
قال الله تعالى (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) العاديات.
تقدّم الكلام عن الصفة الأولى، وهي (كنود)، ووصلت المرحلة للصفة الثانية (على ذلك لشهيد)، فالإنسان يعلم بكونه كافرًا بالنعمة وجاحدًا لها، ويعترف ويقرّ بوجود هذه الصفة فيه. وهنا نتذكر قوله تعالى (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ) القيامة.
س: ما معنى (بصيرة)؟
(بصير) على وزن (فعيل) صيغة مبالغة تدل على شدة البصيرة وقوتها. ثم جاءت (التاء) في نهاية الكلمة، فأفادت زيادة أكثر وأكثر في البصيرة. ونظير ذلك التاء في كلمة (علّامة - فهّامة).
والحاصل من ذلك: أن بصيرة الإنسان بنفسه شديدة جدًّا جدًّا، حتى وإن أبرز في الخارج بعض الأعذار والحجج، إلا أنه يبقى في قرارة نفسه يعلم بالحقيقة، وبما يريد إخفاؤه من باطنه وأسراره.
س: ما الفرق بين (على نفسه بصيرة) و(على ذلك لشهيد)؟
(بصيرة) أي بينه وبين نفسه. أما (شهيد) فيعطي معنى أنه يعترف ويقرّ في الخارج، ويشهد على نفسه.
س: كيف نتصوّر شهادة الإنسان على نفسه بكفران النعمة والجحود والكنود؟
ج: 1- بعض أنواع الكفر والجحود يعترف الإنسان به ويتجاهر، كالملحدين الذين يتفاخرون بإنكار وجود الله تعالى، وكالمشركين الذين يعبدون أشياء أخرى من دون الله تعالى.
2- قد عرفت سابقًا أنّ استعمال النعم الإلهية في معصية الله تعالى؛ هذا نوع من الكنود والجحود، والبشر (ما عدا المعصوم) لا يمكنه إنكار وقوعه واستمراره في هذا النوع من الكنود ولو بمرتبة من المراتب، وصورة من الصور.
3- في كثير من الأحيان، تصدر فلتات اللسان، التي تكشف عما في ضمير الإنسان. وهذا ما نشاهده بالوجدان في كثير من الحالات، عندما يفلت اللسان ويعترف ببعض الحقائق.
4- كثير من الأحيان يدين الإنسان بعض التصرفات التي وقعت من الآخرين، ويستنكرها، ويشنّع على أصحابها، فإذا كان هو نفسه قد فعل فعلًا مماثلاً لذلك الفعل، فإدانته للآخرين، هو في نفس الوقت إدانة لنفسه.
5- الشهادة لا تقتصر فقط على اللسان، فسيرة الإنسان وأفعاله هي خير شاهد على ما يضمر في باطنه. الإنسان الذي يكثر من ذكر المصائب التي وقعت له مثلاً، ولا يذكر النعم، فسيرته هذه خير شاهد ضده، ولا يحتاج بعد ذلك إلى شاهد من الخارج لإدانته.
6- في يوم القيامة يشهد الإنسان على نفسه بما فعل، قال الله تعالى (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) الأنعام: 130.
وصلت النوبة للحديث عن الصفة الثالثة، وهي (لحب الخير لشديد)، وهنا احتمالان:
الاحتمال الأول: المقصود من (الخير) في هذه الآية الكريمة هو (المال)، فيكون معنى (شديد) أي بخيل وشحيح، والمعنى الحاصل: أنّ الإنسان بسبب شدة حبّه للمال، يحرص عليه، ويبخل به، فيمتنع عن الإنفاق في سبيل الله تعالى، ويمتنع عن بذل الحقوق الشرعية الواجبة والمستحبة في ماله. ولعله أيضًا يجمع المال من الطرق غير المشروعة بلا مبالاة، وبذلك تكون هذه الصفة من الصفات الذميمة التي توجد في الطبيعة البشرية إذا لم تخضع لعنصر التربية والتهذيب.
وقد وردت كلمة (خير) بمعنى (مال) في القرآن الكريمة، كما في الآية الكريمة التالية (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) البقرة:180.
الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود من (الخير) هو (كل أنواع الخير)، وليس (المال) لوحده. فالإنسان شديد المحبة لجلب الخير لنفسه، وللاحتفاظ بالخير. وهذه صفة كمال في حد ذاتها، إلا أن المشكلة تكمن في بعدين، هما:
البعد الأول: جهل الإنسان بالخير الواقعي الحقيقي، فمن يغصب أموال الآخرين مثلاً؛ يعتقد أن حصوله على تلك الأموال خير له، ولكن الواقع أن الغصب والظلم ظلمات بعضها فوق بعض، قال الله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة: 216.
البعد الثاني: جهل الإنسان بالطريقة الصحيحة للمحافظة على الخير وتنميته وزيادته، فمن يبخل عن دفع الزكاة يعتقد أنه يحافظ على خيره وأمواله، ولكن الواقع أن إخراج الزكاة هو السبب الصحيح للزيادة والنمو والبركة في الأموال.
وبناءً على هذا الاحتمال، فالآية الثالثة توضّح السبب الذي يجعل الإنسان (كنودًا) فالإنسان لشدة حبّه للخير، كلما أعطاه الله تعالى نعمة، فهو يريد أكثر فأكثر، ولا يملأ عينه ما حصل عليه، إلا أنّ الإنسان لا يسلك الطريق الصحيح للاستزادة، وهو الحمد والشكر لله تعالى، بل يسلك مسلك الكفران بالنعمة. وهذا السلوك أشبه ما يكون بسلوك الطفل، الذي أعطته أمّه قطعة من الشكولاته، ولكنه يريد قطعة أخرى، فيعمد إلى إخفاء ما لديه من الشكولاته، وينكر أنه قد أخذ نصيبه من ذلك، ولعله يبكي ويصرخ، لاعتقاده أن هذا السلوك ربما يؤدي إلى حصوله على مراده. فتأمّل جيدًا.
مجسّات النص الشّعري وكبسولات الرّؤيا
هادي رسول
نكِّروا لها عرشها
الشاعر هادي رسول
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
ضوضائي العظمى
حبيب المعاتيق
منشغلاً بمستحيل ما
محمد أبو عبدالله
أولى انتصاراتي أن أريدا
أحمد الرويعي
السّيّدة المعصومة: كريمة بيت العصمة
حسين حسن آل جامع
على قدر عمقك يكون الغرق
علي الخويلدي
مقام الحبّ
فريد عبد الله النمر
معارج الشّوق
زهراء الشوكان
لا تقتلوه
إبراهيم بوشفيع
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
مجلس الصّفّار يحتفي بالمعتوق وإصداره حول جزيرة تاروت
«حين تكتب النّفس حكايتها» لقاء الأدب وعلم النّفس في الدّمّام
أطلال مسجد جواثا في واحة الأحساء
الشّيخ أحمد بن طعّان في كربلاء: يا ربّ عجّل بالظّهور
أحمد آل سعيد: ينبغي أن تكون الصّحّة النّفسيّة أولويّة لدى كلّ فرد
«القاصّ الذي أخرج نساء قريته من الجنّة» إصدار جديد لحسين السّنونة
قصبات هجر الثّلاث ونخيلها من أعلى جبل أبي حصيص
الطّبّ الشّعبيّ في الأمثال الأحسائيّة
الأزرقيّ المكّي وكتابه الفريد (أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار)
(إدارة الحياة الزّوجيّة بكفاءة) محاضرة لآل إبراهيم في برّ سنابس