
القيم الإسلامية أمام التحدّي الحضاري
انطلاقًا من سياقات ما مرّ معنا، من المفيد أن نؤكّد أن العقل المسلم اليوم يعيش تحدّيات حقيقية اتجاه المشروع الحضاري، إلا أن المساهمات التي قدّمها اقتصرت على أجزاء مفصولة من نقد الحضارة الغربية، وعلى تقديم تأمّلات أو أبحاث ومعالجات لقيم فلسفية وقرآنية ومجتمعية تصلح بمستوىً من المستويات للاعتماد عليها في مقاربة المشروع الحضاري الذي ما زال هذا العقل يعيشه كمنجز من ماضٍ مجيد يترك في النفس الأسى من فقدانه، وكأمل مستقبلي يتمنّاه ولا يلج فيه. وذلك بسبب عدم معايشة الرساليين المسلمين لمشروع حضاري إسلامي فعلي، يمكن البناء عليه بطروحات نظرية وفكرية..
وهنا لا بدّ من النظرة إلى المحيط الإسلامي الذي تعايش حكوماته فواصل حادّة عن شعوبها، وانفصامات في شخصيتها السياسية والفكرية – الدينية.. فالدول ذات الغالبية المسلمة ما زالت تتعامل مع الأطروحة الإسلامية كبصمة بروتوكولية في دستور البلاد المتماهي مع فصل الدين عن الشأن العام، أو وضعه تحت تصرّف الحاكم، وبما يحقق توظيفات رغباته وسياساته..
فمن الإرث الذي كانت تمثله تركيا للخلافة الإسلامية وانعطافها الحاد نحو العلمانية الصلبة، ثم الاستفاقة الإسلامية التي لم تتصالح بعد مع استقرار واضح في نموذجها. إلى مصر التي برغم ما تمثله من دور ريادي للمؤسّسة الدينية (الأزهر) فإنها شقّت طريق الربط الثقافي عربيًّا مع الغرب، وابتعثت نهضة القومية الغربية في المنطقة، وصولًا لمآلات اصطفافها بالمشروع الأمريكي الذي يعمل على توليد شرق أوسط جديد يحفظ لإسرائيل مركزية خاصة. إلى المملكة السعودية التي وبرغم دورها وموقعها المعنوي، إلا أنها لم تستطع الخروج نحو الأنموذج الإسلامي في قيم السيادة والسلطة السياسية. فضلًا عن تحقيق شرط التمثيل المستقل للحضارة الإسلامية بسبب وجود العلاقات الدولية التي ترتبط بها.. مما أفسح بالمجال لإيران وبرغم اللغة والقومية والمذهب كمعوّقات انتشار لها في العالم العربي – الإسلامي، أن تتفرّد بمطمح تقديم الأنموذج الإسلامي الذي يطل على خلق مناخات حضارة إسلامية جديدة. تدخل في مناخات من حراك الحوار والصراع الحضاري مع بقية الحضارات، سيما الحضارة الغربية المركزية الأمريكية منها، أو تلك المتفرّعة أوروبيًّا.
الأمر الذي يفرض علينا منهجيًّا أن ندرس إرهاصات ولادة الحضارة الإسلامية من خلال الأنموذج الإيراني، الذي قدّم فيه رائده المؤسّس، الإمام الخميني (قده)، نقطة انطلاق نظرية نحو هذا المشروع الحضاري، كما أنه عمل وقيادة الثورة والدولة الإسلامية على صوغ وممارسة حراك عملي انطلاقًا من أصول ومباني النظرية التي قدّمها الإمام الخميني، والتي تمّ التوافق على تسميتها بنهج الإمام الخميني، أو نهج ولاية الفقيه.. وهو نهج لم يقتصر على بناء الدولة، وإن كان للدولة موقعها المركزي فيه. إلا أنه تعدّى ذلك نحو بناء مؤسّسي لمرافق الدولة التي أخذت تؤسّس لانتماءات يصح تسميتها، في رحاب الحاكمية الإسلامية، ولأول مرة، بمؤسسات المجتمع المدني، التي تتوسط العلاقة بين الدولة والمجتمع الأهلي بانتماءاته الدينية والتقليدية.
كما أن لهذا الأنموذج دوره المتميز في حلبة الصراع الحضاري عبر ما تثيره إسلامية النظام من جهة، وطموحات التقدّم العلمي والتقني والثقافي الذي بدأ يثير القلق في مخيال الغرب عمومًا، ودولة الحضارة العالمية تحديدًا. بل هو تعدّى هذه الحدود نحو تواصل لنموذجه مع شعوب وتيارات وحركات في المنطقة تتجاوز الأطر المذهبية وتمثل الريادة الشعبية في بلدانها، كما تمثل قيادة التصدّي لأهم قضايا المنطقة وهي قضية فلسطين والصراع الوجودي مع إسرائيل. مما يوفّر لهذا النهج الإطار الجديد للمراجعة الداخلية للحقل الإسلامي بمستوياته المتنوّعة والمتعدّدة، وهو شرط الدخول إلى الحوار العالمي بين الإسلام الحضاري، والحضارات الأخرى.
انطلاقًا من ذلك، وانطلاقًا من الاستفادة من كل جهد تنظيري للمراحل السابقة التي عالجت هواجس الأمة، يمكن لنا مقاربة الموضوع الحضاري من منطلق مبحث القيم دون غيره.. ذلك أن الثقافة لا تمثل بؤرة المعنى في فهم الحضارة الإسلامية بسبب الاختلاطات التي عانتها في معترك ملاقاتها للصدمة الحضارية مع الغرب.. كما أنّ السياسة لا تصلح لأخذ هذا الدور، إذ لم يبرز دور سياسي استثنائي للجماعة أو الجماعات الإسلامية يؤهّلها لرسم مسارات حضارية لنشاطها، ونفس الكلام يمكن قوله فيما خصّ الموضوع الاقتصادي.
بينما يمكننا التأكيد على الدور الاستثنائي لمركزية ومحورية القيم الإسلامية في إنشاء حضارة إسلامية جديدة. وهي فضلًا عن ذلك تستوعب في مباحثها وفاعلياتها الشؤون العقيدية والشرعية فضلًا عن الثقافة والسياسة والاقتصاد، بل وأمور المجتمع، وبلغة بحثية لها طابعها الفلسفي. فمن المعلوم أننا على بدايات القرن الواحد والعشرين نعيش اهتمامًا جامحًا يرتبط بموضوعة القيم.. مما يسمح لنا أن نتحدث حول فلسفة قيم النهوض الحضاري.. وهذا الاهتمام إذ يواكبه عودة حضور الدين في صحواته العالمية. مما يؤهّل المبحث أن يدمج ما بين الدين والقيم في فلسفة مضافة أخذت تنتشر في شؤون الحياة، إضافة لعلوم كانت حتى الأمس خارج أي حكم قيمي، وباتت اليوم في قلب مبحث القيم والأخلاق.
هذا، وللقيم الإسلامية ميزتها الخاصة في عالمنا المعاصر.. إذا استطاعت العولمة، والعولمة الاقتصادية بنحو خاص، إذ وبعد أن فتحت العالم على مصراعيه أقامت جملة من القيم التبادلية – الاستهلاكية الخاضعة لمنطق السوق والرغبة، مما أعطى القيم معنى الأرقام والأشياء، وأفرغها من أي موضعية أو ثبات ليربطها بارتهانات الحاجة والكماليات، والرغبة المتبدّلة والنسبية.. وهو ما أحدث، وما زال، ضجيجًا هائلًا في مباحث وأطروحات القيم اليوم.. لأنه كلما ازدادت صبغة عولمة القيم، كلما تقوّضت الأصول الثابتة للقيم، وهذا ما يتجه بها نحو العدمية العابثة بكل شيء عبر فوضى الحقائق والمعاني، وفوضى الحراك الحياتي المحكوم بنفس الوقت بمنطق عنف الدولة، ودولة القوة القاهرة المسمّاة بباعث الحضارة العالمية الكونية.
إنّ هذا الفراغ الحاصل والذي عبّرت عنه بعض مؤسّسات اليونسكو بحوارات أجرتها حول القيم على أعتاب القرن الواحد والعشرين. هي واحد من أهم الأسباب التي تفتح الباب واسعًا أمام المشروع الحضاري الإسلامي ليقدّم نموذجه، بل منظومته القيمية الخاصة، وليشكّل البرنامج الإرشادي للحراك الحضاري لإنسان العالم.
ونحن في هذه العجالة، يمكن أن نرسم بعض وجوه هذه المنظومة القيمية، والتي تقوم على سردية للذات الإنسانية بخطاب إلهي مما يزاوج الذات الإنسانية بين وجهها البشري وانتمائها الإلهي. وذلك حينما تحدّث القرآن عن خلق الكون، وجعل الإنسان فيه خليفة الله في أرضه بعد أن كوّنه من طين يربطه بحيثيات الأرض، ويجعله مظهر جلالة القدرة الإلهية “خلقت الإنسان بيدي”، كما أنه سوّاه وكرّمه بنفخ الروح فيه لتسجد له رموز مُثل السماء من ملائكة الله التي ترمز للقيم الإلهية الخاصة بالإنسان من هداية الوحي، إلى رمز الرزق، ورمز الموت، ورمز الخير الذي خرج عنه رمز الشر أيضًا. ثم سخّر قدرات الأرض، وأودع فيه قدرة المعرفة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاء كُلَّهَا﴾[1]. وقدرة التّعبير والتواصل ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾[2]، وإرادة المصير ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾[3]… وابتعثه ليعيش صراع الحياة البانية للمستقبل (الهبوط نحو الأرض ليعدو بعضهم خلف بعض في مستقر وقتي لمتاع زائل هو الدنيا الراسمة للمستقر الدائم المسمّى بعين الحياة؛ ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾[4]).
وهذا الاستخلاف الجعلي من الله للإنسان أولد أول قيمة إنسانية، وهي (الخلافة)؛ والخلافة كقيمة تعني أن الإنسان ليس مالكًا مستقلًّا.. بل هو مستأمن على ما استُخلف، وهنا تأتي القيمة الإنسانية الثانية (الأمانة) كقيمة تفرض بمنطقها دلالة أن في الإنسان طاقات هائلة تؤهّله لنيل الثقة الإلهية وتحمله بنفس الوقت القيمة الكبرى الثالثة، وهي (المسؤولية)؛ والمسؤولية هنا تبدأ عن حفظ أمانة الذات الإنسانية على مقتضى الفطرة، والفطرة هي منبع قيم هائلة تعبّر عن مضامين الذات المتجهة بجهدها واكتسابها لاكتساب هويتها الفردية والجماعية عبر بذل (الجهد) كقيمة عنونها الإسلام بالجهاد الأكبر والأصغر، والذي يفتح مع القيمة الموصولة على كل تجربة لتطبيق أصول الهداية، ولو ببذل النفس حفظًا للمبادئ وحسن سير التجربة.
ومجموع هذه القيم تمثل الدائرة الأوسع والأولى في حلقة تواصل القيم. وهي التي يمكن لنا أن نسمّيها بالقيم الفطرية أو الجعلية.. والتي عنها يمكن أن تتولّد أمة القيم التي تتصل بكل حضارة وجماعة وأفراد من الناس على اختلاف شرائعهم ومناهجهم. وقد تواصل نهج الإمام الخميني، في أدبياته مع هذه الدائرة، عبر تسميتها بجبهة المستضعفين في الأرض.
وقد تكوّن بموجب هذه الحلقة الأولى من القيم، حلقة ثانية يصح تسميتها بالقيم العقيدية – التشريعية. والتي تمثل الولاية كقيمة مركز المعنى فيها. لذا، فإنها تمتد إلى كل منحىً من مناحي العقيدة: ولاية الله، ولاية الرسول، ولاية المعصوم، ولاية الفقيه.. كما وتمتد إلى كل مورد تشريعي. إذ لا يمكن إضفاء معنى للأحكام القانونية والتشريعية خارج إطار الولاية. ولتأخذ هذه القيمة حيّزها الموضوعي النافذ بما يتلاءم مع المنظومة الإسلامية الكلية، فإنها ترتبط بما لا انفكاك له بقيم العدالة. إذ العدل هو صنف التوحيد، وهو الخالق لبيئة الصلاح في مسار القيم الإسلامية التأسيسة منها والفرعية. وبموجب هذه القيمة التوسطية بين القيم العليا (المثل العليا) والقيم الإجرائية تنبني الأمة الإسلامية كحاضن لهذه الحلقة من القيم ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾[5]. ولعلّ موضوعة الشهادة هي الواصل الأكثر حساسية بين حلقة قيم الفطرة الجعلية، وقيم الأمة الإسلامية العقيدية – التشريعية.
ثم وبموجب هذه الحلقة من القيم الوسطى تتفرّع قيم الجماعات والمجموعات بما هي شعوب وقبائل ودول وقوميّات وأوطان ومؤسسات، وترتبط هذه الحلقة من القيم بالقيم الوسطى (الأمة) كمدى لحراكها الولائي المبني في فاعليته على قيمتي التولّي والتبرّي المعبِّر عن الهوية المشتركة لذوات ثقافية ووطنية وقومية متنوعة تخوض بفعل ارتكازاتها على الزمن والبعد الجغرافي ومسار تاريخها الخاص، ما يرفد خصوصيات هويتها العامة ببناءات من الذات المتعددة الأبعاد التي توصلها بالأنا والنحن والآخرين..
وما أودّ الإشارة إليه هنا، أنّ هذه الحلقات الثلاث موصولة ببعضها، بحيث تشكّل عرى الهوية العامة للحضارة الإسلامية، وهي مشدودة على الدوام لتتحيّز ضمن وقائع وذوات وحقائق ومسارات، ذلك أنّ القيم كالماء، وإن كان منها كل شيء حي، إلا أنها تأخذ أشكال الأوعية التي تتقوّم بها، والتي تظهر القيم من خلالها..
فالقيم وإن غابت عن المرأى، فلا لانعدام فيها، بل لفقدان القابل لها.. بل إنّ بعض هذه القيم يفقد مبرّر وجوده إذا كان ينتمي إلى حلقة الإجراء البانية للجماعات والمجموعات. ولم يتوفر لحراكها أن يكون حاضرًا. هذا، ومن المفيد هنا أن نؤكّد على ضرورة الخوض التفصيلي بالجوانب التالية:
أولًا: ما هي القيم؟ وكيف يجري بحثها اليوم؟ وما هو موقفنا منها؟
ثانيًا: إذا كان هناك إجماع على أنّ أصول المبحث الحضاري يتقوّم بعناصر الإنسان، الطبيعة، علاقة الإنسان بغيره وبالطبيعة،.. فمن أين نستخرج القيم الحضارية السامية والمتحيّزة والتبادلية؟
ثالثًا: كيف نقرأ موقع إيران والجماعات الإسلامية في هذا الحضور الحضاري العالمي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – سورة البقرة، آية 31.
[2] – سورة البقرة، آية 33.
[3] – سورة الإنسان، آية 3.
[4] – سورة العنكبوت، آية 64.
[5] – سورة البقرة، آية 143.
الشهادة طريق المجد والرضوان
الأستاذ عبد الوهاب حسين
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
الشيخ محمد صنقور
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
الشيخ شفيق جرادي
نشاط الدماغ وراء السلوك الجماعي وتماسكنا مع بعضنا
عدنان الحاجي
مضاعفة العذاب
الشيخ مرتضى الباشا
لزوم ذكر الله وجلاء القلوب
السيد محمد حسين الطهراني
الإيقاظ والتّنبيه في القرآن الكريم
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (فقد) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
حين نعيش لأجل الماضي.. كيف نفقد معنى الحياة؟
السيد عباس نور الدين
غزوة حنين في الرّابع من شهر شوّال
الشيخ محمد جواد مغنية
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
بين احتمال ومحض تجريد
محمد أبو عبدالله
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
الشهادة طريق المجد والرضوان
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
نشاط الدماغ وراء السلوك الجماعي وتماسكنا مع بعضنا
مضاعفة العذاب
لزوم ذكر الله وجلاء القلوب
(السّابعة ربيعًا) رواية جديدة لفاطمة أحمد آل عبّاس
الإيقاظ والتّنبيه في القرآن الكريم
معنى (فقد) في القرآن الكريم
تأخير التوبة اغترار