
الشيخ محمد صنقور ..
قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (1)
إذا كان الله تعالى ترك إبليس مختارًا بين الهداية والغواية، وآثر إبليس الغواية على الهداية.. فأبى السجود وقال ما قال.. فهو الذي أضلّ نفسه وغواها.. فلم جاءت الآية الكريمة بلسان إبليس بأنَّك يا رب "تعالى عن ذلك" الذي أغويتني، ولأنَّك أغويتني سأفعل كذا وكذا.. فسيكون هذا منافيًا للعدل...
نعم الظاهر من الآية الشريفة أنَّ إبليس نسب الغواية التي وقع فيها إلى الله جلَّ وعلا، وحيثُ إنَّ الظاهر من مدلول الغواية هو الضلال فهذا يقتضي أنْ يكون معنى "أغويتني" هو نسبة الإضلال لله جلَّ وعلا.
إلا أنَّه ليس في الآية ما يُشعر بأنَّ الله تعالى قد ارتضى ما ادَّعاه إبليس من نسبة الإضلال لله تعالى، فالآية الشريفة إنَّما كانت بصدد نقل ما ادَّعاه إبليس، وليس فيها ما يدلُّ أو يُشعر بأنَّ الله تعالى قد أقرَّه على دعواه بأنَّ الغواية التي وقع فيها كانت بإلجاءٍ وقسرٍ من الله تعالى.
فقول إبليس ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ كان محضَ افتراءٍ منه على ربِّه جلَّ وعلا، وذلك لوضوح أنَّ إبليس لو كان مقسوراً على المعصية وأنَّ الله تعالى قد أجبره على الوقوعِ فيها لما سخِط عليه ولما لعنه وطرده من رحمته وتوعَّده بالعقاب الشديد والدائم يوم القيامة، وهذ هو منشأ عدم تصدِّي القرآن في الآية الشريفة لنفي ما ادَّعاه إبليس من أنَّ الله تعالى قد ألجئه وأجبره على الوقوع في الغواية والضلال.
إذ يكفي للرد على هذه الفرية ما بيَّنه القرآن من سخط الله على إبليس وطرده إيَّاه من رحمته وبيان أنَّ منشأ السخط هو استكباره وتمرُّده على ما أُمر به من السجود لآدم (ع)، قال تعالى قبل الآية المذكورة: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ/ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (2) فالواضح من هاتين الآيتين أنَّ الله تعالى قد أسند صدور المعصية لإبليس نفسه، فبعد أن أنكر عليه عدم السجود رغم الأمر ولم يقبل اعتذاره بأنَّه خيرٌ من آدم نسَبه إلى التكبُّر وبيَّن أنَّ مشأ عدم امتثاله للأمر المولوي هو ما ينطوي عليه قلبُه من الكِبْر ثم طرده بعد أنْ وصفه بالصَغار فقال تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾
فالآيتان صالحتان للردّ على دعوى إبليس أنَّ الله تعالى هو مَن ألجئه وقسَره على الضلال، فإبليس قد ادَّعى ذلك ولكنَّ الله تعالى أفاد أنَّ منشأ ضلال إبليس ومعصيته إنما هو كبرياؤه، فوقوعه في الضلال كان بسوء اختياره فهو مَن اختار التكبُّر وما كان له أن يتكبَّر كما أفاد القرآن، فمفاد قوله تعالى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ﴾ صريحٌ في أنَّ التكبُّر الذي أفضى للمعصية كان بمحض اختيار إبليس ولم يكن ذلك عن إلجاءٍ كما توهَّم إبليس أو كما افترى على الله تعالى، ولهذا كان جزاؤه من جنس عمله وهو التصغيرُ والتحقير قال تعالى: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.
وكذلك هو الشأن في الآية من سورة الحجر: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (3) فإنَّ هذه الآية وإنْ اشتملت على دعوى إبليس إسناد وقوعه في الغواية لله جلَّ وعلا إلا أنَّه يكفي لتكذيب دعواه ما أفاده القرآن قبل هذه الآية من أنَّ الله تعالى قد سخط عليه لعصيانه الأمر بالسجود ثم لعنه وطرده من رحمته إلى يوم البعث، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾(4) فلو كان الله تعالى مرتضياً لدعوى إبليس على ربِّه أنَّه الجئه وأجبره على الغواية لما أنكر عليه أولاً عدم امتثال الأمر بالسجود قال: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ فإنَّ هذا الاستفهام استنكاري والواضح منه إسناد عدم السجود إلى اختيار إبليس، وكان جواب إبليس متضمِّناً للإقرار بأنَّ عدم سجوده كان باختياره حيثُ نسبَ عدم سجوده لنفسه وعلَّله بأنَّه خيرٌ من آدم (ع) فقال أولاً: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ فهو قد أسند عدم السجود لنفسه وهو ظاهر في الاختيار ثم علَّل هذا الاختيار بما يُعبِّر عن كبريائه وإعجابه بنفسه واحتقاره لجنس الإنسان ثم إنَّ الله تعالى عاقبه على معصيته بالطرد والرجم باللعنة إلى يوم الدين، وكلُّ ذلك ينفي دعوى إبليس كان مجبراً على الضلال والغواية.
ولهذا لم تكن حاجة بعد نقل دعواه "أغويتني" إلى تكرار النفي والتكذيب لها.
والمتحصَّل أنَّ قوله تعالى: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ كان في مقام النقل لما ادَّعاه إبليس، ومجرَّد نقل الدعوى لا يُعبِّر عن قبول الناقل بمؤدَّاها خصوصاً حين يكون الناقل خصماً للمدَّعي وكان في مقام التشنيع والتحذير منه، ثمَّ أنَّ ما سبقَ من بيان المنشأ الحقيقي لمعصية إبليس يُغني عن الحاجة للتصدِّي مرةً أخرى لتكذيب دعوى إبليس.
على أنَّ قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ (5) جاء بعد نقل القرآن لدعوى إبليس وذلك يؤكِّد أنَّ معصيته نشأت عن سوء اختياره ولذلك استحق أنْ يُخرجه ربُّه ﴿مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾.
ـــــــــــ
1- سورة الأعراف آيه/16.
2- سورة الأعراف آيه 12/13.
3- سورة الحجر آيه /39.
4- سورة الحجر آيه 32/35
5- سورة الأعراف آيه/18.
معنى (منّ) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
أهميّة قوة العضلات في خفض معدّل الوفيات للنّساء فوق الستين
عدنان الحاجي
البعض لا يتغيّر حتّى في شهر رمضان المبارك، فماذا عنك أنت؟!
الشيخ علي رضا بناهيان
أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)
السيد جعفر مرتضى
معرفة الإنسان في القرآن (4)
الشيخ مرتضى الباشا
{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا..} (البرّ) بين الرّفع والنّصب
الشيخ محمد صنقور
شروط استجابة الدعاء
الشيخ محمد مصباح يزدي
اللهمّ إني أفتتح الثّناء بحمدك
السيد محمد حسين الطهراني
صفات الله سبحانه وتعالى الجماليّة والجلاليّة
السيد عادل العلوي
هل الله سبحانه وتعالى بحاجة إلى الصيام والصّلاة؟
السيد عبد الحسين دستغيب
أبو طالب: كافل نور النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشكاة اللّيل
فريد عبد الله النمر
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
معنى (منّ) في القرآن الكريم
أهميّة قوة العضلات في خفض معدّل الوفيات للنّساء فوق الستين
اختتام حملة التّبرّع بالدّم (النّفس الزّكيّة)
البعض لا يتغيّر حتّى في شهر رمضان المبارك، فماذا عنك أنت؟!
أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)
معرفة الإنسان في القرآن (4)
شرح دعاء اليوم التاسع من شهر رمضان المبارك
كيف يؤثر صيام شهر رمضان على الجسم؟
{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا..} (البرّ) بين الرّفع والنّصب
شروط استجابة الدعاء