
المترجم: عدنان أحمد الحاجي
لماذا يُكرّس بعض الناس أنفسهم وأوقاتهم لتعلم لغة جديدة، أو لإتقان مهارة جديدة لمجرد الاستمتاع والرضا النفسي لا غير؟ وهذا ما يُعرف بالدافع الذاتي (الباعث الذاتي). أي أن الدافع يأتي من داخل النفس، لا من انتظار مكافآت، أو بسبب ضغط خارجي، أو إغراء أو تجنب عقاب ما. الدافع الذاتي هو دافع داخلي للانخراط في سلوك هدفه الرضا الذاتي المستحصل من ذلك النشاط نفسه، وليس رغبةً في مكافأة أو نتيجة مُعينة.
يحدث الدافع الذاتي عندما نتصرف دون أن تُجبرنا أو تغرينا مكافآت خارجية جليّة. بعبارة أخرى، النشاط نفسه هو المكافأة. يُمكن مُقارنة الدافع الذاتي بالدافع الخارجي، الذي ينطوي على الانخراط في سلوك ما بدافع خارجي، مثلََا لكسب مكافآت خارجية أو تجنّب عقاب.
الدافع الذاتي ينبثق من ثلاثة عناصر أساسية: يتحرك الفرد بدافع ذاتي حين يشعر بحرية الاختيار (الاستقلالية)، وبأن ما يقوم به له معنى أو قيمة في حد ذاته (الغاية)، وحين يستمتع بتطوير مهاراته (تحصيل الإتقان). عندما تتوافر هذه العناصر، يندفع المرء لذلك العمل ذاتيًّا.
أمثلة على الدافعية الذاتية والدافعية الخارجية
توقفْ وفكّرْ للحظة في الدافع الذي دعاك لقراءة هذا المقال. إذا قرأته بدافع الاهتمام بعلم النفس والرغبة في الاستزادة من معرفة الدافعية، فقد جاء تصرفك هذا بناءً على دافع ذاتي. أما إذا قرأته لأنك مضطر لتعلم المعلومات اللازمة لمقرر دراسي للحصول على درجة جيدة، فقد جاء تصرفك هذا بناءً على دافع خارجي (1).
كيف ولماذا يشعر الناس بالدافع الذاتي؟
تأمل في آخر مرة عملت على شيء من الأشياء أو أنجزته لمجرد الاستمتاع. قد تزرع شجرة في حديقة بيتك، أو ترسم، أو تلعب إحدى الألعاب، أو تكتب قصة، أو تتمشى، أو تقرأ كتابًا.
قد تكون هذه الأنشطة مثمرة أو تجلب لك شيئًا إيجابيًّا أو مفيدًا يشعرك بالسعادة، أو تتعلم شيئََا جديدََا، أو تكتسب شعورًا بالإنجاز - حتى لو لم يكن هذا هو السبب أو الهدف الرئيس من ذلك العمل، حين تعمل شيئًا لمجرد الاستمتاع بهذا العمل، فذلك كان بدافع ذاتي انبثق من داخل نفسك، وليس بسبب دوافع أو مكافأة خارجية، مثل جوائز أو تقدير تحصل عليها من طرف آخر.
بالطبع، هذا لا يعني أن السلوكيات التي جاءت بسبب دافع ذاتي لا تأتي بمكافآتها الخاصة. غالبًا ما تبعث هذه المكافآت على الشعور بمشاعر إيجابية. قد تولد بعض الأنشطة مثل هذه المشاعر عندما تمنحك إحساسًا بالمعنى، مثل المشاركة في فعاليات تطوعية اجتماعية أو دينية. وقد تمنحك أيضًا شعورًا بالتقدم والإنجاز بعد أن تلاحظ أن عملك يحقق شيئًا إيجابيًّا، أو شعورًا بالجدارة والإتقان عندما تتعلم شيئًا جديدًا أو تصبح أكثر مهارة في مهمة ما أو تلاحظ أثرََا إيجابيًّا للجهود التي بذلتها.
كيف تؤثر المعززات أو الحوافز الخارجية على الدافع الذاتي؟
في بعض الأحيان، قد تؤثر المكافآت الخارجية سلبًا على دافعنا الداخلي لممارسة سلوك معين. فقد وجد الباحثون أن منح حوافز خارجية لنشاط ممتع بالفعل قد يجعله أقل متعةً من الناحية الداخلية. يُعرف هذا بتأثير التبرير المفرط [تأثير التبرير المفرط (overjustification effect) هو المكافآت أو الحوافز الخارجية المرتفعة التي تؤدي إلى إضعاف مستوى الأداء وذلك بسبب تثبيط الدافع الحقيقي أو الذاتي (2، 3)].
الدافع الذاتي يعني أن المكافآت أو الحوافز الداخلية كافية بحد ذاتها للانخراط في سلوك ما (عمل ما أو مهمة ما). لكن إضافة مكافأة أو حوافز خارجية قد تؤدي إلى إرباك المرء، حيث قد ينسب دافعه خطأً إلى الحوافز الخارجية. بعبارة أخرى، تقديم مكافآت خارجية (مثل الأموال أو الجوائز) مقابل عمل شيء يستمتع به المرء بالفعل قد يقلل من اهتمامه الطبيعي والاستمتاع به، فإضافة مكافأة قد تجعله يعتقد أنه يفعل ذلك من أجل المكافأة لا بدافع الاستمتاع الشخصي. ونتيجة لذلك، قد يضعف دافعه الذاتي، وقد يصبح النشاط أقل متعة تدريجيًّا.
يميل الناس للإبداع أكثر عندما يكون لديهم دافع ذاتي
قد تدفع المكافآت الخارجية، مثل المال والحوافز الخارجية، المرء إلى أن يبذل جهدََا مضاعفََا لينتج أكثر، إلّا أن الإبداع الحقيقي والعمل عالي الجودة ينبثقان من دافع ذاتي، وذلك بفضل الاستمتاع الحقيقي به أو لأنه مثير للاهتمام، أو لأنه مثل تحديًا له.
في أماكن العمل (الشركات والمؤسسات)، على سبيل المثال، قد تدفع المكافآت الخارجية، مثل العلاوات والحوافز، المرء إلى أن يبذل جهدََا مضاعفََا لزيادة الإنتاجية، ولكن جودة العمل المنجز قد تتأثر سلبََا بعوامل داخلية. لكن إذا وُجد الدافع الذاتي، وقام المرء بعمل وجده مُجزيًا ومثيرًا للاهتمام وينطوي على تحديات، فمن شأنه أن يكون أكثر انخراطًا واستعدادًا للتفكير العميق، مما يؤدي إلى أفكار أكثر أصالة وحلول إبداعية.
كيف يؤثر ذلك في السلوك؟
يمكن للدافع الذاتي أن يكون العامل المؤثر في السلوك في جميع جوانب الحياة، وخاصة في التعليم والرياضة والوظائف والهوايات الشخصية، لأن الناس بطبيعتهم يبذلون المزيد من التفكير والجهد في الأشياء التي تهمهم شخصيًّا.
في حقل التعليم
في حقل التعليم أو في الحياة اليومية، يكون الناس عادةََ أكثر تفاعلاً وأفضل أداءً عندما يقومون بالأشياء لأنهم يستمتعون بها أو يهتمون بها بالفعل، وليس بدافع المكافآت أو الخوف من العقاب.
أما في التعليم، الدافع الذاتي له دوره المحوري. يسعى المعلمون ومصممو المناهج التعليمية إلى تهيئة بيئات تعليمية ممتعة وشيقة ومُرضية في حد ذاتها (4)، بحيث يشعر الطلاب بدافع ذاتي للتعلم دون الحاجة إلى حوافر خارجية، مثل الدرجات أو الجوائز أو لتجنب الضغط والعقاب (5). بعبارة أخرى، يصبح التعلم نفسه جذابًا بما يكفي ليُقبل عليه الطلاب لمجرد أنه يمثل معنىَََ أو لأنهم يستمتعون به. ولكن بما أن النظرة التقليدية تفترض أن الطلاب غالبًا ما يجدون التعلم مملًّا، فإن من شأن ذلك أن يستدعي وجود حوافز خارجية للتحفيز على التعلم.
لكن بعض الباحثين يرون أن هذا ليس ضروريًّا، ويقترحون أساليب مختلفة لخلق تجربة تعليمية ممتعة وجذابة في حد ذاتها.
يُعدّ النشاط مُحفزًا ذاتيًّا إذا قام به المرء من أجل الشعور بمتعة النشاط نفسه، وليس طمعًا في مكافأة خارجية أو تجنبًا لعقاب. وتُستخدم كلمات مثل "ممتع" و"شيق" و"آسر" و"مُرضٍ" و"مُحفز ذاتيًّا" بشكل مترادف لوصف هذه الأنشطة.
في الهوايات الشخصية
تزخر الحياة اليومية بأمثلة على الدافع الذاتي. فإذا كنت تمارس رياضة ما لأنك تستمتع بها، لا للفوز بجوائز أو المشاركة في مسابقات، فأنت بذلك تستجيب للدافع الذاتي.
مثال آخر: قد يسعى المرء لبذل قصارى جهده في العمل لأن ذلك يُشعره بالإنجاز والرضا، ويكون دافعه من وراء ذلك المتعة أو الفضول أو تحقيق الذات، سيكون بطبيعة الحال أكثر التزامًا وحماسًا مما لو كان يسعى فقط وراء المكافآت الخارجية أو ليتجنب عواقب سلبية.
عندما تختار أن تعمل على شيء لأنك تستمتع به شخصيًّا، أو تهتم به، أو تجده ذا معنى - دون الاعتناء بما لو أن هناك حوافز خارجية أو ضغوط من آخرين - فأنت تتصرف بناءً على دافعك الذاتي، لا بدافع الحصول على حوافز خارجية.
العوامل المؤثرة في الدافع الذاتي
مع أن الدافع الذاتي ينبثق من داخل نفس المرء، إلا أنه لا يوجد بمعزل عن غيره. فهناك عوامل بيئية ونفسية متنوعة قد تُعزز أو تُثبط هذا الدافع. وفهم هذه العوامل يُساعدنا على تهيئة الظروف التي تحافظ على الدافع الذاتي متقدََا.
التحدي: يزداد دافع المرء الذاتي حين يسعى لتحقيق أهداف تمثل محور اهتمامه الشخصي، لأنها تتعلق بقيمه في الحياة. هذه ليست مجرد مهام يقوم بها لأن شخصًا آخر طلبها منه، بل هي أهداف شعر بأهميتها وعرف قيمتها، ما يمثل حافزََا داخليًّا على العمل لتحقيقها. وعندما يكون تحقيق الهدف ممكناً، ولكن ليس مؤكداً بالضرورة. وعندما تتوفر تقييمات الأداء (التغدية الراجعة)، قد تؤثر هذه الأهداف أيضاً في تقدير الذات (6).
التحكم: لدى الناس رغبة في أن يكون لديهم خيار وتحكم فيما يفعلونه، وليس إجبارهم أو خضوعهم لإدارة صارمة. فإذا تمكن المرء من معرفة أفعاله وأهدافه وكيف يتعامل معها، فإنه يزداد شعورََا بالسيطرة، ما يزيد من دافعه الذاتي للانخراط فيها وبالتالي الإنجاز والتفوق.
التعاون والتنافس: يزداد الدافع الذاتي قوةً عندما يستمتع المرء بمساعدته للآخرين. وينطبق ذلك أيضاً في الحالات التي يمكنهم فيها مقارنة أدائهم بأداء الآخرين إيجابيًّا (الغبطة لا التنافس السلبي).
الفضول: يزداد الدافع الذاتي عندما يسترعي شيء ما في البيئة المادية المحيطة انتباه المرء (الفضول الحسي). (مثلََا لو كان الشيء جذابََا بصريًّا أو ماديًّا) أو لأن النشاط يثير فضولهم ويدفعهم إلى معرفة المزيد أو تعلمه. في كلتا الحالتين، يصبح الفضول بطبيعته دافعََا إضافيًّا للاستكشاف والانخراط دون الحاجة إلى مكافآت خارجية. وبزداد الفضول أيضًا عندما يحفز أمر ما أو ظاهرة لاحظها فيما يقوم به المرء على الرغبة في معرفة المزيد (الفضول الإدراكي). في كلتا الحالتين، يصبح الفضول بطبيعته القوة الكامنة وراء محاولة المرء الاستكشاف والانخراط دون الحاجة إلى مكافآت خارجية.
التقدير: يستمتع المرء بتقدير الآخرين لإنجازاته، مما قد يزيد من دافعه الداخلي.
محاذير ينبغي توخيها
لاحظ الخبراء أن تقديم مكافآت غير ضرورية قد ينطوي على محاذير غير متوقعة (7). مع أننا نميل إلى الاعتقاد بأن تقديم المكافأة سيُحسّن دافعية الشخص واهتمامه وأداءه، إلا أن هذا ليس هو الحال دائمًا.
فقد تأتي من تقديم المكافآت نتائج عكسية أحيانًا، إذ يحد من اهتمام الشخص الطبيعي بشيء كان يستمتع به أصلًا. على سبيل المثال، إذا بدأ شخص ما - مثلََا، طفل يلعب بلعبته المفضلة - بتلقي مكافآت مقابل ذلك، فقد يبدأ بالتركيز على المكافأة بدلًا من الاستمتاع، مما قد يُضعف دافعيته تدريجيًّا. ومع ذلك، يعتمد هذا التأثير على كيف تُدرك المكافأة: فإذا شعر المرء أن المكافأة جاءت تقديرََا لمهارة أو إنجاز، فقد تُعزز دافعيته، أما إذا شعر أنها بمثابة ضغط أو إغراء، فقد تُضعف تلك الدافعية. لذا، فإن تأثير المكافآت يتوقف على مدى أهميتها أو مدى تحكمه فيها، في نظر الشخص.
ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن عددًا من العوامل قد تؤثر فيما إذا كانت المكافآت الخارجية ترفع من مستوى الدافع الذاتي أم تثبطه. وغالبًا ما تلعب أهمية الحدث نفسه دورًا حاسمًا (8).
المكافأة قد تعزز الدافع الذاتي أو تثبطه، وذلك بحسب تفسير المرء الشخصي لها. فإذا كانت المكافأة ذات مغزى، باعتبارها تقديرََا لجهوده أو قدراته، فإنها ستشعره بالرضا، بل وقد تزيد من دافعه الذاتي. أما إذا شعر بأنها تتحكم به، ويصبح كأنه مُجبر أو بمثابة أغراء له على فعل شيء ما، فقد يفقد اهتمامه بعمله ويقل حافزه. إذن، ليس المهم المكافأة بحد ذاتها، بل كيف ينظر الشخص إليها.
فقد ينظر، مثلََا، رياضي مشارك في فعالية رياضية إلى جائزة الفوز على أنها تأكيد على جدارة الفائز وتميزه. من ناحية أخرى، قد ينظر بعض الرياضيين إلى الجائزة نفسها على أنها نوع من الإغراء أو الإجبار على شيء ما بغية إنجازه.
إذن، نظرة المرء إلى أهمية خصائص الحدث المختلفة ستؤثر فيما إذا كانت المكافأة في دافعه الذاتي للمشاركة في ذلك النشاط أم ليس لها تأثير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- https://www.verywellmind.com/what-is-extrinsic-motivation-2795164
2- https://www.verywellmind.com/what-is-the-overjustification-effect-2795386
3- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/تأثير-التبرير-المفرط/
5- https://www.verywellmind.com/what-is-punishment-2795413
6- https://ar.wikipedia.org/wiki/تقدير_الذات
7- https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9340849/
8- http://https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2022.853879/full
المصدر الرئيس
https://www.verywellmind.com/what-is-intrinsic-motivation-2795385
كيف نجعل موتنا سعادة؟
السيد عباس نور الدين
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (3)
محمود حيدر
معنى قوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
الشيخ محمد صنقور
لا تبذل المجهود!
عبدالعزيز آل زايد
الدافع الذاتي وتأثيره في السلوك
عدنان الحاجي
مرض الذهن
الشيخ علي رضا بناهيان
لماذا الخوف من الموت؟
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (فرث) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الخامس من ذي القعدة: رفع القواعد من البيت على يد إبراهيم (ع) وإسماعيل (ع)
الفيض الكاشاني
ثمرات الذّكر
السيد عادل العلوي
أثر لم يحدث بعد
محمد أبو عبدالله
السيّدة المعصومة: جمانة عقد الإمامة
حسين حسن آل جامع
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
كيف نجعل موتنا سعادة؟
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (3)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (23)
معنى قوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
لا تبذل المجهود!
الدافع الذاتي وتأثيره في السلوك
مرض الذهن
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (2)
لماذا الخوف من الموت؟
معنى (فرث) في القرآن الكريم