علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (1)

ملخص البحث

 

تتغيّا هذه الورقة تظهير الصلة بين الأسس الوحيانية التي تقوم عليها مكارم الأخلاق، ومبدأَي التوحيد والعدل كأصلين من أصول الدين الخاتَم. والمقصود من هذه الغاية، لا المقارنة بين أمرين متناظرين - قد يُظن أنّهما على تباين وانفصال - وإنّما لتبيين هندسةٍ معرفيةٍ تقوم على واحدية القضية وتكاملها. مقتضى هذا الأمر، النظر إلى الأخلاق النبوية بوصفها رسالةً توجيهيةً وتدبيريةً تستظهر الاعتناء الإلهي بعالم الإنسان، وهدايته إلى كماله الوجودي وحياته الطيّبة.

 

ثمّة عروة وثقى تصل التوحيد بحقيقة البعثة النبوية وخاتميتها. وإنّ شرط الإيمان بهذه الواحدية، أمرٌ موقوف على إدراك البعد الوحياني لمكارم الأخلاق كقيمة عليا مؤسِّسة للدين الخاتم، ومتمِّمة لمقتضيات الوحي وقوانينه السّارية على غير انقطاع في التاريخ البشري؛ لهذا قال فيها مولى الموحِّدين الإمام علي (ع): ”إن الله جَعلَ مَكارِمَ الأخْلاقِ ومَحاسِنها وصلًا بينَنا وبَينَهُ”.

 

وعليه، ينظر بحثنا إلى مكارم الأخلاق بوصفها نظامًا نبويًّا هاديًا للحياة الإنسانية وراعيًا لها. فللأخلاق النبوية المسدَّدة بالتأييد الإلهي، ماهيتَها الأصيلة والمفارقة في الآن عينه: هي من جهة، نافيةٌ لأخلاقيات العقل الدنيوي المحكوم إلى النسبية، والمسكون بالهوى والمنفعة والأنانية، ومن جهة موازية، عطاءٌ رحمانيٌ يفيض تخلُّقًا ورحمةً للعالمين. ومن أجل ذلك سنبتني رؤيتنا إلى مكارم الأخلاق بوصفها إعلانًا إلهيًا عن النبوة الخاتمة وكمال الدين.

 

وتأسيسًا على ذلك يواصل البحث مسعاه إلى تأصيل نظرية معرفةٍ أخلاقيةٍ وحيانيةٍ تفلح في مواجهة التحديات الكبرى للإنسانية المعاصرة. ولتظهير هذه الغاية والتعرف على بواعثها سنحاول متاخمتها من ثلاثة أوجه: من وجهٍ أول، هي دعوة معرفية إلى التوحيد، ومن وجهٍ ثانٍ دعوة سلوكية تطبيقية تأخذ بنداء الشريعة وتلتزم به ظاهرًا وباطنًا. وهي من وجهٍ ثالث دعوة توجيهية اهتدائية قوامها الإقناع الرضي بالأمر الإلهي. ولقد ورد ما يشير إلى تلازم هذه المعاني الثلاثة كأركان أساسية في مكارم الأخلاق. كما في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}[النحل - 125].

 

وهكذا، جاز القول إنّ الآية المذكورة توحي إلى منهج بيِّنٍ للمعرفة الأخلاقية، قوامه ثلاث طرق متصلة ومتلازمة بغية الوصول إلى ما نسميه بقواعد علم التربية الوحيانية:

 

أ- طريق الحكمة، ومؤداه إقامة الخطاب مقام التناسب بين الموضوع والمخاطب. فلا يزيد ولا ينقص ممّا يقتضيه الموضوع وما هي عليه الجهة المخاطبة. وبذلك يكون اللقاء على أتمه بين الكلام المرسل وقابلية المخاطب للفهم والقبول للمخاطب.

 

ب- طريق الموعظة الحسنة، ويعني المخاطبة المسدَّدة بألطاف الكلام الإلهي ومقاصده. بها يستشعر المخاطَبُ صدق الذي يخاطبه؛ لأنّه قول منقول عن الله. وعلى هذه النشأة تكون الدعوة إلى سبيل الحق دعوة الحق بلسان العبد، فلا تخالطها أنانية الداعي وغرضيته.

 

ج- طريق الجدل الأحسن، ويعني إبداء الحجة والبرهان أمام المخاطَب على نحو اللطف والإحسان، لا على سبيل الاختصام والإفحام قصد الغلبة عليه.

 

في ماهية مكارم الأخلاق ومعناها وصفاتها

 

وجدنا أنْ ندخل إلى فهم مكارم الأخلاق بوصفها الأصل الذي منه كانت البعثة النبوية، لجهة انحصار مهمتها في هداية الإنسانية الجامعة إلى التوحيد الأكمل. وقوله (ص) :”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. هو كشف للمقصد الأعلى من الرسالة. أي جلاء حقيقة التوحيد والعدل من خلال الكتاب الإلهي والشريعة المقدسة. فالمقصود الإلهي ممّا نُزِّل على النبي هو دعوة العالمين إلى توحيد الله، والارتقاء بهم من حضيض الجاهلية إلى كمال المعرفة. ما يشير إلى أنّ ثمّة تناسبًا لا تباين فيه بين ختم تاريخ النبوات التي بُعثت بها مع نبيّ الإسلام وتمام مكارم الأخلاق رسولًا للعالمين. وذلك متحصلٌ منطقيًّا، من أنّ الشيء حين يُختم يبلغ تمامه. ومكارم الأخلاق التي بعث النبي الخاتم ليتمِّمَها هي عين الخاتمية، وجوهرها كمال الدين، وكمال الدين معرفة الله. ولمزيد من استيضاح البنية المعرفية نتوقف عند طائفةٍ من صفاتها وركائزها:

 

لمكارم الأخلاق صفات تمنح لها بحسب مقاصدها وتنزلاّتها. ولنا أنْ ندرج بعضًا منها تحت عناوين مجملة سنمر على تفصيلها لاحقًا:

 

أولًا – إنّها صفة النبي نفسه، حيث بلغت به مآلها الأعظم، واستحق بها رتبة الآدمي الأكمل.

 

ثانيًا – إنّها صفة الإنسان الذي بعث من أجله النبيّ الخاتم ليتمم له إنسانيته. فإذا جرى هذا الإنسان مجراها، بالتصديق والتوحيد والإيمان والتخلّق حصَّل الحكمة. ومن علامات حكمته أنّه أنزل كلّ شيءٍ منزلته، فلا يتعدّى به مرتبته، وأعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا يحكم في شيءٍ بغرضه ولا بهواه، ولو تدرَّج الإنسان بالسير والسلوك والمجاهدة والتعقُّل اتسعت آفاق نفسه، وتهيّأت لتلقي المعارف الإلهية والعلوم اللدنية التي بها ترتقى نفسه إلى الملأ الأعلى بعناية الله وتسديده. وهذه الحكمة - المركبة من العلم والعمل - هي تلك التي يُعبَّر عنها تارة بالقرآن، وتارة بالنور، وهي من فضل الله يؤتيها من يشاء،{وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}[البقرة-269].

 

ثالثًا – إنّ مكارم الأخلاق هي صفة للصراط المستقيم. فمن مشى على الصراط والاستقامة، فأدركها بالتقوى والورع والزهد. فمن اتقى الله علمه الله وأدخله في درعه الحصين، وجعل له نورًا يمشي به في الظلمات. كما تعبّر الآية الكريمة: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}[الأنعام-122].

 

رابعًا – إنّها صفة الأمة الوسط، التي قال الله فيها مخاطبًا نبيه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ}[آل عمران-110]، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}[البقرة-143].

 

خامسًا – إنّها صفة للأبعاد المعنوية الباطنية التي تختزنها الشريعة المقدسة. وهي الأبعاد المتممة للبعثة النبوية.

 

سادسًا – إنّها الصفة التي يظهر فيه قول أهل العصمة على تمامه حين أشاروا إلى مبدأ (الأمر بين الأمرين) كمبدأ مؤسس لعلم التوحيد، والتعرُّف إلى العدل الإلهي في خلق العالم. فإذا كانت غاية ختم النبوّة حفظ مختزنها الإلهي بالمكارم، فقد تحصَّل لدينا السبيل إلى التوحيد والعدل على الوجه الأتم. وكان لنا من هذا السبيل الوقوف على أرض الاعتدال الأكمل لنميّز وجه اللطف والتدقيق بين الإفراط والتفريط وبين الجبر والتفويض، وبين القضاء والقدر. والأمر بين الأمرين هو نفسه ما قيل في معنى الصراط والميزان والحكمة البالغة. وهو نفسه كذلك، الأمر الوسط الذي تتجلى فيه مكارم الأخلاق كغاية عليا للشريعة المقدسة.

 

وأنى تكن صفات المكارم ونعوتها، فقد كثرت الأحاديث في تحقيقها وبيان حدّها وتعريفها، إلا إنّها آيلة إلى الغاية من الإيجاد الإلهي للإنسان. وإلى هذا، ما كان للنبي الخاتم أن يعين مبدأ بعثته المقدسة ومنتهاها بمكارم الأخلاق، لولا ارتباطها بالغرض الأصلي من إيجاد الإنسان. فلو تقرر أنّ الغاية الإلهية من إبداع النوع الإنساني إستخلافه في الأرض، عرفنا العلّة الأصلية من وراء خلقه، وهي معرفة الخالق. وباصطفاء محمد (ص) نبيًا خاتمًا، وهاديًا، ورحمة للعالمين، يكون قد خَتَمَ سبحانه شريعته في العالمين وتممَّها بمكارم الأخلاق. ثم لتستأنف من بعد المصطفى (ص) حركتها الهادية عبر ورثة الحقيقية المحمدية من أئمّة الهدى وصولًا إلى الحجة البالغة.

 

يقتبس المحدِّث الحسن بن محمد الديلمي عن الإمام محمد الباقر (ع)، وهو الإمام الخامس في سلسلة أئمة أهل البيت عليهم السلام ما يفصِّل الأركان التي تنبني عليها مكارم الأخلاق النبوية قوله: ”إنّ من آداب المؤمن حفظ الأمانة، والمناصحة، والتفكر، والتقية، والبر، وحسن الخلق، وحسن الظن، والصبر، والحياء، والسخاء، والعفة، والرحمة، والمغفرة، والرضا، وصلة الرحم، والصمت، والستر، والعفة، والرحمة، والمغفرة، والمواساة، والتكريم، والتسليم، وطلب العلم، والقناعة، والصدق، والوفاء، والعزم، والنصفة، والتواضع، والمشاورة، والاستقامة، والشكر، والحياء، والوقار”. ثم ذكر الخصال التي يجب على المؤمن تجنّبها، وهي: ”البغي، والبخل، والدناءة، والخيانة، والغش، والحقد، والظلم، والشره، والخرق، والعجب، والكبر، والحسد، والغدر الفاشي، والكذب، والغيبة، والنميمة، والمكايدة، وسوء الظن، ويمين البوار، والنفاق، والمنّة، وجحود الإحسان، والعجز، والحرص، واللعب، والإصرار، والقطيعة، والمزاح، والسَّفَه، والفحش، والغفلة عن الواجب، وإذاعة السر”.

 

سنجد في الحكمة المتعالية للحكيم الإلهي صدر الدين الشيرازي تأصيلًا إماميًا للحديث النبوي: ”إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. جاء فيه ما يلي: ”وكما أنّ للإنسان صورة ظاهرة، حسنُها بحسن الجميع واعتداله، وقبحها بقبح البعض فضلًا عن الجميع، وكذلك صورته الباطنة فإنّ لها أركانًا لا بد من حسن جميعها حتى يحسن الخلق وتحصل الحكمة والحرية. ثم وضع لها أربعة معانٍ هي: قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة، وقوة العقل، فإذا استوت هذه الأركان الأربعة التي هي مجامع الأخلاق التي تتشعب منها أخلاق غير محصورة اعتدلت وتناسقت وحصل حسن الخلق.

 

أما قوة العلم فأعدلها وأحسنها أنْ تصير بحيث تدرك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال، وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأعمال، فإذا انصلحت هذه القوة واعتدلت من غير غلو وتقصير، حصلت منها ثمرةٌ هي بالحقيقة أصل الخيرات ورأس الفضائل وروحها. ومعنى حسن الخلق في جميع أنواعها الأربعة وفروعها هو التوسط بين الإفراط والتفريط، والغلو والتقصير، فخير الأمور أوسطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ومهما انحرف بعض هذه الأمور عن الاستقامة إلى أحد الجانبين لم تتم مكارم الأخلاق. وممّا يجب أن يُعلم في هذا المقام أنّ قوة النفس غير شرفها كما أشير إليه وكلّ منهما قد يزيد في الآخر، وقد يتفق لوازمها. أما إنّ كلًّا من شرف النفس وقوتها قد يزيد على الآخر فلأن الشجاعة مثلا قد تصدر لكبر النفس واحتقار الخصم واستشعار الظفر به، وقد تصدر لشرف النفس والترفع عن المهانة والذلة، حيث النفوس الشريفة تأبى مقارنة الذلة، وترى حياتها في ذلك موتها، وموتها فيها حياتها”.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد