
المترجم: عدنان أحمد الحاجي
........ بصفتي فيلسوفًا ومستشارًا فلسفيًّا (الكلام لمؤلفة المقال)، لاحظتُ في عملي الاستشاري وجود صلة وثيقة بين الصداقة ومعرفة الذات (1).... وقد توصلتُ إلى قناعةٍ مفادها أن معرفة الذات معرفةً حقيقية تتطلب وجود أصدقاء صالحين.
هذه الفكرة ليست جديدة، بل تعود إلى أرسطو، حيث كانت هذه العلاقة بين معرفة الذات والصداقة أساسيةً أيضًا بالنسبة له منذ أكثر من ألفي عام. فمفهوم " اليودايمونيا أو السعادة (العيش الرغيد أو الرخاء)" (Eudaimonia) (2) غالبًا ما يبقى بعيد المنال، إلا أن أرسطو كان يعتقد أنه ليس بالضرورة أن يكون كذلك. فالسعادة، كما قال، تقع، إلى حد كبير، ضمن سيطرة الإنسان وأن الصداقه جزء أساسي من هذه العملية، طالما أنه يسعى نحو الأهداف الصحيحة.
من بين هذه الأهداف (3) معرفة الذات (1) وتكوين صداقات مع أصدقاء صالحين (4). يرتبط هذان الهدفان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا، إذ لا يمكن اكتساب معرفة الذات بمعزل عن وجود أصدقاء صالحين (4). فالسعادة، في نظر أرسطو، لا يمكن أن تكون مسعىّ فرديًّا (3).
معرفة الذات ومصادقتها
يمتلك البشر قدرةً فريدة على التفكير في التفكير (أو إدراك الإدراك، وهي القدرة على التأمل في الأفكار والمشاعر كما لو أنها نراقبها من الخارج. تساعدنا هذه القدرة على تحليل أنفسنا (5)). وهذا ممكن بفضل انقسام الوعي البشري: فهناك الوعي، وهناك وعي الوعي (إدراك الإدراك أو ما وراء المعرفة (6)). ما وراء المعرفة تسمح لنا بالتراجع خطوةً إلى الوراء وتدوين أفكارنا ومشاعرنا، وتحليلها كما لو كانت تخص شخصًا آخر. حتى في وجود هذه القدرة (إدراك الإدراك)، ما زلنا بحاجة إلى صداقات لنصل إلى فهم حقيقي وكامل لذواتنا.
هذا الفصل بين الوعي ووعي الوعي يجعلنا قادرين على التفكير المنطقي (7) واتخاذ القرارات بناءً على الفهم، لا مجرد رد فعل انفعالي أو تلقائي عفوي. فحين يتأمل المرء للحظة، ويفكر في أفكاره أو في مواقفه، ويزن ما هو منطقي أو صحيح أو أخلاقي (8)، ثم يختار أفعاله بعناية ولا يتصرف باندفاع أو انفعال، وكأن "مراقباً" داخلياً له هناك. وبفضل هذه القدرة، يستطيع التوقف والتفكير ملياً في أفكاره ومشاعره، وتقييمها، واختيار ما يجب فعله من الناحية الأخلاقية.
المعرفة الذاتية (p) لا تقتصر بالضرورة على الذكاء أو الفطنة، بل تتعداه إلى توظيف هذا الوعي لبناء شخصية قوية (8). فبحسب أرسطو، تتشكل الشخصية من خلال تنمية عادات حميدة تُفضي إلى الفضيلة الأخلاقية والفكرية، ما يجعل المرء يتصرف بنزاهة. وتدريجيًّا، يؤدي هذا إلى الثّقة بالنفس واحترام الذات (10)، إذ يصبح المرء قادرًا على فعل الصواب على الدوام، وهي صفة أطلق عليها أرسطو اسم "إنكراتيا" (ضبط النفس أو الانضباط الذاتي، أي التحكم في الانفعالات والغرائز) (11).
بمعنى آخر، معرفة الذات هي بناء علاقة طيبة مع النفس. ففي حوارك الداخلي مع نفسك، تصبح صديقًا موثوقًا لنفسك، مستندًا إلى ما لاحظته في صداقاتك: فضائل، مثل الكرم والشجاعة والصدق والحكمة وحسن التقدير. ترتبط بمعرفة الذات والتطور الأخلاقي ارتباطًا وثيقًا. بعبارة أخرى أن فهم الذات - الأفكار والعادات ونقاط القوة والضعف - يسير جنبًا إلى جنب مع تقدم الأخلاق (أن تصبح شخصًا أفضل)؛ فكلما رأيت نفسك بصدق، تمكنت من تحسين شخصيتك، واتخذت خيارات تتسم بالحكمة، والتصرف وفقًا للقيم الأخلاقية، مثل الصدق والشجاعة واتخاذ قرارت حكيمة ومدروسة بعد التفكير المسبق والنظر في العواقب. كما أن الارتقاء بالنفس يتحقق من خلال التأمل الذاتي والعلاقات مع الآخرين، وكلاهما يتحققان في إطار الصداقة، كما أكد الباحث في فلسفة أرسطو، جوزيف أوينز (11).
الصداقة القائمة على الأخلاق
بحسب أرسطو هناك ثلاثة أنواع من الصداقة (12). بعضها قائم على المنفعة، مثل صديق تتفاعل معه بشكل أساس لغرض عملي محدد - في حال زملاء الدراسة، مثلََا، وليست علاقة شخصية عميقة. ونوع الصداقة الآخر قائم على المتعة، مثل أصدقاء في نادٍ من النوادي. أما النوع الثالث والأسمى من الصداقة، والذي قد يدوم مدى الحياة، فهو قائم على الفضيلة (13)، أو "الأريتي arete"
في هذه الحالات، كما كتب أرسطو، يصبح الصديق بمثابة "النفس الأخرى". هذه الصداقة الحقيقية، في أعمق أنواعها، أشبه بـ"نسخة أخرى منك (14)" - ليس لأنه نسخة طبق الأصل منك، بل لأنه يفهمك ويهتم بك بعمق. هذه الصداقة لا تقوم على المنفعة أو المصلحة، بل على حسن النية المتبادلة وعلى تقدير حقيقي لشخصية كل منكما ورغبة صادقة في سعادة الآخر والاهتمام والرعاية المتبادلة.
هذه الصداقات قليلة، لكنها تعزز معرفة الذات. وبحسب أرسطو، بفضل هذه العلاقة الوثيقة، تساعدك هذه الصداقات على فهم نفسك بشكل أفضل. وكما تؤكد الفيلسوف ماڤيس بيس Mavis Biss، فإن الصديق الحقيقي يمتلك منظورًا عنك لا تملكه أنت عن نفسك.
نعم تتمكن من التأمل في أفكارك وانفعالاتك ما من شأنه أن يساعدك على تعزيز وعيك بذاتك، وعلى أن تتراجع خطوة إلى الوراء وتحلل رغباتك وأفكارك ومشاعرك، لكنك لن تستطيع أبدًا أن تُمعن النظر وتتعمق في فهم نفسك، وبذلك، لا تستطيع أن ترى نفسك كاملة من الخارج.
هذا يعني أن فهم الذات ليس أمرًا يتم بمعزل عن الآخرين، بل له دائمًا بُعد اجتماعي (15)، فالعلاقات، وخاصة الصداقات الحقيقية والوثيقة، تلعب دورًا محوريًّا في تشكيل الشخصية. فكلما عرفت نفسك عرفت أصدقاءك. فأصدقاء المرء الحقيقيون لا يكتفون بدعمه، بل يعكسون له نقاط قوته وضعفه، ما يساعده على رؤية نفسه بوضوح أكثر ويحفزه على النمو الأخلاقي والشخصي. فالأصدقاء الحقيقيون يُعززون بصيرة بعضهم بعض، كما يعززون قدرتهم على التحلي بالفضيلة (16). فكلما تعمقت معرفتك بصديقك، تعمقت معرفتك بنفسك (17)، ودُفعت لأن تصبح نسخة أفضل من ذاتك.
وكما أشار أرسطو في كتابه "يودايمونيا (الرخاء أو السعادة أو الحياة الطيبة) (18)"، فإن معرفة الصديق هي، بمعنى ما، معرفة الذات، لأن الصديق الحقيقي بمثابة مرآة تُصقل وعيك (19)، وتُعمّق تفكيرك، وتُحفزك لتصبح أفضل نسخة من نفسك. وهذا يعني أنك تفهم نفسك بشكل أفضل من خلال صداقاتك، لأن الأصدقاء الحقيقيين يعكسون شخصيتك ويساعدونك على النمو. بمعرفتك لصديق، تتعرف أيضاً على نفسك وتصبح شخصاً أفضل.
السعي نحو الحياة الطيبة
في النهاية، ما العوامل التي تجعل اليودايموينيا - أو الحياة الطيبة - ممكنة؟ بالنسبة لأرسطو، هذا يعني التفكير المتأني في الأمور - والتأمل في الخيارات قبل الإقدام على واحد منها، وأن تسأل نفسك ما إذا كان ذلك منطقياً أو حكيمََا أو يتماشى مع قيمك، ويؤدي إلى نتيجة جيدة، لا مجرد التصرف بشكل عفوي أو انفعالي، والتعلم من التجارب، والتصرف بناءً على ذلك - حتى تتمكن تدريجياً من أن تصبح شخصاً أكثر حكمة وكفاءة وتوازناً. حتى تكون أفضل نسخة من نفسك. المعرفة ومعرفة الذات (20) هما أسمى ما في الوجود، كما قال أرسطو: "يرغب المرء دائمًا في الحياة لأنه يرغب دائمًا في المعرفة، ولأنه يتمنى أن يكون هو نفسه موضوع المعرفة (19)". بعبارة أخرى إن الإنسان لا يكتفي بمعرفة أشياء حوله فحسب، بل يرغب أيضاً في فهم نفسه فهماً عميقاً، وأن "يعرف نفسه" بوضوح كما يعرف أي شيء آخر.
ولا سبيل للوصول إلى ذلك دون أصدقاء صالحين. ولا تتحقق معرفة الذات بمعزل عن الآخرين، فالصداقات القوية والموثوقة ضرورية لأنها تساعد المرء على رؤية نفسه بوضوح أكثر، وتوسع من آفاقه، وتجعل الحياة أكثر معنى ومتعة. فالصديق الموثوق والمحترم يبادل صديقه الأفكار، ويعزّز معرفته بذاته، ويزيد من متعة الحياة. فالرغبة في المعرفة وأن يكون المرء معروفََا يعتبر جزءََا من السعي وراء السعادة. معرفة الذات والآخرين وكل شيء آخر متصلة ببعضها وكلّ لا يتجزأ. بالنسبة لأرسطو، العلاقات هي بوابة إلى عوالم الكون الشاسع والغامض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/معرفة_الذات
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/يودايمونيا
3- https://www.perseus.tufts.edu/hopper/text?doc=Perseus:text:1999.01.0054:book=1:chapter=7:section=15
6- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/إدراك_الإدراك
7- https://www.perseus.tufts.edu/hopper/text?doc=Perseus:text:1999.01.0054:book=1:chapter=7:section=14
8- https://www.perseus.tufts.edu/hopper/text?doc=Perseus:text:1999.01.0054:book=2:chapter=4:section=3
9- https://www.taylorfrancis.com/books/mono/10.4324/9781315245997/privileged-access-brie-gertler
10- https://en.wikipedia.org/wiki/Enkrateia
11- https://philpeople.org/profiles/joseph-owens
13- https://www.perseus.tufts.edu/hopper/text?doc=Perseus:text:1999.01.0050:book=7:section=1244b
14- http://https://classics.mit.edu/Aristotle/nicomachaen.9.ix.html
15- https://philpapers.org/rec/HITAOS
16- http://https://www.jstor.org/stable/40231534
17- https://www.loebclassics.com/view/aristotle-eudemian_ethics/1935/pb_LCL285.443.xml
18- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/يودايمونيا
19- https://www.perseus.tufts.edu/hopper/text?doc=Perseus:text:1999.01.0050:book=7:section=1245a
20- http://https://classics.mit.edu/Aristotle/metaphysics.1.i.html
المصدر الرئيس
الحياة الرغيدة تتطلب أمرين: معرفة الذات والأصدقاء
عدنان الحاجي
ضلالات الكوجيتو (2)
محمود حيدر
بمن يستعين العبد الضعيف؟ وكيف؟
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
البساطة واجتناب التكلّف
الشهيد مرتضى مطهري
شهادة في سبيل الله
الشيخ شفيق جرادي
العصيان والطاعة
الشيخ علي رضا بناهيان
معنى (كفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الشرق الأوسط، مركز ظهور الأنبياء في العالم
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
سعة جامعة الإمام الصادق (عليه السلام)
الشيخ جعفر السبحاني
في معنى الصدق
السيد محمد حسين الطبطبائي
أثر لم يحدث بعد
محمد أبو عبدالله
السيّدة المعصومة: جمانة عقد الإمامة
حسين حسن آل جامع
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
الحياة الرغيدة تتطلب أمرين: معرفة الذات والأصدقاء
ضلالات الكوجيتو (2)
بمن يستعين العبد الضعيف؟ وكيف؟
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (20)
البساطة واجتناب التكلّف
شهادة في سبيل الله
(التخطيط الشخصيّ) ورشة عمل للسّعيد في جمعيّة أمّ الحمام الخيريّة
تحقيق للشّيخ محمد عمير لكتاب المرج عالسبزواري (تهذيب الأصول من الزيادة والفضول)
ضلالات الكوجيتو (1)
جراحون يبقون رجلاً على قيد الحياة لمدة 48 ساعة بدون رئتين!!