علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
عدنان الحاجي
عن الكاتب :
من المترجمين المتمرسين بالأحساء بدأ الترجمة عام ٢٠١١، مطّلعٌ على ما ينشر بشكل يومي في الدوريات العلمية ومحاضر المؤتمرات العلمية التي تعقد دوريًّا في غير مكان، وهو يعمل دائمًا على ترجمة المفيد منها.

قد يكون التوحد أثرًا جانبيًّا لتطور الذكاء عند البشر

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

 

بعض الجينات المرتبطة بالتوحد ربما قد تطورت بسرعة في البشر، ما جعلها تلعب دورََا مهمًّا في التأثير في نمو دماغي فريد من نوعه وقدرات لغوية مميزة والتفكير المتقدم عند البشر. [التفكير المعقد هو القدرة على معالجة المعلومات وربطها واستخدامها بطرق مرنة ومتقدمة، ويشمل مهارات مثل الاستدلال، وحل المشكلات، والتخطيط المسبق، وفهم اللغة، والتفكير المجرد، ومراعاة وجهات نظر الآخرين].

 

ربما قد ساهمت هذه المقايضة الجينية في كلّ من التنوع العصبي وظهور الفكر البشري المعقد، حيث أن بعض الجينات قد يكون لها آثار إيجابية وسلبية في آن واحد. ففي هذه الحالة، هذه التغيرات الجينية نفسها، التي ساعدت البشر على تطوير قدرات إدراكية معقدة، مثل اللغة والتفكير المعقد أو المتقدم، قد ترفع من مستوى احتمال الإصابة باضطرابات، مثل التوحد والفصام. لذا، ربما يكون التطور قد فضّل وجود هذه الجينات لفوائدها، رغم أنها قد تؤدي أحيانًا إلى مثل هذه الاضطرابات. وحقيقة أن هذه الحالات تُلاحظ غالبًا في البشر - ونادرًا ما تُلاحظ لدى الرئيسيات الأخرى - توحي بأنها قد تكون مرتبطة بهذه الصفات البشرية الفريدة المذكورة أنفََا.

 

عالميََا، يُصاب طفل واحد من بين كل 100 طفل (1.0%) باضطراب طيف التوحد، بحسب ما قدرته منظمة الصحة العالمية. من منظور تطوري، يعتقد الكثير من الباحثين أن التوحّد والفصام قد يكونان منحصرين في البشر. ومن النادر جداً وجود سلوكيات مرتبطة بهذين الاضطرابين لدى الرئيسيات غير البشرية. إضافةً إلى ذلك، تتضمن السلوكيات المرتبطة بهذين الاضطرابين عموماً سمات إدراكية مثل إنتاج الكلام وفهمه، وهي سمات إما خاصة بالبشر أو تعدّ أكثر تعقيداً لديهم.

 

مع تطور تقنية فحص تسلسل الحمض النووي الريبوزي أحادي الخلية، أصبح من الممكن التعرف على أنواع خلايا محددة في الدماغ. وبنشر الباحثين المزيد من مجموعة البيانات الضخمة (1)، اتضح أن دماغ الثدييات يحتوي على تنوع هائل من أنواع الخلايا العصبية المختلفة. إضافةً إلى ذلك، كشفت دراسات التسلسل الجيني واسعة النطاق (2) عن تغيرات جينية واسعة النطاق في الدماغ خاصة بالبشر - عناصر جينومية لم تتغير كثيرًا في تطور الثدييات بشكل عام، ولكنها تطورت بسرعة لدى البشر، حيث اكتشف الباحثون أيضًا أن بعض أجزاء الحمض النووي (DNA) تتغير بسرعة كبيرة لدى البشر مقارنةً بالثدييات الأخرى، وخاصةً في الدماغ. وقد تكون هذه التغيرات الجينية الخاصة بالبشر مرتبطة بالسمات الفريدة للدماغ البشري، مثل القدرات الفكرية واللغوية المتقدمة أو المعقدة.

 

بالرغم من دراسات سابقة قد كشفت أن بعض أنواع الخلايا حافظت على اتساقها عبر التطور أكثر من غيرها، إلا أن العوامل التي وراء هذه الاختلافات في سرعة التطور لا تزال مجهولة. وقد قام باحثون هنا بدراسة مجموعات بيانات تسلسل الحمض النووي الريبوزي أحادي النواة، المنشورة حديثًا، من ثلاث مناطق متميزة في أدمغة الثدييات. ووجدوا أن أكثر أنواع خلايا الدماغ وفرةً، وهي خلايا الطبقة الثانية/الثالثة من القشرة الصدغية (تُعرف بخلايا L2/3 IT) قد تطورت بسرعة استثنائية خاصة في السلالة البشرية مقارنةً بالقرود الأخرى. والمثير للدهشة أنه إلى جانب هذا التطور السريع، تغيرت الجينات المرتبطة بالتوحد بشكل ملحوظ، على الأرجح بسبب الانتقاء (الاصطفاء) الطبيعي الخاص بالسلالة البشرية، والذي  كان مصحوبًا بتغيرات جذرية في الجينات المرتبطة بالتوحد.

 

ويوضح الباحثون هنا أنه بالرغم من أن النتائج تُشير بقوة إلى الانتقاء الطبيعي للجينات المرتبطة باضطراب طيف التوحد، إلا أن سبب منح هذا الانتقاء الطبيعي فوائد تكيفية لأسلاف البشر لا يزال غير واضح بالنسبة للباحثين.

 

الإجابة على هذا السؤال صعب لأننا لا نعرف السمات الخاصة بالإدراك لدى الإنسان، وتشريح الدماغ، وشبكة الخلايا العصبية التي منحت أسلافه البشر ميزة البقاء، لكنّ الباحثين هنا يتكهنون بأن الكثير من هذه الجينات مرتبطة بتأخر النمو، لذا فإن تطور نموها ربما ساهم في بطء نمو الدماغ بعد الولادة لدى البشر مقارنةً بالشمبانزي. علاوة على ذلك، فإن القدرة على إنتاج الكلام وفهمه، وهي سمة فريدة بالبشر، تتأثر غالبًا باضطرابات التوحد والفصام.

 

من المحتمل أن التطور السريع للجينات المرتبطة بالتوحد قد منح ميزة البقاء من خلال إبطاء نمو الدماغ بعد الولادة أو تحسين القدرة على تعلم اللغة وفهمها واستخدامها والاستفادة منها والتواصل بطرق أكثر تعقيداً وتقدمََا. طول فترة نمو الدماغ في الطفولة المبكرة (بعد الولادة) تعتبر فترة مفيدة للتطور البشري لأنها أدت إلى تفكير أكثر تعقيدًا، وذلك لأن بطء نمو الدماغ بعد الولاد منح الأطفال وقتًا أطول للتعلم وتطوير مهارات التفكير المعقد. وقد تكون هذه الفترة النمائية الأطول مرتبطة أيضًا بقدرات متقدمة، مثل اللغة، والتي غالبًا ما تتأثر سلبََا في حالات مثل التوحد والفصام. وبهذا المعنى، فإن التغيرات الجينية نفسها التي جعلت الدماغ البشري أكثر قوة وكفاءة ربما تكون قد زادت أيضًا من الاختلافات في طريقة تفكير الناس ونموهم (كما هو في المصابين بالتوحد).

 

"تفيد نتائج دراستنا أن بعض التغيرات الجينية نفسها التي جعلت دماغ الإنسان فريدًا من نوعه وميزته (في التفكير والتعلم المعقد واللغة) عن أدمغة الرئيسيات أدّت أيضًا إلى اختلافات أكبر في كيفية تطور نمو أدمغة الناس ووظائفها. بعبارة أخرى، قد تكون الجينات نفسها التي منحت البشر قدرات متقدمة هي السبب وراء تباين الناس في تفكيرهم وسلوكهم، بما في ذلك الاصابة بحالات، مثل التوحد"، بحسب المؤلف الرئيس للدراسة، ألكسندر ل. ستار Alexander L. Starr.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- http://https://academic.oup.com/mbe/article/42/9/msaf189/8245036

2- https://dogusivfcyprus.com/ngs/

المصدر الرئيس

https://www.sciencedaily.com/releases/2025/09/250927031224.htm

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد