُهات، ولا سيما تلك التي شاعت في الفضاء الجيو-إسلامي بدءًا من القرن الرابع الهجري، والقائلة بحلول الكل في الكل، والواحد بالكثرة، والله في العالم (1).
ولأجل بيان هذين المنعطفين اللَّذين حَظِيَا بعناية لافتة في تنظيرات محمود محمد طه وجدنا أن نستنتج جملة من الفَرَضيَّات التأسيسية التي تتاخم الأفقين الأنطولوجي والسياسي معًا (2).
الأولى: رفع التناقض في نظام الخلق، وإثبات اجتماع الأضداد وفق المبدأ المتقوِّم على زوجية الخلق.
الثانية: استحالة استقلال عالم الموجودات عن مشيئة التدبير والعناية الإلهية وتدبيراتها.
الثالثة: إقرار عناية الواجد بالموجود الحاوي للكثرة الوجودية. مع ما يترتب على هذا الإقرار من تنبيه المستخلف إلى تكليفه الإلهي والسير بسياسته الإحيائية إلى غايتها القصوى.
الرابعة: فهم صلة الكثرة مع الكثرة، على قاعدة توحيد العالم المتعدّد، على اختلاف مظاهره وتعدد أجناسه وأفراده.
الخامسة: فهم المنطقة المعرفيّة التي يتأسّس فيها تدبير الله لعالم الخلق، وبيان جدلية الانفصال والاتّصال الناظمة لعنايته تعالى بهذا العالم.
السادسة: نزول الموجود الأول في الحقل الميتافيزيقي كنظير أنطولوجي لعالم الممكنات، وبالتالي كناظمٍ لوحدته بحكم جمعه للكثرات الوجودية.
السابعة: إثبات حاضرية الإنسان ككائن محوري وفعَّال في دنيا الممكنات، وبيان قدرته – حال كماله وتجرُّده –على تعقُّل نظام الوجود على ما هو عليه، كذلك على انتهاضه بالعالم الإنساني وتمهيد سبيل سعادته على صراط العدل (3).
الفرضيات السبع التي مرَّ ذكرها، تسوقنا إلى المقاصد العليا التي سعى إليها مشروع طه، وهي وضع إطارٍ تنظيري لمنظومة إحيائية تصل الغيب بالواقع العيني، كما تمهِّد السبيل إلى تصويب حالة التداعي والتهافت في بنية الحضارة الإسلامية المعاصرة. وسنعثر على الإرهاصات المؤسِّسة لهذه المنظومة في مجمل ما بيَّنه في كراسته “طريق محمد”. حيث ينطلق من النموذج النبوي كمثال اقتدائي لبلوغ العارف الكامل معراجه إلى الحق. وهكذا يرى أن أسلم طريقه ليصحح المسلم نفسه من المفاهيم الخاطئة هي تقليد محمد في أفعاله وأقواله… حتى تنبثق الحكمة من قلبه على لسانه، فإن الحكمة علم، وعمل بمقتضى العلم. (4) وعليه، يتضح لنا السبيل الذي أخذ به لتسييل الطريق الأسمى للتصوف، وهوما يظهر عبر المنطلقات المعرفية التالية:
1- حاضرية العرفان كفضاء معرفي وسلوكي وأخلاقي، بما لهذه الحاضرية من مؤثِّرات حاسمة في تشكُّلات نظام القيم في التاريخ الاجتماعي والحضاري الإسلامي.
2- إيقان عرفاء الصوفية وأهل الولاية بسيادة العدل الكوني كخاتمة حتمية في تاريخ الإنسان.
3- إحاطة المنظومة المعرفية العرفانية بشؤون الإنسان الدنيوية والأخروية. وتبعًا لهذه الإحاطة تنسلك أطروحة التدبير ضمن مسرى اعتنائيِّ هادفٍ إلى بناء مجتمع إنساني مؤسَّسٍ على الخيرية الشاملة. وعلى خلاف ما شاع من أحكام عجولة في هذا الشأن، فإن معاينة متأنيِّة لاختبارات العرفان السياسي، تُظهر صلته الوطيدة بتحولات كبرى انخرط فيها كبار المتصوفة والعرفاء؛ وهو ما تدل عليه شواهد بيّنة في التاريخ الإسلامي.
4- إن رؤية إجمالية لمواقف العرفاء ومناهجهم في مقام التدبير، تكشف عن وصل عميق بين التعرُّف على الحق، ورعاية شؤون الخلق. ومثل هذا الوصل- الذي يعرب عن فعليَّتِه وفق مبدأ الحكمة والموعظة الحسنة - يشكل ركنًا تأسيسيًّا في المنظومة المفترضة للفلسفة السياسية العرفانية.
5-أفضت اختبارات العرفاء إلى وحدة نظامهم المعرفي من حيث توفُّرِهِ على ركنين متلازمين: اعتقادي ويقوم على توحيد الحق، وحضاري غايته توحيد الخلق نحو اجتماعٍ رحماني قوامه الخيرية والعدل (5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – راجع: محمود حيدر- العرفان في مقام التدبير السياسي- المباني الميتافيزيقية والمرتكزات المعرفية للحضارة الإلهية- كتاب تحت الطبع – دار الفارابي- ص 27.
2 – أنظر أعمال محمود محمد طه. مثل: أسئلة وأجوبة –رسالة الصلاة- الر سالة الثانية من الإسلام- طريق محمد- الخ. ففي هذه الأعمال ما يُعرب عن فهمه العميق لجدلية العلاقة بين الله والعالم.
3 – المصدر نفسه – ص 28.
4 – محمود محمد طه – أسئلة وأجوبة – الكتاب الثاني – الطبعة الأولى – رمضان 1391- 1971- الخرطوم- ص 65.
5 – م. حيدر- العرفان في مقام التدبير السياسي- مصدر سابق- ص 30.
كيف يعلق الأطفال ذوو السلوكيات المضطربة في حالات دماغية محددة؟
عدنان الحاجي
ميتافيزيقا العرفان السياسي (3)
محمود حيدر
دور الجهاد في تربية الإنسان
الشهيد مرتضى مطهري
حق الجهاد
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الشهادة في ظل الخلافة الإلهية للإنسان (4)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
أهمّ عناصر النصر (2)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
معركة أحد في 15 شوال عام 3 للهجرة
الشيخ جعفر السبحاني
فلسفة الجهاد
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (فتر) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ممتنع الوجود
الشيخ محمد جواد مغنية
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
كيف يعلق الأطفال ذوو السلوكيات المضطربة في حالات دماغية محددة؟
ميتافيزيقا العرفان السياسي (3)
دور الجهاد في تربية الإنسان
حق الجهاد
الشهادة في ظل الخلافة الإلهية للإنسان (4)
17 شوال عام 5 للهجرة: ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين
(مفارقة) معرض فنّي تجريديّ في الدّمّام
(هتف الباكون) الدّيوان الإلكتروني الرّابع لعبدالشّهيد الثّور
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (8)
ميتافيزيقا العرفان السياسي (2)