
تمهيد
حين يُسأل عن ماهيَّة السؤال وأحواله لا يعود ثمَّة مسافة بين السائل وسؤاله، ولا بينه وبين الإجابة المحتملة. وعند ذاك يصير السائل والسؤال والموضوع المسؤول عنه كينونة واحدة. إلَّا أن هذه الكينونة تبقى غير محدَّدة وغير منجزة ما دامت لم تتلقَّ بعد جوابًا لتصبح محدَّدة. ولكي تحصِّل الجواب عمَّا يفصح عنها كماهيَّة وهوّيَّة ودور عليها أن تتطلَّع إلى ما يحتجب وراء الجدار، وأن تسلك دربة الوصول إلى العلم. هنالك فقط تتهيَّأ للتلقّي، ولما يتدفَّق عليها من معارف لا تتأتَّى إلَّا بسؤالٍ شغوف بالإجابة وواعٍ لبعدَيها المرئيِّ والمستتر.
يجدر القول هنا أنَّ الجواب في المنزلة الميتافيزيقيَّة سمْتُه الإقبال في الَّلحظة التي يسمع فيها نداء الاستفهام. لكن ليس أيَّ نوع من النداء، وإنَّما ذاك الساري في حركة جوهريَّة متمدِّدة في فضاء متعدِّد الأبعاد يضمُّ السائل والسؤال والشيء المسؤول عنه. ومتى عرفنا أنَّ الحركة في الجوهر هي حركة دفعيَّة تختزل الزمن، وتنقل الكينونة المثلَّثة الأضلاع من حال التبدُّد والزوال إلى مقام الثبات والديمومة، عرفنا نظير ذلك أنَّ الحركة العرَضيَّة التي تبدأ ثمَّ تتبدَّد، هي حركة تستهلك الزمن، ويستهلكها الزمن، وتكون النتيجة تبديد السؤال وتبديد جوابه على الأثر.
في مثنَّى السؤال والجواب
السؤال حركة ممتدَّة من مجهول طلبًا إلى معلوم ما. وهو في المآل الأخير رغبة الفكر في الامتداد إلى ما لا يقف فيه عند حدّ. لهذا السبب، غالبًا ما يكون الجواب شقاءً للسؤال. حيث يكون الجواب فتنة للفكر يغويه إلى أسئلة لا نهاية لها. ذلك هو الوجه المحيِّر في كلِّ جواب. إلَّا أنَّ ذلك لا يعني أنَّ الجواب شقي في ذاته. إنَّه واثق من ذاته، ويتميَّز بنوع من السموّ. فالمجيب في النهاية هو أكثر سموًّا من السائل. ذلك بأن الجواب هو نضج السؤال في نهاية المطاف[1].
ما يعنينا في هذا المنفسح هو الاستفهام عن الوجود الذي “يوضع موضع سؤال”، في هذا المقام من الاستفهام يُسلَّط نور السؤال على كلِّ شيء، شأنَّه في ذلك شأن تلك النجوم التي يشتدُّ ضياؤها ويحتدُّ كي تنطفئ. فالقوَّة المضيئة التي تعلو بالوجود نحو الصدارة والتي يظهر الوجود عن طريقها بعد اختفاء وتحجُّب، هي في الوقت نفسه ما يهدِّد الوجود بالاختفاء. أمَّا السؤال فهو تلك الحركة التي يغيّر فيها الوجود مجراه فيظهر كإمكانيَّة مرهونة بدورة الزمان. ربما هذا هو بالضبط مصدر الصمت الذي يطبع الجمل الاستفهاميَّة. لكأنَّ الوجود، عندما يضع نفسه موضع سؤال، يبدو كأنَّه يتخلَّى عن صخب انبثاقه، ليكشف عن نفسه وينفتح، ويفتح الجملة على آفاق جديدة، بحيث تغدو الجملة بذلك الانفتاح فاقدة لمركزها الذاتيِّ الذي يصبح خارجًا عنها ومقيمًا في المحلِّ المحايد[2].
كلُّ سؤال عيش في الماقبل والمابعد في الآن عينه. فالسائل عن الماضي يضمر الَّلحظة التي هو فيها، والمقبل الذي سيحلُّ فيه. وعليه، يكون السؤال جامعًا لوحدات زمنيَّة متضادَّة: الماضي والحاضر والآتي. شأنَّه في هذا شأن المثنَّى في فقه الَّلغة. كلٌّ من طرفي المثنَّى يتمِّم نظيره وهو في غاية الرضى. وعليه فهو في الآن عينه “ما قبل وما بعد معًا”. ذلك بأنَّه متضمَّن في الموضعين ولا يغادرهما قطّ. فالسؤال قاطن في المعرفة وسليلها. وعليه، فهو ممتدٌّ بين الجهل والعلم، وحركته بينهما حركة امتداد جوهريّ. فلو حصل تقدُّم أو تأخُّر في حركة ظهور العلم من الجهل فهذا عائد إلى الشروط الفيزيائيَّة التي تحكم الوعي البشريَّ ضمن دائرة الزمان والمكان. أمَّا الحقيقة فهي تلك الكامنة في السريان الجوهريِّ الذي يتوقَّف ظهوره على التناسب والتطابق بين السؤال والجواب.
لكن السؤال ليس مجرَّد علاقة، وإنَّما هو سيرورة تضمُّ طرفيها وتوحِّد بينهما. العلاقة لا يعوَّل عليها في التناظر داخل الجنس الواحد. فالسؤال والجواب جنس واحد. والتقابل بينهما لا ينبني على التناقص وإنَّما على ضديَّة خلَّاقة تؤول إلى التكامل والانسجام والوحدة. السؤال هو أشبه بإجراء تلقيحيٍّ لوضعيَّة تتمتَّع بالاستعداد للولادة والانبثاق.
السؤال مفطور على المثنَّى. ذلك بأنَّ مبعثه البَدئيَّ مبنيٌّ على طرفين متلازمين لا انفصام لهما: الاستفهام وجوابه. ولأنَّه كذلك فهو محيط بزمنين ومحاطٌ بهما في نفس الآن: 1-زمانُه بما هو مفهوم كليٌّ يناظر الأنطولوجيا (علم الوجود). 2-وزمان الجواب الخاصّ به بوصفه مفهومًا جزئيًّا يتاخم الظواهر السارية في التاريخ. إنَّ هذه الخاصِّية التكوينيَّة للسؤال أكسبته صفة المثنَّى في حضوره المركَّب: الميتافيزيقيّ والتاريخيّ. ما يعني أنَّه في الآن عينه، ما قبل وما بعد، ومبتدأ وخبر، ومبدأ وغاية.
مثال: السؤال قاطن في الجهل بالموجود، وهو سليله ولولاه ما ظهر. وهو أيضًا قاطن في العلم وهو سليله ما دام كلُّ علم بشيء يستدعي الاستفهام. هنا يصير السؤال زمانًا ممتدًّا بين الجهل والعلم. إلَّا أنَّ حركته الامتداديَّة هي امتداد وسريان جوهريّ. ولو حصل تقدُّم أو تأخُّر في حركة العلم بشيء ما من بعد الجهل به، فهذا عائد إلى الشروط الفيزيائيَّة الحاكمة على الوعي البشريِّ ضمن دائرة الزمان والمكان. أمَّا الحقيقة فهي السريان الجوهريَّ الذي يتحقَّق ظهوره بالتناسب والتطابق بين السؤال وجوابه.
لكن السؤال ليس مجرَّد علاقة بين مجهول ومعلوم، فماهيَّتُه الأصيلة في الواقع الخارجيِّ غير ماهيَّتها الاعتباريَّة في الذهن. من سمات مقولة العلاقة كما حدّدتها الميتافيزيقا أنَّها بسيطة لا تُدرَك إلَّا بالتركيب، فهي مولود بديهيٌّ لقوانين هذا العالم المتناقض والكثيف ولا تقوم إلَّا به. فالعلاقة لا تحدث إلَّا بين واقعين وأكثر. وإن لم توجد الحدود والوقائع فلا وجود لشيء اسمه علاقة. فالعلاقة ـ على ما تنظر الفلسفة الأولى ـ من أوهن مقولات الفكر، بل إنَّها الأكثر زوالًا وتبدُّلًا. ومع ذلك فهي موجودة مع كونها غير قائمة بذاتها. بها تظهر الأشياء متَّحدة من دون أن تختلط، ومتميّزة من دون أن تتفكَّك. وبها تنتظم الأشياء، وتتألَّف فكرة الكون. إنَّها تقتضي الوحدة والكثرة في آن. هي واحدة، وكثيرة بحكم خصيصة الأُلفة التي حظيت بها بين البساطة والتركيب.
على صعيد الفكر تربط (العلاقة) بين مواضيع فكريَّة مختلفة وتجمعها في إدراك عقليٍّ واحد، تارة بسببيَّة، وأخرى بتشابه أو تضادّ، وثالثة بقرب أو بعد. وعلى صعيد الواقع فإنَّها تجمع بين أقسام كيان واقعيٍّ أو بين كائنات كاملة محافظة عليها في تعدُّدها. وهكذا يستحيل تقديم توصيف محدَّد للعلاقة، حيث لا وجود مستقلّ لها. إنَّها كالماهيَّة من وجهٍ ما، لا موجودة ولا معدومة إلَّا إذا عرض عليها الوجود لتكون به ويكون بها. لذلك سيقول عنها أرسطو، إنَّها واحدة من المقولات العشر، وهي عَرَضٌ يظهر لدى الكائن بمثابة اتِّجاه. أي أنَّها صوب آخر، تطلُّع، ميلٌ، مرجعٌ، ويقتضي دائمًا لظهوره وجود كائنين متقابلين على الأقلّ. صاحب العلاقة وقطبها الآخر، ثمَّ الاتصال بينهما[3].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – M.Blanchot, L’entretien infini, Gallimard, pp. 13-16.
[2] – ipID, pp. 17.
[3] – (الموسوعة الفلسفيَّة ـ معهد الإنماء العربي ـ إشراف: معن زيادة، بيروت- 1984. راجع مصطلح علاقة).
معنى (ستر) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
حقائق ودروس مهمّة تتعلّق بالصّيام
الأستاذ عبد الوهاب حسين
معرفة الإنسان في القرآن (8)
الشيخ مرتضى الباشا
الموانع من حضور الضيافة الإلهية
الشيخ محمد صنقور
البعث والإحياء بعد الموت
الشيخ محمد جواد مغنية
أهميّة قوة العضلات في خفض معدّل الوفيات للنّساء فوق الستين
عدنان الحاجي
البعض لا يتغيّر حتّى في شهر رمضان المبارك، فماذا عنك أنت؟!
الشيخ علي رضا بناهيان
أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)
السيد جعفر مرتضى
شروط استجابة الدعاء
الشيخ محمد مصباح يزدي
اللهمّ إني أفتتح الثّناء بحمدك
السيد محمد حسين الطهراني
السيّدة خديجة: سيّدة بيت النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشكاة اللّيل
فريد عبد الله النمر
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
حميتك في شهر رمضان
(البلاغة ودورها في رفع الدّلالة النّصيّة) محاضرة للدكتور ناصر النّزر
معنى (ستر) في القرآن الكريم
أداء الأمانة والنقد الذاتي في شهر رمضان
حقائق ودروس مهمّة تتعلّق بالصّيام
معرفة الإنسان في القرآن (8)
شرح دعاء اليوم الرابع عشر من شهر رمضان
خصائص الصيام (2)
الإرادة والتوكل في شهر رمضان
معرفة الإنسان في القرآن (7)