علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

العلم العائد الى وحيه (4)

بين القرنين التاسع عشر والعشرين سوف تزدهر مناخات الحداثة البَعديّة بمساعٍ فكريّةٍ مفارقة لما دأبت عليه العقلانيّة الكلاسيكيّة ولا سيما لجهة الإهمال المتعمَّد لسؤال الإيمان. لنا أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر، مطارحات الفيلسوف واللاهوتي الألماني بول تيليتش (Paul Tillich  1886-1965م).

 

ركّزت هذه المطارحات بصفةٍ خاصةٍ على ضبط وتحديد طريقة ارتباط المسيحيّة بالتراث العلماني. ومع أنّه كان بروتستانتياً فإنّه لم يوفّر البروتستانتيّة من النقد. لقد سعى إلى تظهير منهجٍ جديدٍ يقيم توازناً دقيقاً وإيجابياً بين الإيمان والعلم. ودعا إلى إجراء تحوّلٍ عميقٍ يحدُّ من النزعة الأصوليّة للمذهب البروتستانتي، ولا يؤدي في الوقت نفسه إلى استظهار شكلٍ جديدٍ من العلمانيّة.

 

رأى تيليتش أنّ العلم يحاول أن يصف ويفسّر البنى والعلاقات في العالم، بقدر ما يمكن التحقق منها تجريبياً وحسابها كمياً. ذلك بأنّ حقيقة كلّ حكمٍ علميٍّ برأيه، هي وصف القوانين البنيويّة التي تحدّد الواقع، وبالتالي التحقّق من هذا الوصف عن طريق التكرار التجريبي.

 

ثم إنّ كلّ حقيقةٍ علميّةٍ هي أوليّة وعرضة للتغيرات في الإمساك بالواقع، وفي التعبير عنه تعبيراً كافياً أيضاً. وما ذاك إلاّ لأنّ الحقيقة العلميّة وحقيقة الإيمان لا تنتميان لبعد المعنى نفسه. إذا فُهِمَ ذلك، -كما يقرّر تيليتش- ظهرت الصراعات السابقة بين الإيمان والعلم في ضوءٍ مختلفٍ تماماً. فالصراع في الحقيقة ليس بين الإيمان والعلم، بل بين إيمانٍ وعلمٍ لا يعي كلاهما بعده الصحيح.

 

كذلك لا يمكن أن يصطرع العلم إلا مع العلم، ولا يحتدم الإيمان إلا مع الإيمان، إذ لا يمكن للعلم أن يبقى علماً حين يصطرع مع الإيمان. ويصحّ هذا أيضاً على دوائر البحث العلمي الأخرى كالأحياء وعلم النفس. فلم يكن الصراع الشهير بين نظريّة التطوّر ولاهوت بعض الطوائف المسيحيّة صراعاً بين العلم والإيمان، بل صراعاً بين علم يُجرّد إيمانه الإنسان من إنسانيّته وإيمان شوه التأويل الحرفي للكتاب المقدس تعبيراته.

 

ومن الواضح أنّ اللاهوت الذي يفسّر قصّة الخليقة التوراتيّة باعتبارها وصفاً علمياً حدث في الزمان يتعارض مع العمل العلمي المسيطر عليه منهجياً، ونظريّة التطور التي تفسّر انحدار الإنسان من أشكال حياةٍ أقدم بطريقةٍ تزيل الاختلاف اللامتناهي النوعي بين الإنسان والحيوان هي إيمان وليست علماً. [تيليتش ـ بواعث الإيمان ـ ص 94].

 

هذا المستوى من النقاش وإن كان لا يزال منحصراً في بيئات محددة، فإنه يكشف عن وعود بانعطافات كبرى في بنية العقل الغربي حيال العلاقة بين الإيمان الديني والثورات العلمية المعاصرة. إن ما يضاعف من تحقق هذه الوعود هو ما تُظهره المراجعات الفكرية لثوابت النظام المعرفيّ العالمي. لنا هنا أن نشير – مثالاً وليس حصراً– الى حدثين:

 

  • السجال المستحدث حول دخول العالم الغربي في ما سمي بـ "حقبة ما بعد العلمانيّة"..
     
  •  عودة أسئلة الدين لتحتلّ حيّزاً وازناً في حلقات التفكير التي تُعقد في الجامعات والمعاهد ومراكز الدراسات في الغرب.
     

أما الشيء الذي ينبغي توجيه الاعتناء به، أن هذه اللهفة المتجددة إلى اليقينيّات، وإعادة الاعتبار للأمر الروحاني، ليست سوى محاولةٍ لملء الفراغات الثاوية في قلب التجربة الحديثة.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد