
الإمام الرضا (ع)، عالم الأُمّة وإمامها، ولد عام (148 ه)، وقبض في صفر سنة (203 ه)، وقد انتشر عنه العلم ما لم ينتشر من غيره من الأئمّة سوى الصادق عليهما السلام، وقد أُتيحت له الفرصة، ولم تعارضه السلطة، فناظر أحبار اليهود، وبطارقة النصارى، والمجسّمة، والمشبّهة من أصحاب الحديث، فظهر برهانه، وعلا شأنه.
يقول كمال الدين بن طلحة في حقّه: نما إيمانه، وعلا شأنه، وارتفع مكانه، وظهر برهانه... فمهما عدّ من مزاياه كان عليه السلام أعظم منه، ومهما فصّل من مناقبه كان أعلى رتبة منه. (1)
كان عليه السلام يعيش في عصر تفتّحت فيه العقول، وانتشرت بذور الشكّ والضلال بين المسلمين عن طريق احتكاك الثقافتين الإسلاميّة والأجنبيّة، وانتشار تراجم الكتب اليونانيّة والهنديّة والفارسيّة ، وكان جبلاً صامداً في وجه الآراء الساقطة المضادة للكتاب والسنّة، وسيوافيك بعضها:
1. روى صفوان بن يحيى قال: سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ لإبراهيم: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة : 260] أكان في قلبه شك ؟ قال: «لا، كان على يقين، ولكنّه أراد من الله الزيادة في يقينه». (2)
2. روى ابن الفضيل عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن قول الله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة : 106]. قال: «اللّذان منكم مسلمان، واللّذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس، لأنّ رسول الله، قال: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب، وذلك إذا مات الرجل المسلم بأرض غربة فطلب رجلين مسلمين يشهدهما على وصيّته، فلم يجد مسلمين يشهدهما فرجلين من أهل الكتاب مرضيّين عند أصحابهما». (3)
قد شاع الجبر والقدر في عصر الإمام الرضا عليه السلام، فمن قائل بالجبر السالب للاختيار الجاعل الإنسان مكتوف الأيدي أمام الميول والأحاسيس، ومن قائل بالتفويض يصوّر الإنسان خالقاً ثانياً لأعماله، غير أنّ «شبهة الجبر» كانت أرسخ في النفوس من «شبهة التفويض»، فهلمّ معي نرى كيف يفسر الآيات التي جعلت ذريعة إلى الجبر عند الحشوية.
3. روى إبراهيم بن أبي محمود قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة : 17] فقال: «إنّ الله تعالى وتبارك لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضلال، منعهم المعاونة واللطف وخلّى بينهم وبين اختيارهم». قال وسألته عن قول الله عزّوجلّ: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة : 7] قال: «الختم هو الطبع على قلوب الكفّار عقوبة على كفرهم، كما قال عزّوجلّ: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 155] (4) ترى أنّه عليه السلام يفسّر الآية بالآية ويجتث شبهة الجبر ببيان أنّ الطبع على القلوب كان عقوبة من الله في حقّهم لجرائم اقترفوها، ولم يكن الطبع ابتدائياً بلا مبرر، إذ كيف يطلب منهم الإيمان ثمّ يطبع على قلوبهم ابتداء، أو ليس يصف نفسه بقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت : 46]. (5)
4. روى أبو ذكوان، قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول: كنّا في مجلس الرضا عليه السلام فتذاكروا الكبائر وقول المعتزلة فيها: إنّها لا تغفر (إذا مات صاحبها بلا توبة)، فقال الرضا عليه السلام: قال أبو عبد الله عليه السلام: «قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة، قال الله عزّوجلّ: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد : 6]. (6)
وجه الاستدلال أنّ قوله: {عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} حال من قوله: {لِّلنَّاسِ}، ومعنى الآية: أنّ غفران الله شامل لهم في حال كونهم ظالمين، والآية نظير قول القائل: «أودّ فلاناً على غدره وأصله على هجره»، فمن مات بلا توبة عن كبيرة فلا يحلّ لنا الحكم بأنّه لا يغفره، لأنّ رحمة الله تشمل الناس في حال كونهم تائبين أو ظالمين. نعم ليس للمقترف الاعتماد على هذه الآية، لأنّه وعدٌ مجمل كالشفاعة.
5. وروى الحسين بن بشار، قال: سألت علي بن موسى الرضا عليه السلام أيعلم الله الشيء الذي لا يكون أن لو كان كيف كان؟ قال: «إنّ الله هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء، وقال لأهل النار: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام : 28].
وقال للملائكة لما قالت: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة : 30]، قال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة : 30] فلم يزل الله عزّوجلّ علمه سابقاً للأشياء قديماً قبل أن يخلقها». (7)
6. روى الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السلام قلت له: أخبرنا عن قول الله: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} [الذاريات : 7]، قال: «هي محبوكة إلى الأرض، مشبكة بين أصابعه»، فقلت: كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله يقول: {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الرعد : 2]؟ فقال: «سبحان الله أليس يقول: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}؟» قلت: بلى، قال: «فثمّ عمد، لكن لا ترونها». (8)
والإمام يصرّح في كلامه هذا بوجود عمدٍ في السماء غير مرئية، ولعلّه يريد قانون الجاذبيّة العامّة التي كشف عنها العلم، والتفصيل موكول إلى محلّه.
7. قد شاع في عصر الإمام الاعتقاد بالرؤية التي دخلت في أوساط المسلمين من طريق الأحبار والرهبان، واغترّ بها أكثر المحدّثين البسطاء، وربّما كانوا يستدلّون عليها بما ورد في معراج النبيّ، وأنّه وصل في معراجه إلى مكان لم يبق بينه وبين ربّه سوى قاب قوسين أو أدنى، قائلاً: بأنّ المراد من قوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم : 8] أي دنا من الله ومقامه الكائن فيه، ولكنّ الرضا عليه السلام يواجه هذه الفكرة بالنقد الحاسم، والردّ العنيف، وإليك القصة: دخل أبو قرّة المحدّث على أبي الحسن الرضا فقال: إنّا روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيّين، فقسم الكلام لموسى ولمحمّد الرؤية؟! فقال أبو الحسن عليه السلام: «فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين من الجن والإنس، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام : 103] و {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه : 110] و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى : 11] ثمّ أليس محمّد؟» قال: بلى. قال: «كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} و {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر؟! أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتي من عند الله بشيء، ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».
قال أبو قرّة: فإنّه يقول: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم : 13] فقال أبو الحسن عليه السلام: «إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم : 11] يقول: ما كذب فؤاده ما رأت عيناه، ثمّ أخبر بما رأى، فقال: لقد رأى من آيات ربّه الكبرى، فآيات الله غير الله، وقد قال: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}، فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة»، فقال أبو قرّة: فتكذب بالروايات؟ فقال أبو الحسن: «إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علماً، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء». (9)
________________
1. مطالب السؤول : 85.
2. المحاسن : 247.
3. تفسير العياشي : 1 / 349 بتلخيص.
4. عيون أخبار الرضا : 1 / 424.
5. لاحظ ذيل الحديث.
6. التوحيد : 406 ، ولاحظ مجمع البيان : 3 / 278.
7. عيون أخبار الرضا : 1 / 118.
8. تفسير علي بن إبراهيم : 646.
9. تفسير البرهان : 4 / 248.
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)
محمود حيدر
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
معنى (ولج) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الوجه في تسكين القاف في قوله ﴿وَيَتَّقْهِ﴾
الشيخ محمد صنقور
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
دراسة تؤكّد: التدخين يهيّج الرئتين وقد يسبّب الخرف
عدنان الحاجي
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
لا تبذل المجهود!
عبدالعزيز آل زايد
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
الإمام الرضا عليه السلام: 19 عاماً من الجهاد
الصداقة الناجحة في كلمات الإمام الرضا (ع)
الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 148 ه: ولادة الإمام الرّضا (عليه السّلام)
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
علاج ضوئي جديد يمكنه كبح أحد أهم مؤشرات تساقط الشعر
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)
العدل في المدينة المهدويّة
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
معنى (ولج) في القرآن الكريم