
الشيخ علي الكوراني
عهد داود وسليمان عليهما السلام
جعلنا عهد طالوت (شاول) جزءًا من عهد داود وسليمان عليهما السلام، لأنه كان ملكاً على خط الأنبياء عليهم السلام ولم يكن نبياً. ويذكر المؤرخون أنه حكم خمس عشرة سنة 1025 إلى 1010 قبل الميلاد، وحكم بعده داود وسليمان عليهما السلام من 1010 ق. م. إلى 931 ق. م. سنة وفاة سليمان.
ويلاحظ أن مؤلفي التوراة الموجودة قد أكثروا من ظلمهم وافترائهم على أنبياء الله موسى وداود وسليمان عليهما السلام، ورموهم بعظائم التهم الأخلاقية والسياسية والعقائدية! وقد تبعهم في ذلك وزاد عليهم أكثر المؤرخين النصارى الغربيين، ثم تبعهم على ذلك المسلمون أصحاب الثقافة الغربية. صلوات الله على أنبيائه جميعاً، ونبرأ إلى الله ممن اتهمهم بسوء.
لقد أنقذ داود عليه السلام بني إسرائيل من الوثنية التي تورطوا فيها، ومن تسلط الوثنيين، ومد نفوذ دولته الإلهية إلى المناطق المجاورة، وعامل الشعوب التي دخلت تحت حكمه بالحسنى، كما وصف الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله.
وأراد داود أن يبني مسجداً في مكان عبادة جده إبراهيم في القدس على جبل (المَرِيَّا) وكان المكان بيدراً للحبوب لأحد سكان القدس من اليبوسيين اسمه أرونا، فاشتراه منه بخمسين شاقلاً فضة كما تذكر التوراة الموجودة (1). وبنى فيه مسجداً أقام فيه الصلاة، وفي جانب منه كانت تذبح الأضاحي لله تعالى. وورث سليمان ملك أبيه وبلغ مكة ما ذكره الله تعالى في قرآنه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله، وبنى مسجد أبيه داود وإبراهيم، بناء جديداً فخماً عرف باسم هيكل سليمان.
إن فترة حكم سليمان عليه السلام هي فترة استثنائية في تاريخ الأنبياء عليهم السلام جسَّد الله تعالى فيها للعالم نموذجاً للإمكانات الهائلة المتنوعة التي يمكن أن يسخرها لحياتهم إذا هم أقاموا كيانهم السياسي بقيادة الأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام، ولم يستغلوها في البغي على بعضهم: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (2).
وتوفي سليمان عليه السلام وهو جالس على كرسيه كما وصف القرآن، ويحدد المؤرخون ذلك بسنة 931 ق . م. وبمجرد وفاته وقع الانحراف في بني إسرائيل والانقسام في الدولة، وسلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب.
تقول التوراة الموجودة في سفر الملوك الأول: إصحاح 11 : 1 ـ 13، بعد أن تفتري على سليمان عليه السلام بأنه ترك عبادة الله تعالى وعبد الأصنام: (وقال لسليمان: من أجل أن ذلك عندك، ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها، فإني أمزق المملكة عنك تمزيقاً).
عهد الانقسام والصراع الداخلي
وقد اشتد صراعهم الداخي حتى استعانوا على بعضهم بالقوى الوثنية المتبقية حولهم، وبفراعنة مصر وآشور وبابل.
فقد اجتمع اليهود بعد موت سليمان عليه السلام في شكيم (نابلس) وبايعت أكثريتهم يربعام بن نباط الذي كان عدواً لسليمان في حياته، وهرب منه إلى فرعون مصر فلما توفي سليمان رجع ورحب به اليهود، وأقام في الضفة الغربية كياناً باسم دولة إسرائيل وجعل عاصمته شكيم أو السامرة، وبايعت قلة منهم رحبعام بن سليمان وجعل عاصمته القدس، وعرفت دولته باسم يهوذا.
أما وصي سليمان آصف بن برخيا الذي يصفه الله تعالى بأنه ﴿... عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (3) فلم يكن نصيبه من بني إسرائيل إلا التكذيب!
وتذكر التوراة أن الكفر وعبادة الأصنام كان علنياً في أتباع يربعام وأنه: (صنع عجلين من ذهب ووضع أحدهما في بيت إيل والثاني في دان وجعل عندهما مذابح وقال لهم: هذه آلهتكم التي أصعدتكم من مصر فاذبحوا عندها ولا تصعدوا إلى أورشليم، فاستجاب له الشعب)! (4).
وإلى جانب العجلين أمر يربعام بعبادة آلهة أخرى منها عشتروت إلهة الصيدونيين وكموش إله الموآبيين، ومكلوم إله العمونيين! (5). وبعد ثلاث سنوات سارت مملكة يهوذا في ذات الطريق فعبدت الأصنام! (6).
وقد اغتنم شيشق فرعون مصر هذه الفرصة وقام في سنة 926 ق. م. بحملة لمساعدة يربعام، والقضاء على دولة ابن سليمان وجماعته، فاحتل القدس: (وأخذ خزائن بيت الرب وبيت الملك، وأخذ كل شيء، وأخذ أتراس الذهب التي عملها سليمان) (7).
ويبدو أن ظروف فرعون مصر لم تساعده لفرض سيطرته المستمرة أو سيطرة حليفه يربعام. فبعد انسحاب شيشق استعادت المملكة الصغيرة شيئاً من كيانها، ولكن الحروب استمرت مع يربعام.
كما استغل الأراميون ضعف الدولتين فهاجموا مملكة يهوذا وساقوا رؤساءهم سبايا إلى عاصمتهم دمشق، وفرضوا عليهم الجزية وذلك في عصر الملك الأرامي بن هدد : 879 ـ 843 ق . م. (8). ثم فرضوا الجزية والحماية على مملكة يربعام في زمن مملكة آخاب بن عومري 874 ق . م 853 ق . م.
وتذكر التوراة أيضاً غزو الفلسطينيين والعرب الذين بجانب الكوشسيين لمملكة يهوذا في زمن الملك يهورام، حيث احتلوا القدس واستولوا على الأموال في بيت الملك وسبوا أبناءه ونساءه! (9).
وتذكر أن الجيش الأرامي غزا بيت المقدس وأهلك كل الرؤساء وأخذ جميع الخزائن وقدمها إلى حزائيل ملك الأراميين! (10).
وكذلك هجم يوآش ملك إسرائيل على يهوذا وهدم سورها، وأخذ كل الذهب والفضة وجميع الآنية الموجودة في بيت الرب وفي خزائن بيت الملك (11). وقد استمرت هذه الحالة من الصراع فيما بينهم، وتسلط الممالك المجاورة عليهم إلى الاحتلال الآشوري!!
عهد السيطرة الآشورية
بدأت السيطرة الآشورية على اليهود بحملة شلمنصر الثالث ملك الآشوريين 859 ق.م. ـ 824 ق. م. على مملكة الأراميين ومملكة إسرائيل حيث أخضع المنطقة لحكمه وحكم من بعده من الآشوريين، ويبدو أن مملكة يهوذا كانت محافظة على طاعة الآشوريين بعكس مملكة إسرائيل، لأن التوراة تذكر طلب ملكها آحاز بن يوثام من تغلث فلاسر ملك آشور القيام بحملة على مملكة إسرائيل والأراميين فاستجاب له الأخير وقام بحملة في سنة 732 ق.م، وتابع مهمته خلفه شلمنصر الخامس ولكنه توفي أثناء حصاره لعاصمتها شكيم (السامرة) فأكمل خلفه سرجون الثاني احتلال السامرة، وقضى على هذه المملكة نهائياً.
وقد استعمل الآشوريون في القضاء على مملكة إسرائيل خطة الإجلاء لليهود، فقد سباهم تغلث فلاسر إلى بلاده، وأسكن مكانهم آشوريين، كما وورد في سفر أخبار الملوك الثاني إصحاح 15 : 29 . وقام بعده الملك فقح بإكمال الخطة فسبى سبط منسي وغيره، كما في أخبار الأيام، (إصحاح 5 : 29). وسرجون الثاني الذي أجلى منهم حوالي ثلاثين ألفاً إلى حران وضفة الخابور وميديا، وأسكن مكانهم الأراميين. (الملوك الثاني إصحاح 17 : 5 ، 6 و 18).
ثم خرجت مملكة يهوذا عن طاعة الآشوريين في عهد ملكها حزقيا الذي قام على ما يبدو بالاتصال بالمصريين، فغضب عليه سنحاريب ملك آشور وقام بآخر حملة آشورية لإخضاع مملكة يهوذا حوالي سنة 701 ق.م وأخضع المنطقة واحتل القدس ودفع له حزقيا (جميع الفضة الموجودة في بيت الرب وفي خزائن بيت الملك)! (12).
وتذكر التوراة الموجودة غير من تقدم من ملوك آشور: أسرحدون، وآشور بانيبال آخر ملوكهم، وأنهما نقلا أقواماً من آشور وأسكنوهم في السامرة.( سفر عزرا، إصحاح 4 : 10).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. سفر صموئيل الثاني : إصحاح 24 : 24 ، وسفر الأخبار الأول : إصحاح 21 : 22 ، 28 .
2. القرآن الكريم: سورة الشورى (42)، الآية: 27.
3. القرآن الكريم: سورة الرعد (13)، الآية: 43.
4. سفر الملوك إصحاح 12 : 26 ـ 33 .
5. سفر أخبار الملوك الأول، إصحاح 12 : 31 وأخبار الملوك الثاني ، إصحاح 11 : 13 ـ 15 وإصحاح 13 : 9 .
6. سفر أخبار الملوك الأول ، إصحاح 14 : 21 ـ 24 والملوك الثاني ، إصحاح 11 : 13 ـ 17 وإصحاح 12 .
7. سفر أخبار الملوك ، إصحاح 14 : 25 ـ 26 .
8. سفر الملوك الثاني إصحاح 13 : 3 ـ 13 .
9. الملوك الثاني ص 21 : 16 ـ 17 .
10. سفر الملوك الثاني ، إصحاح 24 : 3 وإصحاح 12 ـ 17 ـ 18 .
11. سفر الملوك الثاني إصحاح 14 : 11 ـ 14 وإصحاح 25 : 21 ـ 24 .
12. سفر أخبار الملوك الثاني ، إصحاح 18 : 13 ـ 15 .
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (كدح) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
محمود حيدر
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
الشيخ مرتضى الباشا
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
الشيخ محمد مصباح يزدي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
خلاصة تاريخ اليهود (2)
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
معنى (كدح) في القرآن الكريم
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
زكي السالم: (مع شلليّة الدعوات؛ لا تبطنَّ چبدك، ولا تفقعنَّ مرارتك!)
أحمد آل سعيد: الأطفال ليسوا آلات في سبيل المثاليّة
خلاصة تاريخ اليهود (1)
طبيب يقدّم في الخويلديّة ورشة حول أسس التّصميم الرّقميّ