قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ مرتضى الباشا
عن الكاتب :
الشيخ مرتضى الباشا، من مواليد سيهات في 1395 هـ، التحق بالحوزة العلميّة ودرس على مجموعة من علمائها، له كثير من النّشاطات والمشاركات عبر مواقع الإنترنت، وله العديد من المؤلفات منها: الحبوة في مناسك الحج، أسرار الحج في كلمات العلماء، ذبائح أهل الكتاب (دراسة مقارنة)، فيه آيات بينات، ومذاكرات في التقريب والوحدة (المنهج التقريبي السليم).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا)

قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا  وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة: 104).

 

1- حسب الترتيب القرآني المتداول بين أيدينا، فالآية السابقة هي الآية الأولى في القرآن الكريم التي جاء فيها عبارة (يا أيها الذين آمنوا)، وقد تضمنت الآية الكريمة العديد من المفاهيم العظيمة، ونقف في هذا المقالة على أحد تلك المفاهيم.

 

 2- المراعاة: التفقد للشيء في نفسه أو أحواله. ورعى الله فلانا أي: حفظه. وأرعيته سمعي: إذا أصغيت إليه. وراعيته بعيني: إذا لاحظته. وجمع الراعي: رعاء ورعاة ورعيان، وكل من ولي قومًا فهو راعيهم، وهم رعيّته.

 

3- (انظرنا) بضم همزة الوصل وضم الظاء مشتقة من (النظر) لا من (الانتظار). فالمراد هنا هو تدبير المصالح والرعاية والرفق والمراقبة، ومنه اشتق كلمة (الناظر) لمن يشرف على مصالح المدرسة أو الوقف مثلاً.

 

4- سبب النزول: روي عن ابن عباس أنّه قال: إنّ الصحابة كانوا يطلبون من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لدى تلاوته الآيات وبيانه الأحكام الإلهية أن يتمهل في حديثه حتى يستوعبوا ما يقوله، وحتى يعرضوا عليه أسئلتهم، وكانوا يستعملون لذلك عبارة: (راعنا) أي أمهلنا. واليهود حوّروا معنى هذه الكلمة لتكون من (الرعونة) فتكون راعنا بمعنى اجعلنا رعناء، واتخذوا ذلك وسيلة للسخرية من النبي والمسلمين.

 

روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): هذه الكلمة سبّ بالعبرانية.

 

وقال بعض المفسرين: إن عبارة (راعنا) في كلام اليهود سبّة تعني (اسمع ولما تسمع)، وكانوا يرددون هذه العبارة مستهزئين! وقيل إنّ اليهود كانوا يقولون بدلا من راعنا (راعينا) = (راعي + نا) ويخاطبون بذلك النبي ساخرين.

 

5- قال الله سبحانه (مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ  وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (سورة النساء: 46).

 

ولعل هذه الآية الكريمة تفيد أن كلمة (راعنا) كان لها معنى آخر عند اليهود، وأنّ قولهم ذلك (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ).

 

6- مما سبق من سبب نزول هذه الآية الكريمة نستنتج أن على المسلمين أن لا يوفروا للأعداء فرصة الطعن بهم، وأن لا يتيحوا لهم بفعل أو قول ذريعة يسيئون بها إلى النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أو للجماعة المسلمة.

 

عليهم أن يتجنبوا حتى ترديد عبارة يستغلها العدو لصالحه.

 

حين يشدد الإسلام إلى هذا الحد في هذه المسألة البسيطة، فإنّ تكليف المسلمين في المسائل الكبرى واضح، عليهم في مواقفهم من المسائل العالمية أن يسدّوا الطريق أمام طعن الأعداء، وأن لا يفتحوا ثغرة ينفذ منها المفسدون الداخليون والأجانب للإساءة إلى سمعة الإسلام والمسلمين.

 

ومن ذلك نعرف شيئًا من شناعة الأعمال الإرهابية التي شوّهت صورة الإسلام، وشوّهت صورة نبي الرحمة (صلّى الله عليه وآله) وأعطت الذرائع لأعداء الإسلام في تصوير رسولنا الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بمظهر دموي مصّاص للدماء، أو مظهر جنسي غير لائق.

 

ومن ذلك نعرف أيضًا شيئًا من ضرورة الوعي والبصيرة في اتخاذ المواقف والأفعال والأقوال، فربّ كلمة (حق)، ولكن استفاد منها الأعداء في الوقيعة بين المؤمنين أو المسلمين.

 

7- على المؤمن الواعي أن يحذر من أن يكون آلة بيد الأعداء لتحقيق أهدافهم ومآربهم، وهو لا يشعر بذلك أو لا يبالي.

 

8- بقي أن نتحدث عن قوله تعالى (واسمعوا)، ويحتمل فيه أمران:

 

أ- اسمعوا أي استمعوا، فالمطلوب هو الإصغاء لكلام الرسول (صلّى الله عليه وآله) حتى لا يحتاج الرسول إلى إعادة ما قاله. وهذا من الآداب الأخلاقية عند الحديث مع الآخرين لا سيما في مقام التعلّم والاستفادة.

 

ب- اسمعوا أي (اقبلوا ما يأمركم به)، فهو كقولك (سمع الله لمن حمده) أي قَبِل الله واستجاب ممن حمده.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد