قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

العذاب الأدنى في قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى..}

المسألة:

 

قوله تعالى:{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(1) ما هو هذا العذاب الأدنى؟

 

الجواب:

 

الآية المباركة تتوعَّد الفاسقين كما يظهر ذلك من الآية التي سبقت هذه الآية، وهي قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}(2) فقوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى..} تهديد ووعيد للفاسقين بعذابين وصفت الأول منهما بالأدنى ووصفت الآخر بالأكبر.

 

وجه تسميته بالأدنى:

 

أمَّا العذاب الأكبر فهو عذاب جهنَّم يوم القيامة، وأمَّا العذاب الأدنى فالمشهور بين المفسِّرين هو العذاب في الدنيا وسُمِّي بالأدنى لدنوه وقربه بالقياس إلى عذاب جهنَّم في الآخرة، والتعبير عن عذاب الآخرة بالأكبر لكونه أشدُّ وقعاً وإيلاماً ولكونه عذاباً مقيماً ودائماً أو لكونه طويل المدى، وذلك بخلاف العذاب في الدنيا فإنَّه أهونُ وأقصر بالقياس لعذاب الآخرة، ومنشأ التعبير عن عذاب الآخرة بالأكبر رغم أنَّ المقابلة للأدنى تقتضي وصفه بالأبعد هو أنَّ الآية بصدد التهديد والتخويف فالمناسب وصفه بالأكبر لأنَّ ذلك أوقع على النفس، وهذا بخلاف وصفه بالأبعد فإنَّه قد يبعث على التراخي، وهذا بخلاف توصيف العذاب في الدنيا بالأدنى فإنَّه مناسبٌ للتهديد والتخويف فإنَّ النفس بطبيعتها تخشى وتُحاذر من العذاب القريب، ولهذا لم يُعبَّر عنه بالأصغر في مقابل العذاب الأكبر، لأنَّ التعبير بالأصغر لا يُناسب التهديد والإنذار والتخويف.

 

قول مشهور المفسِّرين:

 

ثم إنَّ المشهور رغم توافقهم على أنَّ المراد من العذاب الأدنى هو العذاب في الدنيا إلا أنَّهم اختلفوا في طبيعة هذا العذاب، فأفاد بعضُهم أنَّ العذاب الأدنى هو المصائب والمحن كالأمراض والآفات، والقحط والجدب والنقص في الأنفس والأموال والثمرات، وأفاد بعضُهم أنَّ المقصود من التهديد بالعذاب الأدنى هو التهديد بظهور المؤمنين عليهم وبما سيلحقهم من القتل والتنكيل بأيدي المؤمنين كما قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}(3) وقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(4).

 

وأفاد بعضُ المفسِّرين أنَّ العذاب الأدنى هي العقوبات الإلهيَّة التي تُصيب الكفار والفاسقين بعد إتمام الحجَّة عليهم كالقحط الذي أصاب أهل مكة سبع سنين حتى ألجئهم ذلك إلى أكل الجيف والكلاب والجلود، وكالعقوبات التي أصابت آل فرعون كالقمَّل والجراد والضفادع، وكالحريق التي أتى على مزارع أصحاب الجنَّة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين.

 

وأفاد الشيخ الطبرسي في مجمع البيان أنَّ الأكثر في الرواية عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، وأبي عبد الله عليه السلام: "أنَّ العذاب الأدنى الدابَّة والدجال"(5) والمقصود من الدابَّة هو الإشارة إلى قوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ}(6) وهو ما سيقع في آخر الزمان، وأما الدجال فهو الإشارة إلى ما ورد من خروج الدجال وما يترتَّب على ذلك من الهرج والمرج والقتل الذريع في آخر الزمان.

 

والظاهر هو عدم التنافي بين هذه الأقوال وأنَّها بصدد التطبيق وبيان مصاديق العذاب الأدنى، وليست بصدد إفادة تعيُّن العذاب الأدنى في شيءٍ من المذكورات، ويؤيد ذلك ما ورد في الروايات عن أهل البيت (ع):

 

فمن ذلك ما رُوي عن أبي عبد الله الصادق (ع) في معنى قوله عز وجل: {ولَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الأَكْبَرِ} إنَّ هذا فراق الأحبَّة في دار الدنيا.."(7)

 

ومنه: ما رُوي مفضَّل بن عمر قال : سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: {ولَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الأَكْبَرِ} قال: الأدنى: غلاءُ السعر..."(8)

 

ومنه: ما أورده الشيباني في ( نهج البيان ) قال: رُوي عن جعفر الصادق ( عليه السلام ): "أن الأدنى: القحط، والجدب، والأكبر: خروج القائم المهدي ( عليه السلام ) بالسيف في آخر الزمان"(9)

 

ومنه: ما رُوي عن الصادق (عليه السلام): العذاب الأدنى عذاب الرجعة، والعذاب الأكبر عذاب يوم القيامة(10) وروي مثله عن زيد الشحام عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: {الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} الرجعة (11)

 

فاختلاف الروايات في تحديد طبيعة العذاب الأدنى يُؤيِّد أن ذلك من باب التطبيق وبيان المصاديق.

 

العذاب الأدنى يشمل عذاب الاستئصال:

 

هذا ويُمكن أنْ يقال إنَّ العذاب الأدنى يشمل مثل عذاب الاستئصال كالذي وقع على قوم عادٍ وثمود وقومِ لوطٍ كما قد يشهد له مثل قوله تعالى: {كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ / فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(12) وقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ}(13) وقوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا.. وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (14) 

 

العذاب الأدنى هو عذاب القبر:

 

وهنا قولٌ تبنَّاه بعض المفسِّرين وهو أنَّ المراد من العذاب الأدنى هو عذابُ القبر، وقد روي ذلك أيضاً عن أبي عبد الله الصادق (ع) كما في مجمع البيان(15) وبناءً عليه يكون مقتضى الجمع بين هذه الرواية والروايات السابقة هو أنَّ المراد من العذاب الأدنى هو مطلقُ العذاب الذي يقع قبل يوم القيامة سواءً كان في الدنيا أو كان في عالم البرزخ.

 

إشكالٌ وجواب:

 

والذي يُمكن إيرادُه على ذلك هو أنَّ ظاهر ذيل الآية، وهي قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} هو أنَّ الغاية من العذاب الأدنى هو أن يكون ذلك دافعاً للتوبة والرجوع إلى الله جلَّ وعلا، وهذا إنَّما يتأتَّى في الدنيا، وأمَّا في ظرف الانتقال إلى عالم البرزخ فإنَّه لا سبيل معه للتوبة كما هو واضح، وكذلك يرد هذا الإشكال بناءً على انقطاع التوبة في ظرف الرجعة. وكذلك يردُ هذا الإشكال على ما قيل من أنَّ المراد من العذاب الأدنى هو عذاب الاستئصال كالذي وقع على قوم عادٍ وثمود وقوم لوط فإنَّه لا سبيل للتوبة مع الاستئصال.

 

إلا أن يُقال إنَّ المراد من قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} هو أنَّ الغاية من التهديد بالعذاب الأدنى والأكبر هو دفع المخاطبين للتوبة والرجوع إلى الله تعالى قبل أنْ يقع عليهم العذاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- سورة السجدة: 21.

2-سورة السجدة : 20.

3- سورة التوبة : 14.

4-سورة المائدة:33.

5-تفسير مجمع البيان- الطبرسي- ج8/ 110.

6- سورة النمل: 82.

7- علل الشرائع – الصدوق- ج1/ 50.

8- البرهان في تفسير القرآن- السيد هاشم التوبلاني-ج4/ 401.

9-البرهان في تفسير القرآن- السيد هاشم التوبلاني-ج4/ 401.

10- بحار الأنوار – المجلسي- ج53/ 24.

11- الإيقاظ من الهجعة – الحر العاملي- ص 355. بحار الأنوار – المجلسي- ج53/ 114.

12- سورة الزمر: 25، 26.

13- سورة فصلت: 16.

14- سورة الطور: 44 إلى 47.

15-تفسير مجمع البيان- الطبرسي- ج8/ 110.      

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد