
المترجم: عدنان أحمد الحاجي
تبدو التبعات النفسية للتوهان في الغابة (أو في الصحراء) مشابهةً بشكلٍ كبير للشعور الداخلي الذي ينتاب المرء حين يتعرض لمصيبة، مثل جائحة كورونا.
لكن التوهان في جوهره حالة انفعالية يستحوذ فيها الخوف، ويسبب صدمةً نفسيةً مزدوجة، حيث تنفصل الخريطة الذهنية (العالم الداخلي) عن العالم الخارجي. هذه الخريطة تنطوي على الذاكرة المكانية والاتجاهات ومعالم الطريق البارزة. لكن حين تتطابق خريطة المرء الذهنية مع ما هو موجود في الواقع الخارجي (أي حين يتطابق شيءٌ في ذاكرة المرء المكانية مع ما يراه في الخارج)، يشعر بالاستقرار والأمان والسيطرة؛ أما إذا لم تتطابق (كما هو الحال في التوهان)، يشعر 90% من الناس بالارتباك والضياع وعدم الإطمئنان والحيرة بشأن ما يجب عليهم فعله.
وعندما ينتابهم خوف شديد أو ذعر (كما هو الحال عندما يدرك أنه تائه) استجابةً للشعور بالضغط النفسي، مما يُحوّل التركيز من التفكير المتأني إلى ردود فعل سريعة بهدف البقاء على قيد الحياة وتتعطل القدرة على التفكير الواضح والمنطقي ويتصرفون بشكل غير عقلاني. ونتيجةً لذلك، قد يجدون صعوبةً في اتخاذ قرارات سليمة، أو تفوتهم الحلول البسيطة، أو يتصرفون باندفاعية وتسرع (ومنه الركض في الاتجاه الخاطئ)، بالرغم من قدرتهم في الظروف العادية على إيجاد الحلول المناسبة. يشعر التائهون فجأة بأنهم محاصرون وغير مرتاحين، وكأن الدنيا تضيق بهم أو تضغط عليهم، حتى لو لم يحدث ذلك واقعََا، لأن الدماغ البشري مُبرمجٌ تطوريًّا على الاستجابة بسرعة لأي شيء قد يبدو غير آمن أو مُقيّدًا يشعر التائه بالاختناق، كما لو أن محيطه يُطبق عليه، ولا حيلة له بالخلاص.
تُشكّل الغابات والأحراش (وحتى البراري) تحديًا كبيرًا في تحديد المسار لافتقارها إلى معالم مميزة. يكتب بيل برايسون Bill Bryson في مذكراته "نزهة راجلة في الغابة A Walk in the Woods"، التي يروي فيها رحلته على طول درب الأبالاش في شرق الولايات المتحدة الأمريكية: "تجعلك تشعر بقلة الحيلة، أو الحيرة، وعدم الأمان وفقدان السيطرة على القرار، كطفل صغير تائه وسط حشد لا يعرفهم". في الغابات، كما في البراري، تنعدم المعالم، ولا مجال للاهتداء.
حينئذ، هذه المشكلة كانت تعد أحد أكثر جوانب معركتنا ضد كوفيد-19 إحباطًا. لما كنا في المراحل الأولى من فهمنا للمرض، لم نستطع معرفة ما كان يخبئه لنا المستقبل بوضوح أو فهم ما يحدث تماماً، لذا شعرنا بعدم التأكد وبالإحباط، ولذا كان التخطيط للمستقبل صعبََا في ظل تلك الظروف الغامضة.
لو شعرت بأنك محاصر، وغير منتج، وقلق وغير قادر على التركيز، فهذا في الواقع رد فعل بشري طبيعي، يشبه سلوك الناس وتصرفهم عندما يضلون طريقهم في غابة أو في صحراء. عندما يتوه المرء، غالبًا ما يصاب بالذعر ويستمر في التحرك دون خطة واضحة، على أمل إيجاد مخرج، لكن هذا عادةً ما يزيد الأمور سوءًا. في تلك الحالة من القلق، يركز التائه فقط على التفاصيل "ما هو أمامه مباشرة، ولا يرى الصورة الكبيرة ، لأن التوتر والخوف يجعلان التفكير بوضوح ومنطق واتخاذ قرارات سليمة صعبََا".
يصعب التنبؤ بكيف يتصرف التائه، مع أن خبراء البحث والإنقاذ يفترضون عادةً أن التائهين لن يتخذوا إجراءات فعالة لإنقاذ حياتهم في العادة - فقد يصابون بالذعر، أو يتخذون قرارات غير صائبة، أو لا يفكرون بوضوح ومنطق، لذلك لا يساعدون في إنقاذ أنفسهم، ويشعر معظمهم بدافع قوي للاستمرار في الحركة، على أمل إيجاد مخرج... يُطلق مورغان على هذا "التركيز فقط على التفاصيل الصغيرة وتجاهل الصورة الكبيرة". على سبيل المثال، عندما يشعر المرء بالقلق أو التوتر، قد يولي اهتمامه المشكلات البسيطة التي أمامه مباشرةً وينسى الوضع العام.
فقدان شيء واحد يمنح الحياة الاستقرار (مثل مناسبة اجتماعية أو رحلة) ليس بالأمر الجلل، ولكن فقدان كل هذه الأشياء المهمة دفعة واحدة يمكن أن يسبب الشعور بالضياع وعدم الاستقرار تمامًا، كما لو لم يكن هناك شيء يمكن التمسك به، ويصبح الأمر كقارب بغير مرساة يجرفه التيار في كل مكان. وهذا يدل على أن الإنسان يحتاج إلى الشعور بالارتباط بمكان محدد ليشعر بالأمان والاطمئنان، لأن مكان وجودنا يؤثر في مشاعرنا وشعورنا بالأمان. حتى لو لم نكن تائهين فعليًّا.
رد فعلنا القوي تجاه الشعور بالضياع من علاقتنا بالمكان يُظهر، من بين أمور أخرى، مدى أهمية ارتباطنا بالواقع المادي وشعورنا بالانتماء - فمهما قضينا من وقت على العالم الرقمي (الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مثلََا)، ما زلنا بحاجة إلى إحساس حقيقي وملموس لمعرفة أين نحن. لمعرفة أين نحن تأثير كبير في مشاعرنا. فالأماكن قد تُخيفنا وتُثير حماسنا، وتُشعرنا بالخوف أو السعادة أو الأمان.
قد لا يشعر الإنسان بالضياع في هذه الأيام عندما لا يعرف أين هو، ولكن يشعر بالضياع عندما تختفي أو تتوقف الروتينات أو العادات أو التوقعات المعتادة أو تصبح غير واضحة، لذلك لا نعرف ماذا تتوقع الآن أو في المستقبل. فكما أن الضياع في المكان يُشعرنا بالقلق، فإن "الضياع في الزمن" - أي بدون روتين أو خطط أو توقعات - حتى لو لم نكن تائهين مكانيًّا بالفعل، فإن فقدان الإحساس بالوقت أو الروتين قد يُشعرنا بالارتباك والخوف وعدم الاستقرار أو الاطمئنان بنفس القدر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر الرئيس
https://mariusmasalar.me/why-humans-totally-freak-out-when-they-get-lost
تهافت الذهنيّة الإقصائيّة للحداثة
محمود حيدر
معنى (عتب) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
عدنان الحاجي
الشهادة فلسفة وعطاء (2)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
شروط النصر (4)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
بين العالم والرّوح العلميّة
الشهيد مرتضى مطهري
منشأ كلّ آفة نبتلي بها هو غفلة بواطننا!
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
العارف والصّوفي
الشيخ محمد هادي معرفة
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
الشيخ محمد صنقور
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
الشيخ شفيق جرادي
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
تهافت الذهنيّة الإقصائيّة للحداثة
معنى (عتب) في القرآن الكريم
لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
الشهادة فلسفة وعطاء (2)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (4)
شروط النصر (4)
بين العالم والرّوح العلميّة
الشهادة فلسفة وعطاء (1)
مهمّة المتعرِّف: معرفة الغَير في معرفة الذّات
شروط النصر (3)