
طه ناقداً العقل الأدنى للغرب
في خلال ما شهدته حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم من احتدامات فكرية وفلسفية سيكون لمحمود محمد طه حيِّزاً فاعلاً في السجال الحاصل. فقد انبرى إلى تفكيك ونقد قيم الحداثة ومعارفها بوجهيها الأنطولوجي والإبستمولوجي. والمدقِّق في هندسته المعرفية سيرى كيف ربط بين نقد قيم الغرب المادية وموجبات قيامية إسلامية جديدة. وما ذاك إلا ليقينه بأن المباني الفكرية للغرب تشكل في حقيقتها الجهاز الفكري الذي يستخدمه العقل الإستعمارية لتجديد وإدامة هيمنته على بلاد المسلمين.
لقد بدت التجربة الغربية في منظومة طه مثلومة في بنيتها التكوينية. فعلى الرغم من إنجازاتها العلمية المدهشة، كانت -برأيه- تجربة استبعادية، جوهرها احتكار القوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، وتهميش الآخر، عن طريق قهره. والتجربة الغربية الاستبعادية، تجربة مصمَّمة بطريقة لا تسمح للآخرين بنقل نموذجها. فهي فكرة قلة قليلة، ظلت تُسِّير الكثرة الغالبة لخدمة مصالحها، ثم استخدمت تلك القلة، الصفوة في قهر الكثرة. وأما محاولة التأسيس لعلمانية عربية تقوم على أسس المنهج العقلي الذي انتقل منا إلى أوروبا، ذات يوم، محاولة لا تتسم ببصيرة نافذة (1). هذا فضلاً عن كونها نوعاً من أنواع الحرث في البحر. فالتربة الشرقية غير صالحة لإنبات مثل تجربة الحداثة الغربية. ولا نعني هنا، أنها غير صالحة لتبني منهج النمو التقني، أو تطبيق الديمقراطية والتعددية السياسية. وإنما نعني، أنها لا تصلح لتبني النظرة الغربية للوجود، وللإنسان.
علاوة على ذلك، فنحن لسنا بحاجة لإعادة إنتاج التجربة الغربية، وإنما بحاجة إلى نقدها. فالبداية يجب أن تكون من حيث وقفت هي. وأول ما يجب أن يطاله النقد، نظرتها المادية للوجود، وعقلانيتها “غير العقلانية” وفردانيتها المفرطة التي قامت على الانتقاص من التواصل، والتكاتف، والتعاضد الجماعي. أي مشروع جديد لا يستصحب بعداً روحياً، في تقديرنا المتواضع، مشروع فاشل، ولا يعدو كونه تكراراً لتجربة الحداثة الغربية، التي يرى أهلها أنها تعيش على المستوى الاجتماعي، شحوب أصيل مفضٍ إلى غروب أكيد (2).
يستفاد من هذه الرؤية الوحيانية النقدية عند طه أن معارف الحداثة دارت مدار العقل المقيَّد حتّى وهي تتطلَّع نحو اللاَّ مرئي، أو تبحثُ عن سرِّ «الشيءِ في ذاته». لهذا استعصى عليها النّفاذ إلى «أفقٍ تأويلي ما بَعديٍّ» ينفسحُ فيه نشاط الفكر، ويكتشفُ العقلُ قدرته على مجاوزة ذاته المسكونة بعالم الممكنات. داخل المدار سينمو ضربٌ من التشاؤم من إمكان الفوز بمعرفة ما هو محتجبٌ وراء عالم الحواس. والسبب كامنٌ في «الخلط المنهجي» الذي اقترفه الحداثيون لمّا قاربوا الدين بأبعاده الغيبيّة من خلال المنطق الأرسطي، والمنهج العقلاني الصارم للفلسفة.. وعليه سيكون من أمرِ هذا الخلط أن تشيعَ سياقات وخطوطٌ تأويليّةٌ غَلَبَ عليها الغموض والاضطراب وسوء الفهم (3).
المفارقة أنّ الممارسة التفكيرية ذات النزعة التشاؤميّة ستتمدّد إلى القلعة التي ابتنى عليها العقل الغربي أمجاد حداثته وأنوارها. والنتيجة التي يمكن التوصل إليها في هذا المجال أن التاريخ الغربي ـ كما يلاحظ أهله ـ لم يكن مسيرةً مظفرةً نحو النور والسعادة. فلقد تخلّل ذلك التاريخ انحدار عميق نحو هواجس العقل الأدنى ومشاغله منذ ما قبل سقراط إلى زماننا الحاضر. والحاصل، أنّه كلّما ازدادت محاولة الإنسان فهم دنياه، واستغرق في تأويل إنجازاته التقنيّة، ازداد نسيانه كل ما هو جوهريّ. لكن النّظّار الذين قالوا بهذا، لا يحصرون أحكامهم بتاريخ الحداثة، بل يُرجعِونها إلى مؤثِّرات الإغريق، حيث وُلِدتَ الإرهاصاتُ الأولى لنظريات المعرفة.
كان أفلاطون على علوِّ مُثُلِهِ، العلامةَ الأولى الدالّةَ على ذلك. فقد وضع موجودات العالم ضمن معايير عقليّة شديدة الإتقان؛ ثمّ جاءت الفلسفة الحديثة والعلم النظري لكي يعزِّزا هذا المَيْل، لتصبح العقلانيّة العلميّة حَكَمًا لا ينازِعُه منازعٌ في فهم الوجود وحقائقه المستترة. من بعد ذلك ستأخذ الثورة التقنيّة صورتها الجليِّة، لِتَفْتتِحَ أفقًا تأويلياً تعذَّر معه النّظر إلى الإنسان والكون بوصفهما كينونة موصولة بحقيقة التكوين. وهكذا صار لزامًا على كلّ من يبتغي الصواب، أن يضع كلَّ شيءٍ تحت سيطرة العقل الحسَّاب وعقلانيَّته الانتفاعيّة. من هذا النحو ستحذو المعرفة الحديثة حَذْوَ السّلفِ في إجراءات القطيعة بين الله والعالم، ثمّ أنزلت عليها من تأويلاتها المستجدّة جرعاتٍ زائدةٍ اهتزَّت معها مفاهيمُ التنوير من أساسها. غدت الآلة محوًرا للكون بدلاً من محوريّة الإنسان ومكانته المتعالية. وحين استطاب لها سحر التأويل استبدَّت التقنيّةُ بأمرِها، وراحت تلقي بأثقالها على الإنسان الحديث، لتطيح بمجمل قِيَمِهِ ومعارفه ورؤاه حيال نفسه وحيال الكون. وسنرى كيف آلت الأفهام بدءًا من تأويلات ديكارت وكانط فضلًا عن فلاسفة العلم إلى كهف المقولات الأرسطيّة، ولمَّا تفارقها قط. (4).
ولعل أكثر ما تُستظهرُ فيه اختبارات الحداثة ومعاثرها حين تتركز استفهاماتها عن الظاهر والمحتجب في الوجود. ولئن كان لنا أن نبيِّن هذه المسألة فسنكون بإزاء مشهديّتين تأويليّتين لكلّ منهما سؤالها الخاص: الأولى، تسأل عن عالم الأشياء والماهيّات والممكنات وتنحصر مهمّتها بالهندسة المنطقيّة التي وضعها أرسطو لنشاط الفكر البشري. والثانية، تمضي بالسؤال إلى عالم غيبيٍّ فوق زماني، مع ما يحويه من عناصر متداخلة لا تتوقّف مفاعيلها على الاستفهام عن الشيء وشيئيّته، ولا على الإنسان بما هو كائن متفرِّد يجهر بالسؤال، ولا كذلك عن سرّ الوجود المطلق.. وإنما أيضًا وأساسًا عن السؤال نفسه بما هو سؤال مؤسِّس تنطوي فيه كلّ أسئلة الوجود. ومتى عرفنا أنّ الهرمنيوطيقا التي تؤسس أفهامها على كلمات الوحي هي حركة حاوية للزمن، وتستطيع أن تنقل سؤال الوجود من حال التبدّد والزوال إلى مقام الرسوخ والديمومة، عرفنا تلقاء ذلك أن التأويل المقيَّد بالماهيات الفانية لا تكاد معارفه وأفهامه تظهر، حتى تضمحلّ وتفنى، ثمّ لتكون النتيجة تبدُّد السؤال وجوابه في الآن عينه (5).
الاستفهام كما يظهر لنا في الميراث التفسيري الإسلامي للقرآن الكريم هو نقيض المعرفة المتشائمة التي أخذت بناصية العقل لِتسُدَّ عليه آفاق التعرّف على الحقيقة الكامنة وراء الظواهر. فالمعرفة التي دعا إليها محمود محمد طه هي معرفة مؤيدة بالوحي ومسدَّدة بعناية الخالق. ولأنها على هذا النحو فإنها معرفة ساعية نحو الفائق وتدوم بدائميته. أما سؤالها الموصول بعروة وثقى بالمبدأ الإلهي فإنّه سؤال حاوٍ جميع الأسئلة المستفهِمة عمّا يستغلقُ من خفايا الكون والإنسان. ذلك يعني أن السؤال في مقام الهرمنيوطيقا الوحيانية متضمَّنٌ في مظاهر الوجود وكوامنه فلا يفصل بينهما فاصلٌ أبدًا. أما الهرمنيوطيقا الدنيوية التي ألزمت تفكير الإنسان بحدود الماهيات الفانية، وحالت دون تَفَكُّرِه بما وراء عالم الحس. إلى ما انتهت إليه عَدَميات الحداثة، عندما أعرضت عن فهم الوجود بما عالم مخلوق ومحفوظ بالعناية الإلهية وتدبيراتها (6).
المميز في تفكير محمود محمد طه انه في مواكبته لتطورات وتحولات العلوم الحديثة، وبخاصة علوم الفيزياء الكونية. غير أنه في هذا، لم يكن يقصد إثبات صدق الآيات البيِّنات استناداً إلى الإنجاز العلمي، بقدر توظيفه كحجة على نخب العالم الإسلامي التي اتخذت من العلم الحديث مرجعية نهائية وثابتة في صياغة تفكيرها. من الاختبارات التي اتخذها نموذجاً للحجة على هذه النخب ما توصل إليه جمع من العلماء لإثبات روحانية المادة. وعلى أن لكل شيء في الوجود روحه التي تناسبه.
ومما يؤيد ما ذهب إليه، ما ذكره الفيزيائيون في الفرضية التالية: “في البدء تُصمِّمُ المادة الحية (الروح) نفسها على شكل نمط حقلي هولوغرافي (مجسَّم)، وعلى أساس هذا النمط تحديداً تبني المادة لنفسها جسماً بيوكيميائياً أرضياً محدداً. ما يعني أن ثمة جانبين للحياة. وأن الأول منهما – هو ذاك الجانب الهولوغرافي، الحقلي” (7). إلى ذلك يبرهن عضو أكاديمية العلوم الروسية ب.ب. غاريايف وزملاؤه تجريبياً، على أن مثل هذه الصورة المجسدة (هولوغرافياً) تنشأ حتى ما قبل ظهور الجسم الكامل الى النور. فالمعلومات الواردة من الخارج بالنسبة للجنين (المضغة)، تجعل صبغياته (كروموزومات) تقوم بتشكيل نمطٍ موجيٍ معين. وهذا النمط، هو الذي يملي على الخلايا المنقسمة، متى وإلى أين يجب أن تنمو الرجلان واليدان والرأس. فالنمط الموجي يُشعل بالمادة، بشكل مشابه لقالب السبك الذي يُملأ بالسبيكة” إدعاء غاريايف ليس من دون أساس، ذلك بأن كل مخلوق حي ينشأ وفقاً لبرنامجٍ موجيٍ معطى مسبقاً. وقد أثبت الباحثون واحدة من أبرز روايات الكتاب المقدس عن الحمل الطاهر. وبالمناسبة كما يفترض العلماء، يمكن أيضاً تفسير نشوء الحياة على الأرض. وهنا نأتي حتماً الى فكرة الدماغ الفائق- أوالعقل الجبار للشكل الحقلي، الذي يقوم أساسه، على الأرجح، على الخلاء. ومن الخلاء تحديداً تنطلق الأمواج، التي تحمل إلى كل كائن حي المعلومات الجينية والطاقة. ذاك يشير – كما يبيِّن غاريايف- إلى أن العلم لا يجوز إيقافه، وإلا فإن الحضارة تبدأ بالمراوحة في المكان، وهذا هو المقتل بحد ذاته، وأن التحكم بالوراثة يبشر البشرية بالتخلص من أكثر الأمراض خطورة- الجينية أو الوراثية (8).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – نحو مشروع مستقبلي للإسلام- مصدر سبق ذكره – ص 59.
2 – المصدر نفسه.
3 – أنظر: محمود حيدر- نقد هيرمنيوطيقا العقل الأدنى- فصلية الاستغراب- العدد 19.
4 – نقد هيرمنيوطيقا العقل الأدنى- المصدر نفسه.
5 – م. حيدر- المصدر نفسه.
6 – المصدر نفسه.
7 – ف.ب. كازناتشيف- معهد الطب التجريبي والسريري في أكاديمية العلوم الروسية- راجع: ف.يو. تيخيبولاف- ت.س- تيخيبولاف- فيزياء الإيمان- ترجمة: شريف الخواط- دار علاء الدين- دمشق- 2014- ص 137.
8 – المصدر نفسه – ص 138.
الشهادة والشهداء
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
طريق الجهاد (1)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
ميتافيزيقا العرفان السياسي (4)
محمود حيدر
أهمّ عناصر النصر (3)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
كيف يعلق الأطفال ذوو السلوكيات المضطربة في حالات دماغية محددة؟
عدنان الحاجي
دور الجهاد في تربية الإنسان
الشهيد مرتضى مطهري
حق الجهاد
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
معركة أحد في 15 شوال عام 3 للهجرة
الشيخ جعفر السبحاني
معنى (فتر) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ممتنع الوجود
الشيخ محمد جواد مغنية
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
الشهادة والشهداء
طريق الجهاد (1)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (8)
ميتافيزيقا العرفان السياسي (4)
أهمّ عناصر النصر (3)
اللّيل نازلاً من أعاليه
(ترويض النّاقد) جديد الكاتب والنّاقد محمّد الحميدي
كيف يعلق الأطفال ذوو السلوكيات المضطربة في حالات دماغية محددة؟
ميتافيزيقا العرفان السياسي (3)
دور الجهاد في تربية الإنسان