علمٌ وفكر

هل يعاد المعدم؟

الشيخ محمد جواد مغنية

 

إذا عدم الشيء بعد وجوده بحيث تزول مادته كلية، ولم يبق منها شيء، فهل يمكن إعادته بحقيقته وجميع ملابساته وعوارضه الشخصية تمامًا كما كان؟

 

ذهب أكثر المتكلمين إلى أن المعدوم يمكن إعادته. وقال الفلاسفة: لا يمكن إعادة المعدوم بحال، واستدلوا بأدلة، منها أنه لو أعيد المعدوم بعينه للزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه، وهو محال، لأن تخلل العدم إنما يتصور بين شيئين. ومنها أن إعادة المعدوم بلوازمه وتوابعه يستدعي إعادة الزمان الذي كان فيه، وإلا لو أتي به مجردًا عن زمانه لم يكن إعادة للشيء بنفسه، بل كان ابتداء لعمل جديد، وإعادة الزمان في زمان ثان يستلزم أن يكون للزمان زمان يوجد فيه، وهو محال.

 

واستدل المتكلمون على جواز الإعادة بأن كثيرًا من الحوادث تعدم، ثم تتجدد، وذلك لأن عدمها لا يكون مستندًا إلى عدم حقيقتها وماهيتها، ولا إلى عدم شيء من لوازمها ومقوماتها، وإنما تعدم لعروض مانع خارجي، ومتى زال المانع والعارض تعود الماهية كما كانت.

 

وأجاب عن هذا نصير الدين الطوسي «1» في كتاب «التجريد» بأن عدم الشيء ليس عارضًا من عوارض الماهية، ولا مانعًا من الموانع الخارجية، وإنما هو وصف لازم لماهية المعدوم، ولا ينفك عنها بحال، وإذا كان العدم لازمًا لها فوجودها محال. أما ما يظن من تكرار الحوادث فليست من نوع إعادة المعدوم، بل هي نظائر وأمثال.

 

وبالتالي، فإن لكل موجود زمانًا معينًا، وحالات خاصة لا يمكن أن يشاركه فيها أحد، ومعنى إعادته أن يعاد مع زمانه ومكانه وجميع صفاته التي كان عليها، فإن اختل شيء منها فلا يكون إعادة، والاختلال حاصل لا محالة، إذ يستحيل أن يكون للشيء الواحد وجودان، كما يستحيل أن يكون له عدمان. ويقرب من هذا القول النظرية النسبية القائلة بأن الشيء الواحد تختلف آثاره باختلاف الأوضاع والحالات التي يكون عليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1). هو محمد بن الحسن المعروف بالمحقق الطوسي، له مؤلفات كثيرة في علم الكلام والفلك والهندسة، وهو حجة الفرقة الإمامية، وقد شرح كتبه علماء كبار من السنة والشيعة، وأثبت العلم الحديث صحة نظرياته في الهندسة، وكتب عنه الغربيون الشيء الكثير، وهو صاحب الرصد العظيم بمدينة مراغة، واتخذ مكتبة تزيد على أربعمئة ألف مجلد. توفي سنة 672 ه.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد