
تمام التخلُّق الرجوع إلى المبدأ
منتهى معراج المتخلِّق الواصل في رحلة التكليف لإصلاح عالم الكثرة، هو العودة الى المبدأ. وما دام كلّ أمرٍ متعلقًا بتوحيده تعالى فلا مناص من الرجوع إليه في كل شأنٍ متعلقٍ بتدبير الاجتماع الإنساني. وهو ما يبيّنه الموحّدون في قولهم: ”إنّ النهايات هي الرجوع إلى البدايات”. وهذا القول يترجم أصل الميل والعشق لكلّ مخلوقٍ للرجوع إلى أصله ومبدئه. وبعبارةٍ أخرى هو أصل عودة كلّ غريب إلى وطنه. ويعتقد الأولياء أنّ هذا الميل إلى المبدأ يشمل كلّ ذرات الوجود ومنها الإنسان، ومهمة التكليف الإلهي تظهير هذا الاعتقاد من خلال الإرادة والعزم على أداء المهمة. والإرادة عند الأولياء تعدّ أول منازل السير الى الله عبر إصلاح شؤون الخلق. فلا فصل بين عبادة الحمد والتنزيه لله الواحد الأحد الصمد، وبين فعلية العبادة في الاجتماع الانساني. حيث تتمظهر أسماء الله وصفاته وأفعاله كشواهد وموازين في أعمال الناس وتجاربهم. وعلى هذا يجد السالك إلى الحق بمكارم الأخلاق، إنّه أمام مقتضيين، ينبغي له الأخذ بهما وهو يمضي في مسار التكليف:
ـ المقتضى الأول هو الخطاب الإلهي، وقوامه أنْ يعلم أنّ الحق يخاطبه في كلّ شيء، وأنّ هذه المخاطبة مستمرة باستمرار حياته، وأّن نص هذا الخطاب إنْ حُفِظَ رسومًا في الصحف المطهرة، فمعانيه مودعة في نفس المكلف وفي الأكوان من حوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت- 53]. وأنْ يعلم هذه الأكوان ما قامت ولا استقامت إلّا بهذه المعاني الإلهية التي على المكلف واجب طلبها، والتعرف عليها والتقرب بها إلى حضرة الله.
ـ المقتضى الثاني هو الرؤية والمراقبة، ومؤداهما أنْ يعلم المكلف أنّ الله يراه رؤية لا تنقطع، وأنّ هذه الرؤية، إنْ جاءته بالرضى عن أفعاله سعد سعادةً لا يشقى بعدها، وإنْ جاءته بالسخط شقي شقاوةً لا يسعد بعدها، وبذلك فهو مطالب بأنْ يراقب نفسه ويراقب الله في كلّ أفعاله.
ومن هذين المقتضيين الإجماليين، تتفرع ثلاثة مقتضيات تفصيلية تفترضها شروط العمل في ميادين التجربة التاريخية وهي (الاشتغال بالله)، و(التعامل مع الغير). و(التفاعل مع الأشياء أو مع سائر الموجودات).
ـ في المقتضى الفرعي الأول يدرك المكلَّف أنّه مخلوق للاشتغال بالله، وأنّ الاشتغال بغيره ينبغي أنْ يذكره بالله دائمًا وأبدًا. فما يعقل المكلف شيئًا إلّا ويجعله هذا الشيء يعقل أمر ربّه فيه.
ـ في المقتضى الفرعي الثاني، أي التعامل مع الغير، فإنّ المكلَّف يأتي أعمالًا لصالحه يبنيها على اعتقاداته مُقِرًّا لغيره في ذات الوقت بحق الاتيان بمثل هذه الأعمال الصالحة، وبحق توجيهها بما عنده من اعتقادات، كما يرتب المكلَّف هذه الأعمال جميعًا بحسب ما يقتضيه الصالح العام.
ـ أما الثالث فهو مقتضى التفاعل مع الأشياء. ففيه يتجّه المكلَّف إلى الموجودات من حوله قصد إرضاء حاجاته المشروعة، وحفظ حياته المادية، فيفعل فيها ويتصرف بها بحسب هذه الأهداف، كما تفعل فيه هذه الموجودات هي الأخرى، وتؤثر فيه بما يوافق هذه الأهداف أو يعارضها ـ فتقوم بينهما علاقات الأخذ والعطاء والتأثر والتأثير.
بذلك تدخل مكارم الأخلاق دخولًا بيِّنًا في صميم هذه المقتضيات، سواء ما تعلق منها بالمستوى الإجمالي لجهة صلة المكلف بالحق الأول، أم ما يتعلق منها بالمستوى التفصيلي لجهة صلة المكلَّف بمنعطفات وتعقيدات وشواغل الاجتماع البشري.
يكون تمام مكارم الأخلاق إذن، بالتوحيد الخالص؛ ولذا فلا مناص لبلوغ التوحيد الحق من اتبِّاع الأدب الخالص مع الله تعالى. فلو عرفنا أنّ أصل العبادة حسن التأدّب، وختامها حسن التخلّق، سوف نهتدي إلى التعرف على مسار النبوات والعلل الإلهية التي حكمت اصطفاء النبيين. فلمّا أنْ تحقَّق النبي الخاتم بالأدب التام الخالص بلغ سدرة المنتهى، وكان من العرش قاب قوسين أو أدنى. فعلم نفسه وحقيقة نبوته بتأديب المولى الأعلى فكان قوله: (أدّبني ربّي فأحسن تأديبي).
إذن، فبمكارم الأخلاق التي بُعث بها النبي، وبها ختم تاريخ الأنبياء والرسل، فُتح السبيل لمعرفة الله تعالى، وكان محمد بن عبد الله ومعه آله وأوصياءه مثالًا للإنسان الكامل المتحقِّق بجميع النعوت الإلهية الكمالية. فقد منَّ الله على النبي الخاتم بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) التي تحوي جوامع الكلم، ومكارم الأخلاق معًا. من أجل ذلك قال (ص): ”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”؛ لأنّ مكارم الأخلاق محصورة في الحقيقة الإنسانية الجامعة. وهذه الحقيقة هي التي يعبر عنها أهل الحق بالحقيقة المحمدية، حيث تكون جميع النشآت الوجودية ظهورات لهذه الحقيقة ويكون العالم صورة حقيقتها الجامعة. وبالتالي فإنّ جميع المظاهر من العقل الأول والروح الأعظم إلى الهيولي الأولى، إنّما هي رقائق لهذه الحقيقة، وبهذه الجامعية استحقت الخلافة.
ولما كانت للإنسان الكامل الظاهر في كل شيء، ظهورات وتدليات وتجليات في كلّ شيءٍ كان أول ظهوره في العقل الأول؛ ولذا قال (ص): ”أول ما خلق الله نوري” وتلك إشارة منه إلى أنّ العقل حسنةٌ من حسناته ومكرمةٌ من مكرمات الله عليه. وبالجملة فإنّ هذا الإنسان يسري في جميع الموجودات؛ ولذا قال علي (ع): ”أنا القلم وأنا اللوح”، وقال في موضع آخر: ”كنت مع الأنبياء سرًّا ومع محمد جهرًا” وأما سر معيِّته مع الأنبياء سرًّا ومع محمد جهرًا- كما يقول صاحب الحكمة المتعالية- فيعود إلى أنّ جميع الأنبياء كانوا من مظاهر وجوده، وكانت ولايتهم من شعوب ولايته وفروعه، وهو الظاهر في وجودهم، والظاهر مستور في المظهر، وإنْ كانت نفسه الزكية من مظاهر ولاية خاتم الأنبياء.
ولأنّ الحقيقة المحمدية هي نفس النبيّ مذ كان آدم بين الماء والطين كما في الحديث الشريف، فإنّها متجليةٌ في الأنفس المتسلسلة من آله المعصومين. الذين بهم تدوم الحقيقة المحمدية بمكارمها الجامعة، ثم ليفيض الله تعالى على العالم بواسطتها على العالمين بالرحمانية والرحيمية معًا.
من هاتين الرحمتين تسري مكارم الأخلاق على الفرد والجماعات، مثلما تسري على الأمم والحضارات المتعاقبة. وما في القرآن الكريم من البيّنات بصدد الاختلاف والتنوع وتكثّـُّر طرق معرفة الحق من خلال الأديان رسالات الوحي، ما يفضي إلى بيان سلسلة الوجود وصولًا إلى المصدر الأول والحق الأول. بحيث يغدو التكثُّر عين الحقيقة الواحدة في الأصل الإنساني، ذلك أنّ الاختلاف في الألوان والأعراق والألسن والثقافات والأديان هي من آيات الله وسُنَنه في الخلق؛ ولذلك كانت مكارم الأخلاق التامة غاية النبوة الخاتمة، وخاتمة الولاية المحمدّية المطلقة في العالمين.
متى عرفنا أنّ الأساس الأخلاقي في الإسلام مرجِعُه مبدأ التوحيد، أدركنا الغاية الإلهية القصوى من ختم النبوَّة. أي كمال الدين، حيث يستوى حضور الإنسان في حركة الزمن على نصاب الاعتدال بمكارم الأخلاق. وبهذا الاستواء المتحقِّق بنبوة رسول الإسلام يفتح الله بالشريعة المقدسة هداية البشرية، ويؤيُّدها بالتبصُّر والتخلُّق لتبلغ سعادتها العظمى.
لقد شهدت فلسفة الأخلاق الإسلامية تأسيسات مهمة في علم المعرفة الأخلاقية. نشير في هذا المقام إلى فيلسوف الأخلاق المسلم أبي علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه الرازي (320-932م).
حدّد مسكويه الإطار الذي تعمل فيه الأخلاق ويفعل فيه المتخلّق وهو بذلك يضبط الشّروط التي تجعل من الفعل فعلًا خلقيًّا صادرًا عن الإنسان لا بوصفه إنتاجًا آخر غير ذاته، وإنّما بوصفه فعلًا تنشئه الذّات معبّرة عن نفسها. وبما أنّ الأمر على هذا النّحو فإنّ الإنسان مجبولٌ على التّخلّق جبلّة استعداد، أو تهيّئ للفعل الخلقيّ، ولا يخرج الفعل إلى واقع الممارسة والظّهور إلاّ بالاكتساب والتّحصيل، وهنا يكون السّؤال الأوّل الذي طرحه مسكويه ضروريًّا ومبدئيًّا، أي سؤال بداية وتأسيس. كيف ”نحصل لأنفسنا خلقًا تصدر به عنّا الأفعال كلّها جميلة وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة ولا مشقّة ويكون ذلك بصناعة وعلى ترتيب تعليميّ”.
إذا كان الأمر كذلك كما بّيّنّا فإنّ مشروع التّفكير في تهذيب الأخلاق سيتعلّق بأمرين مهمّين:
-أوّلهما: السّؤال عن كيفيّة حصول النّفس على الخلق الحسن، أي كيف نجعل من أفعالنا جميلة؟
-وثانيهما: كيف يكون فعلنا الأخلاقيّ سهلًا لا كلفة فيه ولا مشقّة؟
هذان السّؤالان يخفيان أمرًا مهمًّا متعلّقًا بطبيعة الفعل الإنسانيّ (الخلق) أي الإجابة عن سؤال مهمّ خاض فيه كلّ من فكّر في الإنسان ألا وهو السّؤال عن حقيقة السّلوك المكتسب والسّلوك الفطريّ. وإنّ الخلق فعلٌ وسلوكٌ وهو ليس فطريًّا؛ ولذلك يمكن التّفكير فيه على نحو يجعله ممكنًا وصادرًا عن الذّات الفاعلة بصورةٍ تلقائيّةٍ وكأنّه فعل فطريّ يعبّر عن السّجيّة والجبلّة وليس عن الاكتساب والتّعلّم. فالتّهذيب مصطلحٌ جيّدٌ وصنعه يكشف عن فطنة وحكمة، وهو أنّ السّلوك الإنسانيّ يحتاج إلى تهذيب، وهو التّعليم والتّدريب والإصلاح والتّوجيه وهو أيضًا تعلّم يحدث في الزّمان، أي زمان الفعل التّربويّ، فالتّهذيب تربيةٌ وسعيٌ إلى بناء إنسانيّة الإنسان وبناء قيمه والرّفع من شأنه في سلّم قيمه.
وهذا ما يؤكّد ما كنّا قد ذهبنا إليه سابقًا لمّا أكّدنا الإنسانيّ في الإنسان. ومن ثمّ فإنّ الكشف عن شروط الفعل الأخلاقيّ وعن حقيقة الأخلاق أو الخلق لا يكون إلاّ بالنّظر في حقيقة الإنسان ما هي. وهذا ما دفع مسكويه إلى النّظر في سؤال الإنسان منذ مطلع كتابه تهذيب الأخلاق. ”ولمّا كان لكلّ صناعة مبادئ عليها تبتني وبها تحصل وكانت تلك المبادئ مأخوذة من صناعة أخرى”، فإنّ النّظر في الأخلاق والتّفكير في حقيقتها يحتاج إلى النّظر في المبادئ، والنّظر في المبادئ يحتاج إلى مجالٍ آخر من الحكمة هو الحكمة النّظريّة. فقد سبق أن بّيّنّا أنّ مبادئ الحكمة العمليّة مأخوذة من الحكمة النّظريّة. وأنّ الحكمة تكمن في تحقّقهما نظريًّا وعمليًّا.
وهذا التّحقّق هو الكمال الذي تصبو إليه كلّ نفس، ”فالإنسان يصير إلى كماله، ويصدر عنه فعله الخاصّ به إذا علم الموجودات كلّها أي يعلم كلّيّاتها وحدودها التي هي ذواتها لا أعراضها وخواصّها التي تصيّرها بلا نهاية”. ومن ثمّ يصير العلم بالموجودات ضرورة يطلبها العقل تحقيقًا لتمام الإنسانيّة فيه، وفي هذا بيان من مسكويه بأنّ علم الوجود وإنْ كان أرقى المواضيع فإنّ الغاية القصوى منه إدراك الكمال الإنسانيّ. فمعرفة الله معرفة أولى ومعرفة الإنسان معرفة ثانية لأنّ ”الذي ينبغي أنْ نعلمه الآن أنّ وجود الجوهر الإنسانيّ متعلّق بقدرة فاعله وخالقه، تبارك وتقدّس اسمه”. وهكذا لا يمكن أنْ يُطلب علم الوجود إلاّ ويُطلب معه علم الإنسان.
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (4)
محمود حيدر
تعرّض الجنين لبعض الأدوية والإصابة بالتوحد
عدنان الحاجي
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (1)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
معنى قوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
الشيخ محمد صنقور
لا تبذل المجهود!
عبدالعزيز آل زايد
لماذا الخوف من الموت؟
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (فرث) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الخامس من ذي القعدة: رفع القواعد من البيت على يد إبراهيم (ع) وإسماعيل (ع)
الفيض الكاشاني
ثمرات الذّكر
السيد عادل العلوي
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
السيّدة المعصومة: جمانة عقد الإمامة
حسين حسن آل جامع
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (4)
تعرّض الجنين لبعض الأدوية والإصابة بالتوحد
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (24)
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (1)
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
حين ينبض القلب مسكا
العسيّف يوقّع في القطيف كتابه الجديد (أنت طاقة)
أمسية شعريّة لابن المقرّب بمشاركة الشّاعرين سباع والسّماعيل
كيف نجعل موتنا سعادة؟
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (3)